يتجلى مفهوم الوعي على اعتبار أنه أحد أكثر المفاهيم تعقيدًا وإثارة للجدل في الحقول المعرفية المعاصرة، حيث يتقاطع في دراسته الفلسفي والنفسي والاجتماعي، بل ويمتد إلى العلوم العصبية والدراسات الإعلامية. ويُشار إلى الوعي -في أبسط صوره- بوصفه حالة الإدراك الذاتي والإحساس بالوجود الداخلي والخارجي، بما يشمله من خبرات شعورية ومعرفية تمكّن الإنسان من فهم ذاته وعلاقته بالعالم من حوله. غير أنّ هذا المفهوم، على الرغم من بديهيته الظاهرية، يظل إشكاليًّا من حيث التعريف العلمي الدقيق، نظرًا لطبيعته الذاتية وتعقّد مكوّناته، التي تتراوح بين الخبرة الشعورية المباشرة والقدرة على معالجة المعلومات وتوجيه السلوك.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المفكرين المعاصرين أنّ الوعي هو وعي حضاري، لا يقتصر على إدراك الفرد لذاته، بل يمتد ليشمل إدراكه لدوره في المجتمع والتاريخ. فقد أكد مالك بن نبي أنّ أزمة العالم الإسلامي ليست أزمة موارد، بل (أزمة أفكار وأزمة وعي)، حيث يفقد الإنسان فاعليته عندما يختل وعيه الحضاري، فيصبح قابلاً للاستعمار والسيطرة الفكرية. ومن هنا، ربط بن نبي بين التحرر الحقيقي وبناء الإنسان الواعي القادر على إنتاج الأفكار لا استهلاكها.
أما محمد عابد الجابري، فقد تناول الوعي من خلال تحليله لبنية العقل العربي، مشيرًا إلى الحاجة إلى نقد العقل بوصفه مدخلًا لإعادة تشكيل الوعي، وتحريره من الأنماط التقليدية الجامدة. ويرى الجابري أنّ الوعي ليس معطًى جاهزًا، بل هو بناء تاريخي وثقافي يتشكل من خلال المعرفة والنقد.
ويتقاطع هذا الطرح الإسلامي العربي المعاصر مع بعض الإشكالات التي طرحتها الفلسفة الغربية حول الوعي. فقد رأى ديكارت أنّ الوعي يمثل أساس اليقين، من خلال قوله (أنا أفكر إذن أنا موجود)، مؤكدًا أن التفكير الواعي هو جوهر الوجود الإنساني. غير أنّ هذا اليقين لم يمنع من الشك في الحواس وإمكانية خداعها، مما يفتح المجال أمام التساؤل حول حدود الوعي وإمكانات تضليله.
أما نيتشه، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، حين اعتبر أنّ الوعي قد يكون مصدرًا للتزييف، إذ إن ما يصبح واعيًا يتعرض، في نظره، لعمليات اختزال وتشويه. وهو ما ينسجم جزئيًا مع التحذير الإسلامي من الوقوع في أوهام النفس والهوى، وإن اختلفت المرجعيات الفلسفية.
ومع تطور العصر الحديث، أصبح الوعي أكثر عرضة للتأثير بفعل وسائل الإعلام والتكنولوجيا الرقمية، التي باتت تمتلك قدرة كبيرة على تشكيل الإدراك الجمعي وتوجيهه. وفي هذا الإطار، تبدو أطروحات المفكرين الإسلاميين المعاصرين ذات أهمية متزايدة، إذ تنبّه إلى خطورة الاستلاب الثقافي والتبعية الفكرية، وتدعو إلى بناء وعي نقدي مستقل، يستمد مرجعيته من القيم الإسلامية، ويواجه تحديات العولمة والتضليل الإعلامي.
ومن هنا، يتبيّن أنّ الوعي يمثل ساحة صراع حقيقية بين قوى التحرر وقوى السيطرة؛ فهو من جهة وسيلة لتحقيق استقلال الإنسان الفكري، ومن جهة أخرى قابل للاختراق والتوجيه. ويؤكد التصور الإسلامي، مدعومًا بإسهامات المفكرين المعاصرين، أنّ التحرر الحقيقي لا يتحقق إلا بوعي متكامل يجمع بين العقل والوحي، وبين المعرفة والقيم، وبين الحرية والمسؤولية.
وفي إطار تحليل ظاهرة الاستحواذ على العقول بوصفها أحد التحديات الأساسية التي تواجه الوعي الإنساني، تبرز النماذج الفكرية والسياسية التي تسعى إلى توجيه وعي الجماعات، وتحديد مسارات تفكيرها، بما يخدم رؤى أيديولوجية أو دينية أو سياسية بعينها. ومن بين هذه النماذج التي تستحق الدراسة في هذا السياق، فكرة (ولاية الفقيه) بوصفها تصورًا معاصرًا للحكم في الفكر السياسي المتطرف.
إنّ النظر إلى هذه الفكرة من زاوية التحليل العلمي للوعي لا يهدف إلى إصدار أحكام معيارية، بل إلى فهم آليات اشتغالها في تشكيل الوعي الجمعي. ذلك أنّ بعض الدراسات الفكرية المعاصرة تشير إلى أنّ ربط السلطة السياسية بالمرجعية الدينية العليا يفضي إلى توسيع دائرة التأثير في الوعي، بحيث لا تقتصر الطاعة على المجال السياسي، بل تمتد إلى المجال الفكري والأخلاقي والاستحواذي، مما يمنح الخطاب الموجّه قوة مضاعفة في التأثير والإقناع. وفي هذه الحالة، يصبح الوعي الفردي عرضة لإعادة التشكيل في إطار منظومة معرفية مغلقة نسبيًّا، تقوم على التسليم بمرجعية واحدة في تفسير النصوص وفي توجيه الواقع.
وهذا ما تحاول فكرة (ولاية الفقهية) أن تفعله، ويتجلى هذا البعد بشكل أكثر وضوحًا في ظاهرة الاستحواذ على العقول أو التلاعب بالوعي، التي تتخذ أشكالًا متعددة، تتراوح بين الضغط الاجتماعي المباشر، وعمليات الإقناع المنهجي، وصولًا إلى تقنيات الدعاية والإعلام. فقد باتت وسائل الإعلام الحديثة، بما تمتلكه من أدوات لغوية وبصرية وسمعية، قادرة على تشكيل الرأي العام والتأثير في اتجاهات الأفراد، عبر استثارة العواطف وتوظيف الصور والخطابات الموجّهة. ومع تطوّر التكنولوجيا الرقمية، تعاظم هذا التأثير ليشمل استخدام الخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي في توجيه الانتباه، ونشر المعلومات المضللة، وتعزيز أنماط محددة من التفكير.
وهنا وفي هذه اللحظة يبرز الوعي بوصفه أداة مركزية في عملية التحرر الفكري، إذ يشكّل أساس القدرة على التفكير النقدي، والاستقلال في تكوين المواقف والاتجاهات، ومقاومة الأشكال المختلفة من الهيمنة. فالتحرر الفكري لا يعني مجرد امتلاك المعرفة، بل يتجسد في القدرة على مساءلة هذه المعرفة، وتفكيك بنياتها، وتحريرها من الأطر الأيديولوجية المفروضة.
يتبيّن أنّ الوعي يمثل ساحة صراع حقيقية بين قوى التحرر وقوى السيطرة؛ فهو من جهة وسيلة لتحقيق استقلال الإنسان الفكري، ومن جهة أخرى قابل للاختراق والتوجيه. ويؤكد التصور الإسلامي، مدعومًا بإسهامات المفكرين المعاصرين، أنّ التحرر الحقيقي لا يتحقق إلا بوعي متكامل يجمع بين العقل والوحي، وبين المعرفة والقيم، وبين الحرية والمسؤولية.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك