يشكّل البازار في إيران إحدى الركائز التاريخية للاقتصاد والمجتمع والسياسة، إذ لم يكن يومًا مجرد مساحة للتبادل التجاري، بل مؤسسة اجتماعية ذات امتداد سياسي وتنظيمي عميق.
أدّى الطابع المركّب والنفوذ القوي للبازار إلى تمكينه من لعب أدوار حاسمة في محطات التحول الكبرى في التاريخ الإيراني الحديث. إلا أن موقعه داخل النظام يتعرض للتهميش بداية مع صعود الحرس الثوري كفاعل اقتصادي مهيمن، ثم مع التطورات التي سبقت حرب 2026 والمفاوضات الجارية حالياً مع الولايات المتحدة.
لقد شكّل البازار تاريخيًا أحد أضلاع مثلث السلطة التقليدي الذي يضم: البازار، المسجد، والدولة. وقد لعب التجار دورًا محوريًا في عدد من الأحداث المفصلية، مثل احتجاج التبغ في أواخر القرن التاسع عشر، والثورة الدستورية مطلع القرن العشرين، وصولًا إلى الثورة الإسلامية في عام 1979، حيث أسهموا عبر التمويل والتنظيم في دعم الثورة، ما جعلهم أحد أعمدة نجاحها.
في المرحلة الأولى بعد قيام الجمهورية الإسلامية، حافظ البازار على موقعه كفاعل اقتصادي أساسي، وجرى إدماجه ضمن البنية الجديدة للسلطة. ظهر البازار بوصفه جزءًا من التحالف المحافظ الذي دعم النظام، ولا سيما في ظل العلاقة الوثيقة مع «المسجد»، وهو ما كرّس استمرار دوره السياسي خلال عقد الثمانينيات.
اقتصادياً، سيطر التجار على جزء كبير من التجارة الداخلية، واستفادوا من إقصاء المنافسة الأجنبية نتيجة السياسات الاقتصادية الثورية.
في مرحلة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، بدأ الحرس الثوري بالتحول التدريجي إلى فاعل اقتصادي واسع النفوذ، مستفيدًا من سياسات إعادة الإعمار ومن الدعم المؤسسي الذي منحته إياه الدولة، فسيطر على قطاعات استراتيجية حيوية.
أدى هذا التحول إلى نشوء علاقة تنافسية بين البازار والحرس الثوري. لاحقاً، أسهمت العقوبات الدولية في تعزيز دور الحرس بشكل أكبر، وخصوصا بعدما برزت الحاجة الى تشكيل اقتصاد موازٍ، والحاجة إلى الإفلات من الرقابة الأممية ولاحقاً الأمريكية عبر التهريب.
تأثير الحرب الأمريكية الإسرائيلية: بدأت موجة الاحتجاجات التي اندلعت أواخر 2025 وبداية 2026 من البازار اعتراضًا على انهيار العملة والتضخم الحاد، وانتقلت إلى أنحاء البلاد. كانت تلك الاحتجاجات مؤشرًا مهمًا على أزمة عميقة في علاقة البازار بالدولة، حيث تحوّل موقع البازار من شريك مؤثر في النظام إلى فاعل يتعرض للتهميش المتزايد، ما انعكس في لجوئه إلى المظاهرات التي عمّقت أزمته بدل أن تحلّها.
ومع الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في عام 2026 وقتل القادة السياسيين والعسكريين، برز دور الحرس الثوري حيث بات (تقريباً) صاحب القرار الفعلي في إيران. وتعزز هذا الدور بحكم الواقع والحرب وبوصفه الجهة التي تخوض الحرب العسكرية والأمنية، والجهة القادرة على إدارة الاقتصاد في ظل الأزمات والحصار الأمريكي على موانئ إيران.
وفي هذا السياق وبسبب السيطرة الفعلية الحالية للحرس الثوري، لا يبدو أن للبازار دوراً مباشراً في المفاوضات الجارية مع إدارة الرئيس دونالد ترامب. لكن، بالرغم من تراجع دوره، فإن مرحلة ما بعد الحرب، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي ستظهر بقوة بعد توقف الحرب بشكل نهائي، كلها عوامل تُؤخذ في الاعتبار ضمن تقدير الخيارات الاستراتيجية للنظام للمرحلة المقبلة، وشروطه التفاوضية.
في الخلاصة، بالرغم من تهميش دور البازار في إيران في السنوات الأخيرة نتيجة التنافس مع الحرس الثوري، وازدياد تهميشه في المفاوضات الجارية حالياً بين إيران والولايات المتحدة في مايو 2026 تُدار أساسًا من قبل المرشد الأعلى، ومجلس الأمن القومي، والحرس الثوري.. إلا أن ذلك لا يلغي دوره، بل يعيد تعريفه بوصفه مؤشرًا على استقرار الداخل وعامل ضغط غير مباشر على النظام. وبناء عليه، يبقى البازار عنصرًا مهمًا في تحديد حدود قدرة النظام الإيراني على الاستمرار والصمود في مرحلة ما بعد الحرب.
{ أستاذة العلاقات الدولية
في الجامعة اللبنانية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك