العدد : ١٧٥٩٥ - الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٥ - الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

سيناريوهات إعادة تشكيل النظام العالمي بعد حرب إيران

بقلم: د. علي الدين هلال

الاثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

قبل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التغيرات‭ ‬المحتملة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬بفعل‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وإيران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬منذ‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬تنبغي‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬ملاحظات‭ ‬منهاجية‭: ‬الأولى،‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬مستقبل‭ ‬واحد‭ ‬حتمي‭ ‬للنظام‭ ‬العالمي؛‭ ‬بل‭ ‬يوجد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سيناريو‭ ‬لهذا‭ ‬المستقبل‭. ‬والثانية،‭ ‬إن‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تنتهِ‭ ‬بعد،‭ ‬وإن‭ ‬تأثيراتها‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬ستختلف‭ ‬بحسب‭ ‬كيفية‭ ‬وشكل‭ ‬انتهائها؛‭ ‬أي‭ ‬هل‭ ‬تنتهي‭ ‬بانتصار‭ ‬أمريكي‭ ‬واضح‭ ‬أم‭ ‬بتسوية‭ ‬تفاوضية‭ ‬أم‭ ‬باستنزاف‭ ‬متبادل‭ ‬طويل‭ ‬الأجل؟

أما‭ ‬الملاحظة‭ ‬الثالثة،‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تأثير‭ ‬الحرب‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬يشمل‭ ‬متغيرات‭ ‬وعوامل‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ ‬استمرار‭ ‬الصعود‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬المجالات،‭ ‬ودخول‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬على‭ ‬أوكرانيا‭ ‬عامها‭ ‬الخامس‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬واهتزاز‭ ‬نموذج‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬والأزمة‭ ‬المزمنة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬والتنافس‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬بخصوص‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والحروب‭ ‬السيبرانية‭ ‬والهجينة،‭ ‬وتأثير‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬في‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭ ‬بينها،‭ ‬ومدى‭ ‬تأثرها‭ ‬بتطورات‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬تعطيل‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وتوقف‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬واضطراب‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مواجهة‭ ‬أمريكية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬إيرانية؛‭ ‬بل‭ ‬ترتبط‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقاً‭ ‬بالتنافس‭ ‬الجيواقتصادي‭ ‬الأمريكي‭ ‬الصيني،‭ ‬والجيوستراتيجي‭ ‬الأمريكي‭ ‬الروسي؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬مسار‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬يتصل‭ ‬اتصالاً‭ ‬مباشراً‭ ‬بإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬التوازنات‭ ‬الدولية‭. ‬وأياً‭ ‬كان‭ ‬الأمر؛‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬إقليمي؛‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬أوجدت‭ ‬بالفعل‭ ‬عدة‭ ‬مسارات‭ ‬للتأثير‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي،‭ ‬وعلاقة‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬فيه‭ ‬بمنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وسوف‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬التوازنات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى؛‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬أوضاع‭ ‬الطاقة،‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬والتحالفات‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية‭.‬

تأثير‭ ‬الحرب‭:‬

تُعد‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬اختباراً‭ ‬لشكل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬القادم؛‭ ‬حيث‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تبلور‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الانقسامات‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭.‬

فقد‭ ‬اختلفت‭ ‬مواقف‭ ‬دول‭ ‬التحالف‭ ‬الغربي‭ ‬حول‭ ‬الحرب،‭ ‬فحث‭ ‬بيان‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬مارس‭ ‬الماضي‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬دون‭ ‬إدانة‭ ‬مباشرة‭ ‬لأي‭ ‬طرف‭. ‬ورفضت‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬أعضاء‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬الاستجابة‭ ‬لطلب‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بالمشاركة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬بالقوة‭. ‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الشأن،‭ ‬فإن‭ ‬المسألة‭ ‬الرئيسة‭ ‬هي‭: ‬كيف‭ ‬تؤثر‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تنتهي‭ ‬بها‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬العالم؟‭ ‬فأي‭ ‬نهاية‭ ‬أو‭ ‬تسوية‭ ‬لهذه‭ ‬الحرب‭ ‬سوف‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬القوة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وهل‭ ‬يستمر‭ ‬تراجعها‭ ‬الذي‭ ‬تجلى‭ ‬في‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬أفغانستان؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬سعي‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬لتجديد‭ ‬شباب‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬سوف‭ ‬يؤتي‭ ‬ثماره‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬زيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬الهائل،‭ ‬وأفكاره‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬‮«‬السلام‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القوة‮»‬،‭ ‬ونجاحه‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬فنزويلا؟

فإذا‭ ‬خرجت‭ ‬واشنطن‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬وقد‭ ‬حققت‭ ‬أهدافها‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية،‭ ‬مثل‭ ‬احتواء‭ ‬طهران‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬تسوية‭ ‬عليها‭ ‬بشروط‭ ‬أمريكية،‭ ‬فسوف‭ ‬تتعزز‭ ‬صورة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كأكبر‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬تستطيع‭ ‬إلحاق‭ ‬الأذى‭ ‬بخصومها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سوف‭ ‬يدعم‭ ‬موقعها‭ ‬العالمي‭ ‬تجاه‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬سوف‭ ‬تنشأ‭ ‬مصلحة‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬موسكو‭ ‬وبكين‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ويزداد‭ ‬التنسيق‭ ‬بينهما‭ ‬لموازنة‭ ‬نفوذ‭ ‬واشنطن‭.‬

لكن‭ ‬لو‭ ‬انتهت‭ ‬الحرب‭ ‬باتفاق‭ ‬تفاوضي‭ ‬لا‭ ‬يحسم‭ ‬كل‭ ‬قضايا‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران،‭ ‬أو‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬استنزاف‭ ‬ممتدة،‭ ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬قد‭ ‬تهتز‭ ‬صورة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتتآكل‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الردع،‭ ‬وتتضح‭ ‬حدود‭ ‬قوتها‭.‬

وإذا‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنه‭ ‬تجمعهما‭ ‬المصلحة‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬حرب‭ ‬إيران،‭ ‬وعودة‭ ‬الملاحة‭ ‬التجارية‭ ‬إلى‭ ‬طبيعتها،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬أكبر‭ ‬مستورد‭ ‬للطاقة‭ ‬من‭ ‬الخليج‭. ‬ولكن‭ ‬الصين‭ ‬ليست‭ ‬متعاطفة‭ ‬مع‭ ‬المطالب‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وليست‭ ‬مستعدة‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬لقبولها؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬اتضح‭ ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬بكين‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬بين‭ ‬13‭ ‬و15‭ ‬مايو‭ ‬الجاري‭. ‬ويمكن‭ ‬تفسير‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الصيني‭ ‬بعلاقاتها‭ ‬الوثيقة‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬والتي‭ ‬وقّعت‭ ‬معها‭ ‬اتفاقية‭ ‬الشراكة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الشاملة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2021؛‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬بكين‭ ‬أدانت‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الإرهابية‭ ‬على‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭. ‬وتجمعهما‭ ‬أيضاً‭ ‬المصلحة‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬وعدم‭ ‬حدوث‭ ‬تقلبات‭ ‬حادة‭ ‬فيه‭.‬

ثلاثة‭ ‬سيناريوهات‭:‬

من‭ ‬هذا‭ ‬التحليل،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬شكل‭ ‬أحد‭ ‬السيناريوهات‭ ‬التالية‭:‬

1-‭ ‬سيناريو‭ ‬الأحادية‭ ‬القطبية‭ ‬وتكريس‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭: ‬إن‭ ‬تحقيق‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نصراً‭ ‬حاسماً‭ ‬سوف‭ ‬يدعم‭ ‬دورها‭ ‬العالمي،‭ ‬ويعزز‭ ‬مصداقية‭ ‬المظلة‭ ‬الأمنية‭ ‬الأمريكية‭ ‬لدى‭ ‬حلفائها،‭ ‬وتوسيع‭ ‬صفقات‭ ‬التسليح‭ ‬والتعاون‭ ‬الدفاعي،‭ ‬وتجديد‭ ‬ارتباط‭ ‬الحلفاء‭ ‬بها‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وتقنياً‭. ‬وقد‭ ‬يدفع‭ ‬ذلك‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬هندسة‭ ‬الترتيبات‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر؛‭ ‬ومن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تبحث‭ ‬مع‭ ‬حلفائها‭ ‬سُبل‭ ‬تقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والاستثمارات‭ ‬الصينية،‭ ‬ويصاحب‭ ‬ذلك‭ ‬ممارسة‭ ‬ضغوط‭ ‬سياسية‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا،‭ ‬والسعي‭ ‬إلى‭ ‬احتواء‭ ‬نفوذهما‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الحالة،‭ ‬سوف‭ ‬تخسر‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬بكين‭ ‬وموسكو‭ ‬حليفاً‭ ‬إقليمياً‭ ‬في‭ ‬موازنة‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي؛‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأحادية‭ ‬القطبية‭ ‬ستظل‭ ‬نسبية‭ ‬وليست‭ ‬مطلقة؛‭ ‬إذ‭ ‬ستبقى‭ ‬واشنطن‭ ‬مطالبة‭ ‬بأداء‭ ‬دورها‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬دولية‭ ‬تتسم‭ ‬بالتنافسية‭ ‬والتعددية‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭.‬

2-‭ ‬سيناريو‭ ‬تسريع‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬التعددية‭ ‬القطبية‭: ‬إذا‭ ‬انتهت‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نصراً‭ ‬حاسماً؛‭ ‬فإن‭ ‬وضعها‭ ‬العالمي‭ ‬قد‭ ‬يهتز،‭ ‬وإن‭ ‬بقي‭ ‬قوياً،‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬ازدياد‭ ‬أدوار‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا،‭ ‬واستمرار‭ ‬عملية‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب،‭ ‬والذي‭ ‬بدأ‭ ‬فعلياً‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭. ‬وسوف‭ ‬توسع‭ ‬الصين‭ ‬علاقاتها‭ ‬التجارية‭ ‬والاستثمارية،‭ ‬وتشارك‭ ‬في‭ ‬جهود‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار،‭ ‬وتعطي‭ ‬دفعة‭ ‬لمشروعات‭ ‬مبادرة‭ ‬‮«‬الحزام‭ ‬والطريق‮»‬‭. ‬كما‭ ‬قد‭ ‬تقوم‭ ‬بكين‭ ‬بدور‭ ‬سياسي‭ ‬أكبر‭ ‬يتجاوز‭ ‬إصدار‭ ‬البيانات‭ ‬والتصريحات،‭ ‬وتطرح‭ ‬نفسها‭ ‬كقوة‭ ‬استقرار‭ ‬ووسيط‭ ‬موثوق‭ ‬به‭ ‬غير‭ ‬منخرط‭ ‬عسكرياً‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬الإقليمية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬الصين‭ ‬مفارقة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬اعتمادها‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لضمان‭ ‬مصالحها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والطاقة،‭ ‬مقابل‭ ‬عدم‭ ‬رغبتها‭ ‬في‭ ‬تحمل‭ ‬أعباء‭ ‬الحماية‭ ‬العسكرية‭ ‬للممرات‭ ‬البحرية؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يكشف‭ ‬استمرار‭ ‬اعتمادها‭ ‬البنيوي‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الأمني‭ ‬الذي‭ ‬تقوده‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وفي‭ ‬الإطار‭ ‬ذاته،‭ ‬سوف‭ ‬يزداد‭ ‬الدور‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬بيع‭ ‬الأسلحة‭ ‬ونقل‭ ‬التكنولوجيات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وتعميق‭ ‬التحالفات‭ ‬المناهضة‭ ‬للغرب،‭ ‬وتوسيع‭ ‬التعاون‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬وإيران‭. ‬أما‭ ‬الدول‭ ‬الوسطى،‭ ‬فسوف‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬السيولة‭ ‬الدولية‭ ‬لتعزيز‭ ‬استقلالها‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬وبناء‭ ‬تحالفات‭ ‬إقليمية‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬وتوازناً‭.‬

3-‭ ‬سيناريو‭ ‬الاضطراب‭ ‬ونظام‭ ‬عالمي‭ ‬فوضوي‭ ‬وغير‭ ‬مستقر‭: ‬في‭ ‬حالة‭ ‬عودة‭ ‬القتال،‭ ‬وتدمير‭ ‬البنى‭ ‬التحتية،‭ ‬وتوسع‭ ‬نطاق‭ ‬الحرب،‭ ‬واستمرار‭ ‬منع‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز؛‭ ‬فقد‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الصراعات‭ ‬والتنافسات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى،‭ ‬وكذلك‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية،‭ ‬واضطراب‭ ‬الأسواق،‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬وحدوث‭ ‬موجات‭ ‬تضخم‭ ‬عالمية،‭ ‬وتراجع‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وتدهور‭ ‬اقتصادات‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭. ‬ويرافق‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬تراجع‭ ‬فعالية‭ ‬مؤسسات‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬واتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الصراعات‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية،‭ ‬وتزايد‭ ‬اعتماد‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهدافها‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬المضطربة؛‭ ‬يصبح‭ ‬تحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬قائماً‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬الردع‭ ‬المتبادل‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات‭.‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬التكهن‭ ‬بشكل‭ ‬حاسم‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬سوف‭ ‬يتخذه‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة،‭ ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬أخذنا‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬التوجهات‭ ‬القائمة‭ ‬بالفعل‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين؛‭ ‬فإن‭ ‬الأرجح‭ ‬هو‭ ‬الاتجاه‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬يتسم‭ ‬بالاضطراب‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار؛‭ ‬بمعنى‭ ‬تعدد‭ ‬مراكز‭ ‬النفوذ‭ ‬والسيطرة،‭ ‬الذي‭ ‬تصبح‭ ‬فيه‭ ‬القوة‭ ‬أكثر‭ ‬تشتتاً؛‭ ‬بحيث‭ ‬يقوم‭ ‬كل‭ ‬قطب‭ ‬باجتذاب‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬نفوذه،‭ ‬بعضها‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬النواة‭ ‬الصلبة‭ ‬حوله،‭ ‬وبعضها‭ ‬الآخر‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬محيطه‭ ‬أو‭ ‬هامشه،‭ ‬له‭ ‬علاقات‭ ‬تعاون‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬القطب‭ ‬دون‭ ‬قطع‭ ‬علاقاته‭ ‬مع‭ ‬الأقطاب‭ ‬الأخرى‭. ‬وتكون‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬الهامشية‭ ‬مجالاً‭ ‬للتنافس‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الأقطاب؛‭ ‬فتسعى‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬لاستقطابها‭ ‬في‭ ‬فلكها،‭ ‬ويكون‭ ‬هذا‭ ‬التنافس‭ ‬مصدراً‭ ‬لعدم‭ ‬استقرار‭ ‬النظام‭ ‬العالمي؛‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تصاعد‭ ‬الأزمات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬واستمرار‭ ‬حالة‭ ‬اللايقين‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

ختاماً،‭ ‬قد‭ ‬يسجل‭ ‬تاريخ‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬مثّلت‭ ‬الاختبار‭ ‬الأخير‭ ‬لقدرة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬النظام‭ ‬العالمي،‭ ‬وأنها‭ ‬شكّلت‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تشكل‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬جديد‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وأقل‭ ‬استقراراً‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا