العدد : ١٧٥٩٨ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٨ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مجلس التعاون.. حكمة التأسيس ووحدة المصير الخليجي

بقلم: يعقوب سامي القوز

الخميس ٢٨ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬الخامس‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬مايو‭ ‬عام‭ ‬1981،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ولادة‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬مجرد‭ ‬إعلان‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬إقليمية‭ ‬دقيقة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬قرارًا‭ ‬تاريخيًا‭ ‬عميقًا‭ ‬قرأ‭ ‬المستقبل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتضح‭ ‬ملامحه‭ ‬كاملة‭. ‬فقد‭ ‬أدرك‭ ‬قادة‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬بحكمة‭ ‬مبكرة‭ ‬وبصيرة‭ ‬استراتيجية،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬حساس،‭ ‬وثروات‭ ‬مؤثرة،‭ ‬وامتداد‭ ‬اجتماعي‭ ‬وتاريخي‭ ‬واحد،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬تحولات‭ ‬العالم‭ ‬وأزمات‭ ‬الإقليم‭ ‬إلا‭ ‬ببيت‭ ‬خليجي‭ ‬جامع،‭ ‬يحفظ‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وينسق‭ ‬المواقف،‭ ‬ويصون‭ ‬المصير‭ ‬المشترك‭.‬

واليوم،‭ ‬ونحن‭ ‬نستحضر‭ ‬ذكرى‭ ‬التأسيس،‭ ‬لا‭ ‬نستعيد‭ ‬حدثًا‭ ‬مضى‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نحتفي‭ ‬بمسيرة‭ ‬أثبتت‭ ‬صواب‭ ‬الرؤية‭ ‬وعمق‭ ‬القرار‭. ‬فمجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬شعارًا‭ ‬عاطفيًا،‭ ‬ولا‭ ‬إطارًا‭ ‬بروتوكوليًّا‭ ‬للمجاملات‭ ‬السياسية،‭ ‬بل‭ ‬تحوّل‭ ‬عبر‭ ‬العقود‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬عمل‭ ‬خليجية،‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الواقعية‭ ‬والطموح،‭ ‬وبين‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬والمصلحة‭ ‬الجماعية،‭ ‬وبين‭ ‬خصوصية‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬ووحدة‭ ‬الهدف‭ ‬العام‭. ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬القيمة‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬المجلس‭: ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يلغِ‭ ‬التنوع‭ ‬الخليجي،‭ ‬بل‭ ‬نظّمه‭ ‬داخل‭ ‬مسار‭ ‬مشترك‭.‬

لقد‭ ‬واجهت‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬ظروفًا‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية؛‭ ‬حروبًا،‭ ‬وأزمات‭ ‬سياسية،‭ ‬وتقلبات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬وتوترات‭ ‬أمنية،‭ ‬وتحولات‭ ‬دولية‭ ‬متسارعة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬بقي‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬حاضرًا‭ ‬بوصفه‭ ‬إطارًا‭ ‬للتوازن،‭ ‬ومنصة‭ ‬للحوار،‭ ‬ومصدرًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬الثبات‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬كثير‭ ‬الاضطراب‭. ‬وهذا‭ ‬الحضور‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬بالمصادفة،‭ ‬بل‭ ‬بفضل‭ ‬حكمة‭ ‬قادة‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬وحنكتهم‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الملفات‭ ‬الصعبة،‭ ‬وتغليب‭ ‬منطق‭ ‬الدولة،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬الأعلى‭ ‬من‭ ‬الاستقرار،‭ ‬دون‭ ‬انفعال‭ ‬أو‭ ‬تهويل‭.‬

في‭ ‬الجانب‭ ‬السياسي،‭ ‬رسَّخ‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬مبدأ‭ ‬التشاور‭ ‬الخليجي‭ ‬باعتباره‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬فالتحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ليست‭ ‬منفصلة؛‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬السياسة،‭ ‬وما‭ ‬تشهده‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬يتطلب‭ ‬تنسيقًا‭ ‬هادئًا‭ ‬لا‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬متفرقة‭. ‬لذلك‭ ‬كانت‭ ‬قوة‭ ‬المجلس‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬المواقف،‭ ‬وتوسيع‭ ‬مساحة‭ ‬التفاهم،‭ ‬وإبقاء‭ ‬الحوار‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬الطبيعي‭ ‬لمعالجة‭ ‬التباينات‭.‬

أما‭ ‬أمنيًّا،‭ ‬فقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬كلٌّ‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭. ‬فالمخاطر‭ ‬الحديثة‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬دولة‭ ‬بعينها؛‭ ‬الإرهاب،‭ ‬والتطرف،‭ ‬والتهديدات‭ ‬السيبرانية،‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬وأمن‭ ‬الطاقة،‭ ‬وسلامة‭ ‬الملاحة،‭ ‬كلها‭ ‬ملفات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬يقظة‭ ‬جماعية‭ ‬وتنسيق‭ ‬دائم‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬المجلس‭ ‬كإطار‭ ‬يعزز‭ ‬التعاون‭ ‬الأمني‭ ‬والدفاعي،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬الخليجي‭ ‬مسؤولية‭ ‬مشتركة‭. ‬وليس‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مبالغة،‭ ‬بل‭ ‬قراءة‭ ‬واقعية‭ ‬لطبيعة‭ ‬منطقة‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المصالح‭ ‬الدولية‭ ‬وحركة‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة‭.‬

واقتصاديًا،‭ ‬تبدو‭ ‬مسيرة‭ ‬المجلس‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعًا‭ ‬اليوم‭ ‬مما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬عند‭ ‬التأسيس‭. ‬فقد‭ ‬انتقلت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬صناعة‭ ‬المستقبل،‭ ‬عبر‭ ‬خطط‭ ‬تنموية‭ ‬طموحة،‭ ‬واستثمارات‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬الإنسان،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬والطاقة،‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬والسياحة،‭ ‬والصناعة،‭ ‬والخدمات‭ ‬المالية‭ ‬واللوجستية‭. ‬وما‭ ‬تحقق‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬الفخر‭ ‬المشروع؛‭ ‬مدن‭ ‬حديثة،‭ ‬اقتصادات‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعًا،‭ ‬حضور‭ ‬عالمي‭ ‬متزايد،‭ ‬ومواطن‭ ‬خليجي‭ ‬أكثر‭ ‬انخراطًا‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬العلم‭ ‬والعمل‭ ‬والإبداع‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬القيمة‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬منفردة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬هذه‭ ‬النجاحات‭ ‬على‭ ‬التكامل‭. ‬فالرؤى‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬طموح‭ ‬وتنويع‭ ‬وتحديث،‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬قوة‭ ‬خليجية‭ ‬مضاعفة‭ ‬إذا‭ ‬التقت‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬مشتركة،‭ ‬وسلاسل‭ ‬إمداد‭ ‬متكاملة،‭ ‬وسوق‭ ‬أكثر‭ ‬انسيابًا،‭ ‬وتشريعات‭ ‬أكثر‭ ‬تقاربًا،‭ ‬وفرص‭ ‬أوسع‭ ‬للمواطن‭ ‬والمستثمر‭ ‬الخليجي‭. ‬وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬منصة‭ ‬للمستقبل‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬التجربة‭ ‬الخليجية‭ ‬أنها‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬الواقعية‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الضجيج‭. ‬لم‭ ‬تبنِ‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬قوتها‭ ‬على‭ ‬الخطابة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الاستقرار،‭ ‬والتنمية،‭ ‬والتعليم،‭ ‬والإدارة‭ ‬الرشيدة،‭ ‬وبناء‭ ‬المؤسسات،‭ ‬والانفتاح‭ ‬المتوازن‭ ‬على‭ ‬العالم‭. ‬وهذه‭ ‬عناصر‭ ‬قوة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تختبر‭ ‬فيه‭ ‬الدول‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الإنجاز‭ ‬لا‭ ‬بكثرة‭ ‬الشعارات‭. ‬ومن‭ ‬الإنصاف‭ ‬أن‭ ‬يقال‭ ‬إن‭ ‬حكمة‭ ‬القادة‭ ‬كانت‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬المجلس‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬وحدوية‭ ‬نبيلة‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬سياسي‭ ‬واقتصادي‭ ‬وأمني‭ ‬مستمر‭.‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬التفاؤل‭ ‬تجاه‭ ‬مسيرة‭ ‬المجلس‭ ‬تجاهل‭ ‬التحديات‭. ‬فالمنطقة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تواجه‭ ‬ملفات‭ ‬صعبة،‭ ‬والعالم‭ ‬يشهد‭ ‬تنافسًا‭ ‬حادًا‭ ‬على‭ ‬الطاقة،‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬ومناطق‭ ‬النفوذ‭. ‬لكن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أثبتت‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تقرأ‭ ‬التحديات‭ ‬بعين‭ ‬القلق‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬بعين‭ ‬الفرصة‭ ‬كذلك‭. ‬فهي‭ ‬تدير‭ ‬علاقاتها‭ ‬الدولية‭ ‬بتوازن،‭ ‬وتفتح‭ ‬مسارات‭ ‬الحوار‭ ‬حيث‭ ‬أمكن،‭ ‬وتحمي‭ ‬مصالحها‭ ‬بثبات،‭ ‬وتتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمات‭ ‬بعقل‭ ‬بارد‭ ‬ورؤية‭ ‬بعيدة‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬التحديات‭ ‬المقبلة،‭ ‬مهما‭ ‬تعقدت،‭ ‬قابلة‭ ‬للاجتياز‭ ‬متى‭ ‬بقي‭ ‬التنسيق‭ ‬الخليجي‭ ‬حاضرًا،‭ ‬والإرادة‭ ‬المشتركة‭ ‬فاعلة،‭ ‬والمصلحة‭ ‬العليا‭ ‬فوق‭ ‬الحسابات‭ ‬الضيقة‭.‬

وفي‭ ‬ذكرى‭ ‬التأسيس،‭ ‬يحق‭ ‬لأبناء‭ ‬الخليج‭ ‬أن‭ ‬يفرحوا‭ ‬بما‭ ‬وصلوا‭ ‬إليه‭. ‬فهذا‭ ‬الفرح‭ ‬ليس‭ ‬ترفًا‭ ‬عاطفيًا،‭ ‬بل‭ ‬اعتراف‭ ‬مستحق‭ ‬بمسيرة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬البناء،‭ ‬قادتها‭ ‬قيادات‭ ‬آمنت‭ ‬بأن‭ ‬الإنسان‭ ‬الخليجي‭ ‬هو‭ ‬محور‭ ‬التنمية،‭ ‬وأن‭ ‬الاستقرار‭ ‬ليس‭ ‬صدفة،‭ ‬وأن‭ ‬الازدهار‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬برؤية‭ ‬وصبر‭ ‬ومؤسسات‭. ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬الخليج‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬حضورًا‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وأكثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬الطاقة‭ ‬والاستثمار،‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬المبادرة‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬وأكثر‭ ‬ثقة‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬مستقبله‭ ‬بيده‭.‬

ويبقى‭ ‬المواطن‭ ‬الخليجي‭ ‬هو‭ ‬المعيار‭ ‬الأهم‭ ‬لنجاح‭ ‬المجلس‭. ‬فكل‭ ‬قرار‭ ‬يسهّل‭ ‬تنقله،‭ ‬ويوسع‭ ‬فرص‭ ‬عمله،‭ ‬ويدعم‭ ‬استثماره،‭ ‬ويحسن‭ ‬تعليمه‭ ‬وخدماته،‭ ‬ويقربه‭ ‬من‭ ‬أشقائه‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المجلس،‭ ‬هو‭ ‬خطوة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬الوحدة‭ ‬العملية‭. ‬فالمجلس‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬في‭ ‬القمم‭ ‬والاجتماعات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يكتمل‭ ‬حين‭ ‬يشعر‭ ‬المواطن‭ ‬بأن‭ ‬الخليج‭ ‬فضاؤه‭ ‬الطبيعي،‭ ‬وأن‭ ‬التعاون‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭ ‬وكرامته‭ ‬وفرصه‭.‬

إن‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬عقود،‭ ‬ليس‭ ‬ذكرى‭ ‬نحتفي‭ ‬بها‭ ‬ثم‭ ‬نطوي‭ ‬صفحتها،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مشروع‭ ‬مستمر‭ ‬يتجدد‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتجدد‭ ‬الوعي‭ ‬بأهميته‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬تأسيسه‭ ‬حكمة‭ ‬في‭ ‬وقتها،‭ ‬وأصبح‭ ‬اليوم‭ ‬ضرورة‭ ‬في‭ ‬زمنه‭. ‬وبين‭ ‬حكمة‭ ‬الأمس‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الغد،‭ ‬تقف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬بثقة،‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬قيادة‭ ‬رشيدة،‭ ‬وتجربة‭ ‬ناضجة،‭ ‬وشعوب‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬المصير‭ ‬الخليجي‭ ‬واحد‭.‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬ذكرى‭ ‬تأسيس‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬ليست‭ ‬مناسبة‭ ‬بروتوكولية،‭ ‬بل‭ ‬محطة‭ ‬لتأكيد‭ ‬حقيقة‭ ‬استراتيجية‭ ‬راسخة‭: ‬أن‭ ‬الخليج‭ ‬حين‭ ‬يعمل‭ ‬معًا‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬أمنًا،‭ ‬وحين‭ ‬ينسق‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيرًا،‭ ‬وحين‭ ‬يحوِّل‭ ‬روابطه‭ ‬التاريخية‭ ‬إلى‭ ‬مواقف‭ ‬عملية‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬عبور‭ ‬المستقبل‭. ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬ليس‭ ‬شعارًا‭ ‬نرفعه‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الاحتفال،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية‭ ‬باقية،‭ ‬وضمانة‭ ‬استقرار،‭ ‬وعنوان‭ ‬إرادة‭ ‬خليجية‭ ‬تعرف‭ ‬طريقها‭ ‬بثقة‭ ‬نحو‭ ‬الغد‭.‬

{‭ ‬باحث‭ ‬دكتوراه‭ ‬في‭ ‬

العلاقات‭ ‬الدولية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا