نبأ مهم يحمله الله تعالى إلى الملائكة، وذلك في قوله تعالى: «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون» (البقرة: 31).
هذا هو النبأ المهم والمستعجل! الذي نقله الله تعالى إلى ملائكته لا ليأخذ الإذن منهم، فالله تعالى له مطلق الحرية في أن يفعل في كونه ما يشاء، لكنه جل جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته سبحانه لا يريد أن يفاجأ ملائكته بمثل هذا النبأ العظيم والمهم، وسوف يبين الحكمة من وراء ذلك من خلال هذا الإعلان في أن هناك من هو أعظم في المنزلة عند الله تعالى، وحتى لا تزهو الملائكة، فيظنون أنهم أعظم منزلة ومقامًا عند الله تعالى، وهذا الظن هو السبب الذي جعل الشيطان يخسر منزلته عند الله، قال تعالى: «وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنًك أنت العليم الحكيم (32)» سورة البقرة.
لقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لملائكته حكمته البالغة في اختيار آدم للخلافة في الأرض، وكان من الممكن أن يخبر الملائكة بأن آدم يستحق هذا الاختيار لأنه تميز عنهم بمعرفته العلم والأسماء لكنه ابتلاءً منه لآدم عليه السلام طلب من آدم عليه السلام أن ينبئهم بذلك، فقال جل جلاله: «قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون» (البقرة: 33).
فحكم الحق سبحانه وتعالى باستحقاق آدم لهذا التميز على الملائكة، وهم عباد معصومون.. «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون» (التحريم: 6).
ومن خلال هذه القاعدة المعرفية التي تحققت لأبينا آدم (عليه السلام) صار واجبًا على الملائكة أن يسجدوا لآدم استحقاقًا لهذه المكانة التي تأهل لها بالمعرفة، فالملائكة لم يسجدوا لآدم في أول أمره معهم، بل سجدوا له بعد أن اكتسب المعرفة وأمرهم الله تعالى بالسجود له، ولم يكن ذلك في بداية ابتلائه بل بعد تسلمه لواء المعرفة التي تحققت له وحده، وحسده الشيطان على هذه المكانة، ولقد بدأت مصادر المعرفة تتنامى بين يديه جامعة تجارب الرسل والأنبياء السابقين حتى بلغت القمة، وأخذ لواء المعرفة ينتقل من نبي مرسل إلى إخوانه من الأنبياء المرسلين، وتكاملت مصادر المعرفة حتى بلغت المنزلة التي بلغها رسول الله محمد رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى: «ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم ما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا» (النساء: 113).
وهكذا لم يستغن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بما أكرمه الله تعالى بالعلم الذي وصل إليه من أبيه آدم (على رسولنا عليه الصلاة والسلام) بل كان دعاؤه دائمًا: «فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علمًا» (سورة طه: 114).
ولقد أعان الله تعالى رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) على حفظ القرآن إلى درجة أنه صلوات ربي وسلامه عليه كان يستعجل في التلاوة والحفظ مخافة أن يفوته شيء من القرآن، وكان الله تعالى يطمئنه على حفظه وتلاوته، وأن الذي أنزل عليه القرآن وكلفه بحفظه والعناية به قادر على أن يحقق له ما يرجوه من حسن العناية بالقرآن؛ لأنه سبحانه كما علم أباه آدم عليه السلام سوف يعلمه ويعينه على الحفظ وحسن التلاوة خاصة أن هذا القرآن يجمع بين المعجزة الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في بلاغه عن الله تعالى، ويحمل أيضًا في طياته منهج حياة إذا التزم به المسلمون، فسوف يحققون الحضارة، ويستعيدون مجد الخلافة الراشدة في الأرض.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك