العدد : ١٧٥٩٦ - الأربعاء ٢٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٦ - الأربعاء ٢٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

البازار في إيران.. بين التهميش وقوة التأثير

بقلم: د. ليلى نقولا

الأربعاء ٢٧ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

يشكّل‭ ‬البازار‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬إحدى‭ ‬الركائز‭ ‬التاريخية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬والمجتمع‭ ‬والسياسة،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يومًا‭ ‬مجرد‭ ‬مساحة‭ ‬للتبادل‭ ‬التجاري،‭ ‬بل‭ ‬مؤسسة‭ ‬اجتماعية‭ ‬ذات‭ ‬امتداد‭ ‬سياسي‭ ‬وتنظيمي‭ ‬عميق‭.‬

أدّى‭ ‬الطابع‭ ‬المركّب‭ ‬والنفوذ‭ ‬القوي‭ ‬للبازار‭ ‬إلى‭ ‬تمكينه‭ ‬من‭ ‬لعب‭ ‬أدوار‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬محطات‭ ‬التحول‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الإيراني‭ ‬الحديث‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬موقعه‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬يتعرض‭ ‬للتهميش‭ ‬بداية‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬كفاعل‭ ‬اقتصادي‭ ‬مهيمن،‭ ‬ثم‭ ‬مع‭ ‬التطورات‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬حرب‭ ‬2026‭ ‬والمفاوضات‭ ‬الجارية‭ ‬حالياً‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

لقد‭ ‬شكّل‭ ‬البازار‭ ‬تاريخيًا‭ ‬أحد‭ ‬أضلاع‭ ‬مثلث‭ ‬السلطة‭ ‬التقليدي‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭: ‬البازار،‭ ‬المسجد،‭ ‬والدولة‭. ‬وقد‭ ‬لعب‭ ‬التجار‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬المفصلية،‭ ‬مثل‭ ‬احتجاج‭ ‬التبغ‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬والثورة‭ ‬الدستورية‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬حيث‭ ‬أسهموا‭ ‬عبر‭ ‬التمويل‭ ‬والتنظيم‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الثورة،‭ ‬ما‭ ‬جعلهم‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬نجاحها‭.‬

في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬بعد‭ ‬قيام‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬حافظ‭ ‬البازار‭ ‬على‭ ‬موقعه‭ ‬كفاعل‭ ‬اقتصادي‭ ‬أساسي،‭ ‬وجرى‭ ‬إدماجه‭ ‬ضمن‭ ‬البنية‭ ‬الجديدة‭ ‬للسلطة‭. ‬ظهر‭ ‬البازار‭ ‬بوصفه‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬التحالف‭ ‬المحافظ‭ ‬الذي‭ ‬دعم‭ ‬النظام،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬العلاقة‭ ‬الوثيقة‭ ‬مع‭ ‬‮«‬المسجد‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كرّس‭ ‬استمرار‭ ‬دوره‭ ‬السياسي‭ ‬خلال‭ ‬عقد‭ ‬الثمانينيات‭.‬

اقتصادياً،‭ ‬سيطر‭ ‬التجار‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬الداخلية،‭ ‬واستفادوا‭ ‬من‭ ‬إقصاء‭ ‬المنافسة‭ ‬الأجنبية‭ ‬نتيجة‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الثورية‭.‬

في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية‭ (‬1980-1988‭)‬،‭ ‬بدأ‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬بالتحول‭ ‬التدريجي‭ ‬إلى‭ ‬فاعل‭ ‬اقتصادي‭ ‬واسع‭ ‬النفوذ،‭ ‬مستفيدًا‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬ومن‭ ‬الدعم‭ ‬المؤسسي‭ ‬الذي‭ ‬منحته‭ ‬إياه‭ ‬الدولة،‭ ‬فسيطر‭ ‬على‭ ‬قطاعات‭ ‬استراتيجية‭ ‬حيوية‭.‬

أدى‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬نشوء‭ ‬علاقة‭ ‬تنافسية‭ ‬بين‭ ‬البازار‭ ‬والحرس‭ ‬الثوري‭. ‬لاحقاً،‭ ‬أسهمت‭ ‬العقوبات‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬دور‭ ‬الحرس‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر،‭ ‬وخصوصا‭ ‬بعدما‭ ‬برزت‭ ‬الحاجة‭ ‬الى‭ ‬تشكيل‭ ‬اقتصاد‭ ‬موازٍ،‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬الرقابة‭ ‬الأممية‭ ‬ولاحقاً‭ ‬الأمريكية‭ ‬عبر‭ ‬التهريب‭.‬

تأثير‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭: ‬بدأت‭ ‬موجة‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬أواخر‭ ‬2025‭ ‬وبداية‭ ‬2026‭ ‬من‭ ‬البازار‭ ‬اعتراضًا‭ ‬على‭ ‬انهيار‭ ‬العملة‭ ‬والتضخم‭ ‬الحاد،‭ ‬وانتقلت‭ ‬إلى‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد‭. ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬مؤشرًا‭ ‬مهمًا‭ ‬على‭ ‬أزمة‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬البازار‭ ‬بالدولة،‭ ‬حيث‭ ‬تحوّل‭ ‬موقع‭ ‬البازار‭ ‬من‭ ‬شريك‭ ‬مؤثر‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬إلى‭ ‬فاعل‭ ‬يتعرض‭ ‬للتهميش‭ ‬المتزايد،‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬في‭ ‬لجوئه‭ ‬إلى‭ ‬المظاهرات‭ ‬التي‭ ‬عمّقت‭ ‬أزمته‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تحلّها‭.‬

ومع‭ ‬الضربات‭ ‬التي‭ ‬شنتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬وقتل‭ ‬القادة‭ ‬السياسيين‭ ‬والعسكريين،‭ ‬برز‭ ‬دور‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬حيث‭ ‬بات‭ (‬تقريباً‭) ‬صاحب‭ ‬القرار‭ ‬الفعلي‭ ‬في‭ ‬إيران‭. ‬وتعزز‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬بحكم‭ ‬الواقع‭ ‬والحرب‭ ‬وبوصفه‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تخوض‭ ‬الحرب‭ ‬العسكرية‭ ‬والأمنية،‭ ‬والجهة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأزمات‭ ‬والحصار‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬موانئ‭ ‬إيران‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬وبسبب‭ ‬السيطرة‭ ‬الفعلية‭ ‬الحالية‭ ‬للحرس‭ ‬الثوري،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬للبازار‭ ‬دوراً‭ ‬مباشراً‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬الجارية‭ ‬مع‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭. ‬لكن،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬دوره،‭ ‬فإن‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬والضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬ستظهر‭ ‬بقوة‭ ‬بعد‭ ‬توقف‭ ‬الحرب‭ ‬بشكل‭ ‬نهائي،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تُؤخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬ضمن‭ ‬تقدير‭ ‬الخيارات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للنظام‭ ‬للمرحلة‭ ‬المقبلة،‭ ‬وشروطه‭ ‬التفاوضية‭.‬

في‭ ‬الخلاصة،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬تهميش‭ ‬دور‭ ‬البازار‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬نتيجة‭ ‬التنافس‭ ‬مع‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري،‭ ‬وازدياد‭ ‬تهميشه‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬الجارية‭ ‬حالياً‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2026‭ ‬تُدار‭ ‬أساسًا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى،‭ ‬ومجلس‭ ‬الأمن‭ ‬القومي،‭ ‬والحرس‭ ‬الثوري‭.. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬دوره،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬تعريفه‭ ‬بوصفه‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬الداخل‭ ‬وعامل‭ ‬ضغط‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬النظام‭. ‬وبناء‭ ‬عليه،‭ ‬يبقى‭ ‬البازار‭ ‬عنصرًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬حدود‭ ‬قدرة‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬والصمود‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭.‬

 

{‭ ‬أستاذة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية

‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬اللبنانية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا