العدد : ١٧٥٩٤ - الاثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٤ - الاثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أبونا آدم.. ومصادر المعرفة!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٤ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

نبأ‭ ‬مهم‭ ‬يحمله‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬إلى‭ ‬الملائكة،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وإذ‭ ‬قال‭ ‬ربك‭ ‬للملائكة‭ ‬إني‭ ‬جاعل‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬خليفة‭ ‬قالوا‭ ‬أتجعل‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬يفسد‭ ‬فيها‭ ‬ويسفك‭ ‬الدماء‭ ‬ونحن‭ ‬نسبح‭ ‬بحمدك‭ ‬ونقدس‭ ‬لك‭ ‬قال‭ ‬إني‭ ‬أعلم‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تعلمون‮»‬‭ (‬البقرة‭: ‬31‭).‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬النبأ‭ ‬المهم‭ ‬والمستعجل‭! ‬الذي‭ ‬نقله‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬إلى‭ ‬ملائكته‭ ‬لا‭ ‬ليأخذ‭ ‬الإذن‭ ‬منهم،‭ ‬فالله‭ ‬تعالى‭ ‬له‭ ‬مطلق‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬ما‭ ‬يشاء،‭ ‬لكنه‭ ‬جل‭ ‬جلاله‭ ‬وتقدست‭ ‬أسماؤه‭ ‬وصفاته‭ ‬سبحانه‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يفاجأ‭ ‬ملائكته‭ ‬بمثل‭ ‬هذا‭ ‬النبأ‭ ‬العظيم‭ ‬والمهم،‭ ‬وسوف‭ ‬يبين‭ ‬الحكمة‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬أعظم‭ ‬في‭ ‬المنزلة‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬تزهو‭ ‬الملائكة،‭ ‬فيظنون‭ ‬أنهم‭ ‬أعظم‭ ‬منزلة‭ ‬ومقامًا‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬وهذا‭ ‬الظن‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬الشيطان‭ ‬يخسر‭ ‬منزلته‭ ‬عند‭ ‬الله،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وعلم‭ ‬آدم‭ ‬الأسماء‭ ‬كلها‭ ‬ثم‭ ‬عرضهم‭ ‬على‭ ‬الملائكة‭ ‬فقال‭ ‬أنبئوني‭ ‬بأسماء‭ ‬هؤلاء‭ ‬إن‭ ‬كنتم‭ ‬صادقين‭ (‬31‭) ‬قالوا‭ ‬سبحانك‭ ‬لا‭ ‬علم‭ ‬لنا‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬علمتنا‭ ‬إنًك‭ ‬أنت‭ ‬العليم‭ ‬الحكيم‭ (‬32‭)‬‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬البقرة‭.‬

لقد‭ ‬أراد‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬أن‭ ‬يبين‭ ‬لملائكته‭ ‬حكمته‭ ‬البالغة‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬آدم‭ ‬للخلافة‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يخبر‭ ‬الملائكة‭ ‬بأن‭ ‬آدم‭ ‬يستحق‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬لأنه‭ ‬تميز‭ ‬عنهم‭ ‬بمعرفته‭ ‬العلم‭ ‬والأسماء‭ ‬لكنه‭ ‬ابتلاءً‭ ‬منه‭ ‬لآدم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬طلب‭ ‬من‭ ‬آدم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬أن‭ ‬ينبئهم‭ ‬بذلك،‭ ‬فقال‭ ‬جل‭ ‬جلاله‭: ‬‮«‬قال‭ ‬يا‭ ‬آدم‭ ‬أنبئهم‭ ‬بأسمائهم‭ ‬فلما‭ ‬أنبأهم‭ ‬بأسمائهم‭ ‬قال‭ ‬ألم‭ ‬أقل‭ ‬لكم‭ ‬إني‭ ‬أعلم‭ ‬غيب‭ ‬السماوات‭ ‬والأرض‭ ‬وأعلم‭ ‬ما‭ ‬تبدون‭ ‬وما‭ ‬كنتم‭ ‬تكتمون‮»‬‭ (‬البقرة‭: ‬33‭).‬

فحكم‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬باستحقاق‭ ‬آدم‭ ‬لهذا‭ ‬التميز‭ ‬على‭ ‬الملائكة،‭ ‬وهم‭ ‬عباد‭ ‬معصومون‭.. ‬‮«‬لا‭ ‬يعصون‭ ‬الله‭ ‬ما‭ ‬أمرهم‭ ‬ويفعلون‭ ‬ما‭ ‬يؤمرون‮»‬‭ (‬التحريم‭: ‬6‭).‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬لأبينا‭ ‬آدم‭ (‬عليه‭ ‬السلام‭) ‬صار‭ ‬واجبًا‭ ‬على‭ ‬الملائكة‭ ‬أن‭ ‬يسجدوا‭ ‬لآدم‭ ‬استحقاقًا‭ ‬لهذه‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬تأهل‭ ‬لها‭ ‬بالمعرفة،‭ ‬فالملائكة‭ ‬لم‭ ‬يسجدوا‭ ‬لآدم‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬أمره‭ ‬معهم،‭ ‬بل‭ ‬سجدوا‭ ‬له‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اكتسب‭ ‬المعرفة‭ ‬وأمرهم‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بالسجود‭ ‬له،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬ابتلائه‭ ‬بل‭ ‬بعد‭ ‬تسلمه‭ ‬لواء‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬له‭ ‬وحده،‭ ‬وحسده‭ ‬الشيطان‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المكانة،‭ ‬ولقد‭ ‬بدأت‭ ‬مصادر‭ ‬المعرفة‭ ‬تتنامى‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬جامعة‭ ‬تجارب‭ ‬الرسل‭ ‬والأنبياء‭ ‬السابقين‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬القمة،‭ ‬وأخذ‭ ‬لواء‭ ‬المعرفة‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬نبي‭ ‬مرسل‭ ‬إلى‭ ‬إخوانه‭ ‬من‭ ‬الأنبياء‭ ‬المرسلين،‭ ‬وتكاملت‭ ‬مصادر‭ ‬المعرفة‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬المنزلة‭ ‬التي‭ ‬بلغها‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬محمد‭ ‬رسول‭ ‬الإسلام‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭)‬،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬ولولا‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬عليك‭ ‬ورحمته‭ ‬لهمت‭ ‬طائفة‭ ‬منهم‭ ‬أن‭ ‬يضلوك‭ ‬وما‭ ‬يضلون‭ ‬إلا‭ ‬أنفسهم‭ ‬ما‭ ‬يضرونك‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬وأنزل‭ ‬الله‭ ‬عليك‭ ‬الكتاب‭ ‬والحكمة‭ ‬وعلمك‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعلم‭ ‬وكان‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬عليك‭ ‬عظيمًا‮»‬‭ (‬النساء‭: ‬113‭).‬

وهكذا‭ ‬لم‭ ‬يستغن‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬بما‭ ‬أكرمه‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بالعلم‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬أبيه‭ ‬آدم‭ (‬على‭ ‬رسولنا‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭) ‬بل‭ ‬كان‭ ‬دعاؤه‭ ‬دائمًا‭: ‬‮«‬فتعالى‭ ‬الله‭ ‬الملك‭ ‬الحق‭ ‬ولا‭ ‬تعجل‭ ‬بالقرآن‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقضى‭ ‬إليك‭ ‬وحيه‭ ‬وقل‭ ‬رب‭ ‬زدني‭ ‬علمًا‮»‬‭ (‬سورة‭ ‬طه‭: ‬114‭).‬

ولقد‭ ‬أعان‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬رسوله‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬القرآن‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أنه‭ ‬صلوات‭ ‬ربي‭ ‬وسلامه‭ ‬عليه‭ ‬كان‭ ‬يستعجل‭ ‬في‭ ‬التلاوة‭ ‬والحفظ‭ ‬مخافة‭ ‬أن‭ ‬يفوته‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬القرآن،‭ ‬وكان‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬يطمئنه‭ ‬على‭ ‬حفظه‭ ‬وتلاوته،‭ ‬وأن‭ ‬الذي‭ ‬أنزل‭ ‬عليه‭ ‬القرآن‭ ‬وكلفه‭ ‬بحفظه‭ ‬والعناية‭ ‬به‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬يرجوه‭ ‬من‭ ‬حسن‭ ‬العناية‭ ‬بالقرآن؛‭ ‬لأنه‭ ‬سبحانه‭ ‬كما‭ ‬علم‭ ‬أباه‭ ‬آدم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬سوف‭ ‬يعلمه‭ ‬ويعينه‭ ‬على‭ ‬الحفظ‭ ‬وحسن‭ ‬التلاوة‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القرآن‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬المعجزة‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬صدق‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭  ‬في‭ ‬بلاغه‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬ويحمل‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬منهج‭ ‬حياة‭ ‬إذا‭ ‬التزم‭ ‬به‭ ‬المسلمون،‭ ‬فسوف‭ ‬يحققون‭ ‬الحضارة،‭ ‬ويستعيدون‭ ‬مجد‭ ‬الخلافة‭ ‬الراشدة‭ ‬في‭ ‬الأرض‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا