إنه سؤال محيِّر بالفعل! أبدأ الكلام بمشاركة تجربتي الشخصية
بعد دراستي الجامعية للعلوم السياسية، قررت أن أغيِّر مساري الأكاديمي، والتحقت ببرنامج للماجستير في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وكان هذا البرنامج هو الأول من نوعه، وأسسه في الجامعة الأمريكية الدكتور السعيد بدوي في منتصف سبعينيات القرن الماضي. ولأنني كنت ممن درسوا في المدارس الثانوية الحكومية، حيث كان الاهتمام بتعلم العربية وإتقانها جزءًا لا يتجزأ من الشعور بالهوية المصرية والانتماء القومي العربي، رحبت بهذا البرنامج ووجدت فيه فرصة مستقبلية للعمل في مجال أحبه.
وخلال دراستي للماجستير، وجدتني أكتشف جوانب من اللغة لم أعرفها قط من دراستي بالمدرسة. عرفت أن العربية تعتمد على نظام اشتقاقي يولد كلمات اللغة ويربط بين اشتقاقات الجذر الواحد في المعنى. تعلمت أساليب العربية للتعبير عن أغراض الكلام، فوجدتني قادرة على استخدامها كلغة حية تواصلية، بعيدًا عن التقعر والتنظير. بل واكتشفت قوة هذه اللغة الجميلة على التنوع في استخدام القواعد النحوية، وأن هناك مستويات للعربية تشمل عربية التراث والعربية المعاصرة، وأخرى تخلط الفصحى بالعامية.
لم تكن هذه «الاكتشافات» إلا دليلًا دامغًا على القصور الشديد في تقديم مناهج اللغة العربية والأسلوب العقيم في تدريسها. أصبحت أرى بوضوح منطق هذه اللغة، وأصبحت القواعد النحوية أسهل بكثير مما تعلمته في المدرسة. ورأيت أن الطلاب الذين يدرسون في مدارس اللغات في مصر يواجهون عديدا من التحديات التي يواجهها بعض دارسي العربية كلغة أجنبية، وبالتالي استفدت جدًا من استخدام بعض طرائق التدريس التواصلية في تدريس هؤلاء الطلاب المصريين الذين لم ينالوا قسطًا وافيًا من تعلم الفصحى.
يبدو أن التدريس المتميز الذي قام به أساتذتنا في المدارس في القرن الماضي قد أغفل إلى حد كبير حقيقة أننا قد التحقنا بالمدرسة ونحن قادرون على التعبير الكامل عن أنفسنا بلغتنا العامية، والتي يسميها المتخصصون بـ«لغة الأم»، وأننا نبدأ في تعلم العربية الفصحى، مع التشابه العظيم بينها وبين العامية، وكأنها لغة جديدة. فوجدنا صعوبة في إتقانها لأن استخدامها كلغة تواصلية اقتصر فقط على فصول المدرسة، فأصبحنا نرى أنها لغة صعبة، بل مستحيلة للبعض.
انتهى هذا العصر الذهبي ليحل مكانه، وتدريجيًا، عصر آخر تتراجع فيه مستويات اللغة ويقل الاهتمام بتدريسها، وتصعب فيه مناهجها وامتحاناتها، ويكثر فيه الدروس الخصوصية.
أصبحت القواعد النحوية تُحفظ بدلًا من أن تُفهم، وبالتالي عانى كثيرون من عدم فهم تراكيب اللغة المختلفة، فتدهورت القدرة على التعبير بها. وفي الوقت نفسه، انتشرت صيحة المدارس الأجنبية التي تدرس مناهج دول أجنبية، ومعها تقلصت المناهج العربية وقل الاهتمام بها. بل إن كثيرين كانوا يهربون من دراستها في المرحلة الثانوية. وينتهي الحال بالبعض، بعد الانتهاء من الجامعة، إلى عدم القدرة على القيام بعمله إذا ما تطلب العمل كتابة مراسلات باللغة العربية.
أذكر زيارة السفيرة سلامة شاكر لمعهد اللغة العربية بالجامعة الأمريكية، والشكوى من عدم قدرة خريجي الجامعة على التعبير الجيد بالعربية، بل وطلبت أن ننظم حلقة تدريبية لتطوير مهارة الإلقاء والكتابة للملتحقين بوزارة الخارجية.
وإذا كانت مشكلة تردي مستوى التعليم هي مشكلة عامة، فإن التردي في تدريس اللغة العربية قد وصل إلى مرحلة الخطر. ومن واقع تخصصي في تدريس اللغة العربية، وخاصة بعد كتابتي رسالة الدكتوراه عن إسهام النحاة الأوائل في وضع نظريات النحو العربي، وبعد انخراطي في التدريس مدة طويلة، أعتقد أن مشكلة أولادنا في عدم قدرتهم على إتقان اللغة، بل وكراهيتهم أحيانًا لهذه اللغة «الصعبة»، لها أسباب عدة. أحد هذه الأسباب هو طريقة تدريس اللغة نفسها، فالفصحى لا تُدرَّس كلغة حية تواصلية، مع أن الهدف الأساسي من وجود أي لغة هو التواصل.
فلا يتدرب التلاميذ على الإلقاء أو التعبير عن الموضوعات التي يدرسونها شفهيًّا، ولا نعطى وقتًا كافيًا للاهتمام بالكتابة والإنشاء. أما النحو فقد أصبح مجموعة من القواعد يحفظها الطالب دون فهم حقيقي، ليجيب عن أسئلة الامتحان التي تأتي، في كثير من الأحيان، من الأمثلة نفسها التي حفظها في كتاب النحو المقرر.
لا أستطيع أن أنسى ما قالته لي طالبة في الإعدادية يومًا ما من أنها تتعرف على الفعل المضارع بالأحرف التي يبدأ بها، كالتاء والياء، دون أن تدرك أن هناك الكثير من الأفعال غير المضارعة تبدأ بنفس الأحرف، وأن هناك بالطبع أسماء تبدأ بنفس الأحرف! وسألني طالب آخر عما إذا كان حرف الجر يأتي قبل أو بعد كم الخبرية وكم الاستفهامية. وكان الاهتمام بمعرفة الإجابة أساسه أن يتعرف الطالب على نوع «كم» في الامتحان، بمعنى أنه إذا وجد حرف الجر قبلها فهي استفهامية، وإذا كان الحرف بعدها فهي خبرية! إذن الحفظ، دون الفهم، سمة أساسية.
يرتبط بأسلوب التعليم مشكلتان هما المنهج وكفاءة المدرس. تحاول كليات التربية، أن تطور المناهج المدرسية بما فيها منهج اللغة العربية. ولا بد أن نعترف بأن التطور في المنهج حدث بالفعل لعدد من السنوات الدراسية، وأصبحت اللغة الفصحى تقدم بشكل أكثر «طبيعية» وأقل تعقيدًا. ولكن يبدو أن المشكلة مستمرة، فكثير من الموضوعات لا تحاكي حياة الجيل الجديد ولا تربطه بمشاغل الحياة اليومية.
والملاحظ أنه حتى فيما يتعلق بموضوعات الساعة، فإن الأسلوب لا يزال مقعرًا ويستخدم ألفاظًا قلما تستعمل في فصحى العصر المتطورة. أما إعداد المدرس فهذه مشكلة معقدة، فثقافة الحفظ والتلقين لا تزال تحكم منظومة التعليم بشكل عام، وهو أسلوب متوارث يحتاج إلى رؤية جديدة.
وإلى جانب مشكلة أسلوب التدريس والمنهج وإعداد المدرس، توجد مشكلة أخطر، وهي موقفنا الأيديولوجي من اللغة العربية بشكل عام. هذا الموقف الذي يتمثل عند كثيرين في الشعور بقدسية اللغة، فهي لغة القرآن، وبالتالي فكيف تكون هذه اللغة سهلة ومتاحة؟ ويتساءل البعض: لماذا لا نبني تدريس الفصحى على معرفة الطفل بعاميته؟ فيصدمنا رأى الكثيرين أن العامية ما هي إلا صورة مشوهة للعربية، بل تمثل خطرًا على الفصحى. فهل هذا صحيح؟
{ أستاذة اللغويات في
الجامعة الأمريكية بالقاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك