العدد : ١٧٥٩٩ - السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٩ - السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

اتجاهات إدارة الصراع بين أمريكا وإيران

بقلم: د. نبيل فهمي

السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬المقالة‭ ‬السابقة،‭ ‬كان‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬بوصفها‭ ‬نموذجا‭ ‬لحربٍ‭ ‬عجزت‭ ‬فيها‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬حسم‭ ‬سياسي‭ ‬واضح،‭ ‬رغم‭ ‬ضخامة‭ ‬الكلفة‭ ‬البشرية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والاقتصادية‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬الطبيعة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬للحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬يعكس‭ ‬المعضلة‭ ‬نفسها‭: ‬فجوة‭ ‬متزايدة‭ ‬بين‭ ‬الأهداف‭ ‬المعلنة‭ ‬والنتائج‭ ‬الفعلية،‭ ‬وتراجع‭ ‬تدريجي‭ ‬لفكرة‭ ‬‮«‬النصر‭ ‬والحسم‮»‬‭ ‬لصالح‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‭ ‬واحتواء‭ ‬مخاطرها‭.‬

وبحلول‭ ‬مايو‭ ‬2026،‭ ‬أدت‭ ‬المواجهات‭ ‬العسكرية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بإيران‭ -‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬استهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬النووية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حروب‭ ‬الوكلاء،‭ ‬أو‭ ‬تبادل‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭- ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬بعض‭ ‬القدرات‭ ‬الإيرانية،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تُنهِ‭ ‬التحدي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬تمثله‭ ‬طهران‭.‬

‭ ‬فقد‭ ‬سعت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬نووية‭ ‬عسكرية،‭ ‬وتقليص‭ ‬نفوذها‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وفرض‭ ‬مستوى‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬الردع‭ ‬يمنع‭ ‬التصعيد‭ ‬المستقبلي‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تعرضت‭ ‬إيران‭ ‬لخسائر‭ ‬بشرية‭ ‬ومادية‭ ‬كبيرة،‭ ‬وتراجعت‭ ‬قدرات‭ ‬شبكاتها‭ ‬الإقليمية،‭ ‬كما‭ ‬تضررت‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬بنيتها‭ ‬العسكرية‭ ‬والنووية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬هناك‭ ‬كلفة‭ ‬ضخمة‭ ‬على‭ ‬الكل‭.‬

فإيران‭ ‬لم‭ ‬تُخضع‭ ‬سياسيا،‭ ‬لكنها‭ ‬أيضا‭ ‬لم‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬أو‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بمعادلة‭ ‬ردع‭ ‬مستقرة‭ ‬أو‭ ‬توسيع‭ ‬نفوذها‭ ‬الإقليمي‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬تطمح‭. ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬خسارتها‭ ‬السياسية‭ ‬الأهم‭ ‬هي‭ ‬تراجع‭ ‬مسار‭ ‬التهدئة‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬سابقا‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الخليجية،‭ ‬وعودة‭ ‬الشكوك‭ ‬الإقليمية‭ ‬حول‭ ‬سلوكها‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬انكماشها‭ ‬الإقليمي‭.‬

وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬المفارقة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا؛‭ ‬فالنجاحات‭ ‬التكتيكية‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬سياسية‭ ‬مستدامة‭. ‬والضربات‭ ‬العسكرية‭ ‬قد‭ ‬تؤخر‭ ‬برنامجا‭ ‬نوويا‭ ‬أو‭ ‬تدمر‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬أو‭ ‬ترسل‭ ‬رسائل‭ ‬ردع‭ ‬قوية،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تنتج‭ ‬تلقائيا‭ ‬نظاما‭ ‬إقليميا‭ ‬مستقرا‭. ‬وإيران‭ ‬بعد‭ ‬إضعافها‭ ‬مازالت‭ ‬تستطيع‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬العقوبات‭ ‬والضغوط‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بإمكانية‭ ‬‮«‬حل‭ ‬المشكلة‭ ‬الإيرانية‮»‬‭ ‬وتغيير‭ ‬النظام‭ ‬عسكريا‭ ‬يبدو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الوهم‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الواقعية‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬المسار‭ ‬الأقرب‭ ‬والأكثر‭ ‬واقعية‭ ‬لا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬اتفاق‭ ‬شامل‭ ‬وكبير،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬عملية‭ ‬تدريجية‭ ‬لخفض‭ ‬التصعيد‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬لمنع‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬أوسع‭.‬

ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬بوضع‭ ‬سقوف‭ ‬واضحة‭ ‬لمستويات‭ ‬تخصيب‭ ‬إيران‭ ‬لليورانيوم،‭ ‬مع‭ ‬تعزيز‭ ‬دور‭ ‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‭ ‬وتوسيع‭ ‬آليات‭ ‬التفتيش‭ ‬والتحقق‭. ‬وأن‭ ‬تشمل‭ ‬تفاهمات‭ ‬متبادلة‭ ‬بعدم‭ ‬الاعتداء،‭ ‬وهناك‭ ‬أخبار‭ ‬عن‭ ‬اقتراح‭ ‬من‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخصوص،‭ ‬مع‭ ‬الوقف‭ ‬الكامل‭ ‬والحاسم‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬إيران‭ ‬لاستهداف‭ ‬المنشآت‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمدنية‭ ‬وتأمين‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬والمنشآت‭ ‬النفطية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إنشاء‭ ‬قنوات‭ ‬اتصال‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬لمنع‭ ‬سوء‭ ‬التقدير‭ ‬أثناء‭ ‬الأزمات‭.‬

كذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تخفيف‭ ‬العقوبات‭ ‬بصورة‭ ‬تدريجية‭ ‬وقابلة‭ ‬للعكس،‭ ‬وربطها‭ ‬بآليات‭ ‬امتثال‭ ‬واضحة،‭ ‬قد‭ ‬يوفر‭ ‬حافزا‭ ‬عمليا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬الضغط‭ ‬المفتوح‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أفق‭ ‬سياسي‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البيئات‭ ‬المتوترة،‭ ‬تصبح‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإنسانية‭ ‬وتبادل‭ ‬السجناء‭ ‬أدوات‭ ‬سياسية‭ ‬مهمة،‭ ‬ليس‭ ‬لأنها‭ ‬تحل‭ ‬جذور‭ ‬الأزمة،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬الانهيار‭ ‬الكامل‭ ‬لقنوات‭ ‬التواصل‭.‬

ويبقى‭ ‬البعد‭ ‬الإقليمي‭ ‬عنصرا‭ ‬حاسما‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مقاربة‭ ‬واقعية؛‭ ‬فدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬تعرضت‭ ‬لاعتداءات‭ ‬إيرانية‭ ‬إجرامية‭ ‬وتمتلك‭ ‬مصالح‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬التصعيد،‭ ‬سواء‭ ‬لحماية‭ ‬أمنها‭ ‬الداخلي‭ ‬أو‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬ومسارات‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭. ‬وقد‭ ‬نوه‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬أخيرا‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬أجل‭ ‬ضربة‭ ‬جديدة‭ ‬لإيران‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬طلب‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والخليجية،‭ ‬ونشرت‭ ‬أخبار‭ ‬عن‭ ‬حديث‭ ‬تليفوني‭ ‬حاد‭ ‬بين‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ورئيس‭ ‬وزراء‭ ‬إسرائيل‭ ‬لتمسك‭ ‬الأخير‭ ‬بخط‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬المستمر‭.‬

أما‭ ‬تركيا‭ ‬والعراق‭ ‬فهما‭ ‬يديران‭ ‬توازنات‭ ‬معقدة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬والغرب،‭ ‬ما‭ ‬يجعلهما‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬معادلة‭ ‬إقليمية‭ ‬مستقبلية‭. ‬ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬مسار‭ ‬جاد‭ ‬لخفض‭ ‬التصعيد‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬محصورا‭ ‬في‭ ‬القناة‭ ‬الأمريكية‭ - ‬الإيرانية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مظلة‭ ‬إقليمية‭ ‬أوسع‭.‬

وفى‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أصبح‭ ‬الدور‭ ‬العربي‭ ‬والخليجي‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬مما‭ ‬يبدو‭ ‬ظاهريا؛‭ ‬لأنها‭ ‬تستطيع‭ ‬تسهيل‭ ‬تفاهمات‭ ‬تقنية‭ ‬محدودة‭ ‬تسمح‭ ‬بخفض‭ ‬التوتر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يضطر‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬تنازل‭ ‬سياسي‭ ‬علني‭ ‬كبير‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الاتفاقات‭ ‬الجزئية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالأمن‭ ‬البحري‭ ‬أو‭ ‬قواعد‭ ‬الاشتباك‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬مثل‭ ‬اليمن‭ ‬ولبنان‭ ‬والعراق‭ ‬قد‭ ‬تحقق‭ ‬نتائج‭ ‬عملية‭ ‬ملموسة‭ ‬وتمنع‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬مواجهة‭ ‬أوسع‭.‬

لكن‭ ‬حتى‭ ‬أكثر‭ ‬الترتيبات‭ ‬التقنية‭ ‬دقة‭ ‬ستظل‭ ‬مرتبطة‭ ‬بعامل‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يُستهان‭ ‬به‭ ‬هو‭ ‬السياسة‭ ‬الداخلية؛‭ ‬فالقادة‭ ‬الإيرانيون‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬أي‭ ‬تفاهم‭ ‬باعتباره‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬الكرامة‭ ‬الوطنية‭ ‬وصمودا‭ ‬استراتيجيا،‭ ‬لا‭ ‬استسلاما‭ ‬للضغوط‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الظهور‭ ‬بمظهر‭ ‬التراخي‭ ‬امام‭ ‬التهديد‭ ‬الايراني‭. ‬أما‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬فهي‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬ترتيبات‭ ‬تعزز‭ ‬أمنها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬تمنح‭ ‬إيران‭ ‬أي‭ ‬مكاسب‭.‬

وهنا‭ ‬تحديدا‭ ‬تظهر‭ ‬أهمية‭ ‬الاتفاقات‭ ‬التدريجية‭ ‬المحدودة،‭ ‬لأنها‭ ‬تمنح‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬مساحة‭ ‬سياسية‭ ‬للمناورة‭ ‬الداخلية‭. ‬الدبلوماسية‭ ‬هي‭ ‬تفاوض‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬إغفال‭ ‬الروايات‭ ‬الوطنية‭ ‬المتنافسة‭.‬

وقد‭ ‬ترددت‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬أخبار‭ ‬عن‭ ‬احتمال‭ ‬توصل‭ ‬إيران‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬إعلان‭ ‬مبادئ‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب‭ ‬وإعطاء‭ ‬مهلة‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬للتوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬تفصيلي‭ ‬كامل‭.‬

والتشابه‭ ‬مع‭ ‬أوكرانيا‭ ‬يبقى‭ ‬واضحا‭. ‬ففي‭ ‬الحالتين،‭ ‬أدى‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬تعميق‭ ‬الهويات‭ ‬السياسية‭ ‬وتصلب‭ ‬المواقف‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬تسويات‭ ‬نهائية‭. ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬الأزمتان‭ ‬حدود‭ ‬القدرة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الإنجازات‭ ‬الميدانية‭ ‬إلى‭ ‬قبول‭ ‬سياسي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭.‬

وفى‭ ‬الحالة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬فقد‭ ‬يعنى‭ ‬ذلك‭ ‬تفاهمات‭ ‬نووية‭ ‬وإقليمية‭ ‬محدودة‭ ‬تخفض‭ ‬المخاطر‭ ‬الفورية،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬التنافس‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬قائما،‭ ‬ومن‭ ‬الأهمية‭ ‬بمكان‭ ‬في‭ ‬الحالتين‭ ‬ربط‭ ‬تلك‭ ‬الخطوات‭ ‬والبناء‭ ‬عليها‭ ‬إقليميا‭ ‬ودوليا‭ ‬لتجنب‭ ‬تكرار‭ ‬المعارك‭ ‬ومواصلة‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬حلول‭ ‬شاملة‭ ‬للمشكلات‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬استغرق‭ ‬ذلك‭ ‬وقتا‭.‬

وقد‭ ‬لا‭ ‬يرضى‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬أصحاب‭ ‬الرؤى‭ ‬القصوى‭ ‬أو‭ ‬دعاة‭ ‬الحسم‭ ‬الكامل،‭ ‬لكنه‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة،‭ ‬التي‭ ‬تنتهي‭ ‬غالبا‭ ‬بتسويات‭ ‬ناقصة‭ ‬لأن‭ ‬البدائل‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭. ‬فوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬ليس‭ ‬سلاما،‭ ‬والاتفاق‭ ‬المحدود‭ ‬ليس‭ ‬مصالحة،‭ ‬لكنهما‭ ‬قد‭ ‬يكونان‭ ‬الوسيلة‭ ‬الوحيدة‭ ‬لمنع‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬فوضى‭ ‬أوسع‭.‬

وفى‭ ‬النهاية،‭ ‬تكشف‭ ‬الحربان‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وإيران‭ ‬حقيقة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬المعاصر‭: ‬إنهاء‭ ‬الحروب‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬لحظة‭ ‬درامية‭ ‬فاصلة،‭ ‬بل‭ ‬عملية‭ ‬طويلة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬كلفة‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬القتال،‭ ‬وبناء‭ ‬مسارات‭ ‬تدريجية‭ ‬لضبط‭ ‬النفس‭ ‬والتعايش‭ ‬مع‭ ‬الخلافات‭. ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬البطيء‭ ‬وغير‭ ‬المثالي‭ ‬هو‭ ‬الخيار‭ ‬الواقعي‭ ‬الوحيد‭ ‬المتاح‭ ‬للعالم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬المضطربة‭.‬

 

{‭ ‬وزير‭ ‬خارجية‭ ‬مصر‭ ‬الأسبق‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا