العدد : ١٧٥٩٨ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٨ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

النضال ضد القانون الإسرائيلي لإعدام الأسرى

بقلم: د. مصطفى البرغوثي

الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

يمثّل‭ ‬إقرار‭ ‬الكنيست‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬قانون‭ ‬الإعدام‭ ‬ضدّ‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬وكذلك‭ ‬قانون‭ ‬تشكيل‭ ‬محكمة‭ ‬خاصّة‭ ‬بأسرى‭ ‬‮«‬7‭ ‬أكتوبر‮»‬‭ (‬2023‭)‬،‭ ‬محاولةً‭ ‬متعدّدة‭ ‬الأهداف‭ ‬لتزوير‭ ‬الحقائق‭ ‬وتشويه‭ ‬السردية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أنّه‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬تحوّلات‭ ‬عميقة‭ ‬نحو‭ ‬الفاشية‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭.‬

وتُعدّ‭ ‬هذه‭ ‬القوانين،‭ ‬أولاً،‭ ‬ترسيخاً‭ ‬وتعميقاً‭ ‬لمنظومة‭ ‬الأبارتهايد‭ ‬والفصل‭ ‬العنصري‭ ‬بتطبيق‭ ‬عقوبة‭ ‬الإعدام‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الإسرائيليين‭. ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬من‭ ‬الأبارتهايد‭ ‬تجاوز‭ ‬في‭ ‬بشاعته‭ ‬منظومته‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬سابقاً،‭ ‬وغدت‭ ‬موضع‭ ‬إدانة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بأسره،‭ ‬حتى‭ ‬انهارت‭ ‬بالكامل‭.‬

وتمثّل‭ ‬كذلك‭ ‬توجّهاً‭ ‬إضافياً‭ ‬للانتقام‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬جريمة‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬ضدّ‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬ردّاً‭ ‬على‭ ‬مقاومتهم‭ ‬الظلم‭ ‬والاحتلال‭. ‬ولا‭ ‬يخفى‭ ‬أنّ‭ ‬أحد‭ ‬أهداف‭ ‬إقرار‭ ‬هذه‭ ‬القوانين‭ ‬هو‭ ‬التغطية‭ ‬على‭ ‬الفشل‭ ‬العسكري‭ ‬والأمني‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ومحاولة‭ ‬للهروب‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬تشكيل‭ ‬لجنة‭ ‬تحقيق‭ ‬فيما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬‮«‬7‭ ‬أكتوبر‮»‬،‭ ‬قد‭ ‬تكشف‭ ‬أنّ‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬القتلى‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬قتلوا‭ ‬برصاص‭ ‬المروحيات‭ ‬ومدافع‭ ‬الدبابات‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

كما‭ ‬تكشف،‭ ‬بما‭ ‬يرافقها‭ ‬من‭ ‬احتفالات‭ ‬مخزية‭ ‬بإقرار‭ ‬قانون‭ ‬الإعدام،‭ ‬وتقلّدٍ‭ ‬لشارات‭ ‬حبل‭ ‬المشنقة‭ ‬الذي‭ ‬تصدّر‭ ‬كذلك‭ ‬كعكة‭ ‬عيد‭ ‬ميلاد‭ ‬الوزير‭ ‬الفاشي‭ ‬إيتمار‭ ‬بن‭ ‬غفير،‭ ‬درجة‭ ‬الانحطاط‭ ‬نحو‭ ‬الفاشية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقيم‭ ‬وزناً‭ ‬لقانون‭ ‬دولي‭ ‬أو‭ ‬لمواثيق‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬أو‭ ‬للادعاءات‭ ‬بديمقراطية‭ ‬الكيان‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

ومثّل‭ ‬إخراج‭ ‬قانون‭ ‬تشكيل‭ ‬محكمة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬خاصّة‭ ‬بـ‮«‬7‭ ‬أكتوبر‮»‬‭ ‬محاولةً‭ ‬خبيثةً‭ ‬للغاية‭ ‬لتقليد‭ ‬محكمة‭ ‬نورمبرغ‭ ‬التي‭ ‬أُنشئت‭ ‬لمحاكمة‭ ‬القادة‭ ‬النازيين‭ ‬الألمان‭ ‬بعد‭ ‬هزيمتهم‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭.‬

ويمثّل‭ ‬القانون‭ ‬الذي‭ ‬أقرّ‭ ‬تشكيل‭ ‬المحكمة‭ ‬محاولة‭ ‬متعدّدة‭ ‬الأهداف؛‭ ‬منها،‭ ‬أولاً،‭ ‬محاولة‭ ‬تقمّص‭ ‬إسرائيل‭ ‬دور‭ ‬الضحية‭ ‬ومكانتها‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الدائر،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تورّطها‭ ‬في‭ ‬جريمة‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬ضدّ‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة‭.‬

وثانياً،‭ ‬إنشاء‭ ‬مهرجان‭ ‬إعلامي‭ ‬وبازار‭ ‬للتغطية‭ ‬على‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬ارتكبت‭ ‬ضدّ‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وتبريرها‭.‬

ثالثاً،‭ ‬ادّعاء‭ ‬الانتصار‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الدائر،‭ ‬وكأنّ‭ ‬المحاكمات‭ ‬ستحسم،‭ ‬كما‭ ‬حسمت‭ ‬محاكمات‭ ‬نورمبرغ‭ ‬نتيجة‭ ‬الصراع،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬إن‭ ‬ترافق‭ ‬افتتاح‭ ‬بازار‭ ‬التشويه‭ ‬مع‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية‭ ‬لتجديد‭ ‬هيمنة‭ ‬اليمين‭ ‬الفاشي‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

وهناك‭ ‬رابعاً،‭ ‬امتصاص‭ ‬غضب‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ونقمته‭ ‬على‭ ‬فشل‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬‮«‬7‭ ‬أكتوبر‮»‬‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حملات‭ ‬تحريض‭ ‬دموي‭ ‬ضدّ‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬إضافية‭ ‬لتقليد‭ ‬الحملات‭ ‬المكارثية‭ ‬وتوجيهها‭ ‬ضدّ‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭. ‬

وذلك‭ ‬ينسجم‭ ‬تماماً‭ ‬مع‭ ‬التوجّهات‭ ‬التي‭ ‬أعلنها‭ ‬نتنياهو‭ ‬بتخصيص‭ ‬مئات‭ ‬ملايين‭ ‬الدولارات‭ ‬لتمويل‭ ‬‮«‬الهسبارا‮»‬‭ (‬حملات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬العامة‭ ‬والدعاية‭ ‬الدولية‭ ‬الإسرائيلية‭)‬،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خسرت‭ ‬إسرائيل‭ ‬المعركة‭ ‬الإعلامية،‭ ‬ومعركة‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬طوال‭ ‬العامَين‭ ‬الماضيَّين‭.‬

والمفارقة‭ ‬هنا‭ ‬أنّ‭ ‬ذلك‭ ‬كلّه‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تواصل‭ ‬حكومة‭ ‬إسرائيل‭ ‬اعتداءاتها‭ ‬واغتيالاتها‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وقطاع‭ ‬غزّة،‭ ‬وتواصل‭ ‬خرق‭ ‬اتفاقات‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬وتصعيد‭ ‬عمليات‭ ‬الإرهاب‭ ‬الاستيطاني‭ ‬وضمّ‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وتهويدها،‭ ‬وتحرّض‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬استئناف‭ ‬الحرب‭ ‬المدمِّرة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭.‬

ولا‭ ‬تدرك‭ ‬المنظومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬أنّ‭ ‬الدمار‭ ‬الذي‭ ‬لحق‭ ‬بسمعتها‭ ‬نتيجة‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إصلاحه،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الجرائم‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬تدرك‭ ‬أنّ‭ ‬مئات‭ ‬ملايين‭ ‬الدولارات‭ ‬التي‭ ‬ستنفقها‭ ‬على‭ ‬أنشطتها‭ ‬الدعائية‭ ‬ستبقى‭ ‬عاجزةً‭ ‬أمام‭ ‬قوّة‭ ‬الحقائق‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ممكناً‭ ‬إخفاؤها‭. ‬كما‭ ‬لن‭ ‬تستطيع‭ ‬تجاوز‭ ‬تحوّل‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إلى‭ ‬موضوع‭ ‬داخلي‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬خلال‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬فيهما‭.‬

إن‭ ‬الأمر‭ ‬الكارثي‭ ‬الأكبر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تدركه‭ ‬إسرائيل‭ ‬أنّه‭ ‬مع‭ ‬أوّل‭ ‬جريمة‭ ‬شنق‭ ‬وإعدام‭ ‬لأسير‭ ‬فلسطيني‭ ‬ستنفجر‭ ‬موجة‭ ‬عالمية‭ ‬من‭ ‬الإدانة،‭ ‬وغضب‭ ‬شعبي‭ ‬فلسطيني‭ ‬عارم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه‭.‬

وهل‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬مؤشّر‭ ‬أبلغ‭ ‬من‭ ‬التقرير‭ ‬الذي‭ ‬نُشر‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬نيويورك‭ ‬تايمز،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اتهامها‭ ‬بالعداء‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬وكشفَ‭ ‬تفاصيل‭ ‬مرعبة‭ ‬ومقزّزة‭ ‬لجرائم‭ ‬الاغتصاب‭ ‬والعنف‭ ‬الجنسي‭ ‬الذي‭ ‬يمارسه‭ ‬جنود‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال،‭ ‬رجالاً‭ ‬ونساءً،‭ ‬ضدّ‭ ‬الأسرى‭ ‬الفلسطينيين؟‭ ‬ولن‭ ‬تنفع‭ ‬نتنياهو‭ ‬ولا‭ ‬وزير‭ ‬خارجيته‭ ‬هنا‭ ‬محاولات‭ ‬مقاضاة‭ ‬تلك‭ ‬الصحيفة‭ ‬الامريكية‭ ‬الشهيرة‭ ‬التي‭ ‬تجرّأت‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬الحقائق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مبالغة‭ ‬أو‭ ‬تهويل‭.‬

ومن‭ ‬يضمن‭ ‬ألّا‭ ‬تتحوّل‭ ‬المحاكمات‭ ‬المنتظَرة،‭ ‬بشجاعة‭ ‬الأسرى‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وجرأتهم،‭ ‬إلى‭ ‬ميادين‭ ‬لمحاكمة‭ ‬الاحتلال‭ ‬نفسه،‭ ‬وكشف‭ ‬ادّعاءاته‭ ‬وتعريتها،‭ ‬وإظهار‭ ‬آثار‭ ‬التعذيب‭ ‬الذي‭ ‬يتعرّض‭ ‬له‭ ‬الأسرى‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬لانتزاع‭ ‬اعترافات‭ ‬كاذبة‭ ‬بأمور‭ ‬لم‭ ‬يقترفوها،‭ ‬وعندها‭ ‬سينقلب‭ ‬السحر‭ ‬على‭ ‬الساحر‭.‬

وكما‭ ‬قيل‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً،‭ ‬يمكن‭ ‬خداع‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬كلّ‭ ‬الوقت،‭ ‬ويمكن‭ ‬خداع‭ ‬كلّ‭ ‬الناس‭ ‬بعض‭ ‬الوقت،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬الأمر‭ ‬خداع‭ ‬الناس‭ ‬كلّهم‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭.‬

وإن‭ ‬غداً‭ ‬لناظره‭ ‬قريب‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا