العدد : ١٧٥٩٣ - الأحد ٢٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٣ - الأحد ٢٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

فضائح «بن غفير» تكشف حقيقة إسرائيل أمام العالم

بقلم: أكرم عطا الله

الأحد ٢٤ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

سأندهش‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الوزير‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المتطرف‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬همجياً‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬كما‭ ‬كنت‭ ‬سأندهش‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تتصرف‭ ‬بمعايير‭ ‬إنسانية‭ ‬ووفق‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭. ‬فالمسألة‭ ‬ليست‭ ‬مسألة‭ ‬مؤسسات‭ ‬دولية‭ ‬ونظم،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬السلوك‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬فردياً‭ ‬أو‭ ‬جمعياً‭ ‬هو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬منتج‭ ‬ثقافي‭ ‬حضاري‭ ‬طويل‭ ‬تبلورت‭ ‬خلاله‭ ‬الشخصية‭ ‬القومية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تجمع‭ ‬عوامل‭ ‬عدة‭ ‬منها‭ ‬الديني‭ ‬بلا‭ ‬شك‭.‬

وبن‭ ‬غفير‭ ‬غارق‭ ‬في‭ ‬تجسيد‭ ‬شخصية‭ ‬حقيقية‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬وعي‭ ‬جمعي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحريق‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ولن‭ ‬يتوقف‭. ‬يوصف‭ ‬العقل‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬من‭ ‬البعض‭ ‬بأنه‭ ‬مختل،‭ ‬وليس‭ ‬المقصود‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬شتيمة‭ ‬أو‭ ‬موقفاً‭ ‬معادياً‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬نابع‭ ‬عن‭ ‬قراءة‭ ‬للشخصية‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬التشوه‭ ‬المرتبط‭ ‬بقدم‭ ‬النصوص‭ ‬والانغلاق‭ ‬على‭ ‬الذات‭.‬

وهنا‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬منتجات‭ ‬التاريخ‭ ‬والهوية‭ ‬الملتبسة‭. ‬قبل‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬تماماً،‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬1996،‭ ‬اقتحم‭ ‬شخص‭ ‬شبه‭ ‬مغمور‭ ‬عالم‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬وهو‭ ‬يزاحم‭ ‬آباء‭ ‬حزب‭ ‬الليكود‭ ‬موشيه‭ ‬أرنبز‭ ‬ودافيد‭ ‬ليفي‭ ‬وغيرهما،‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬بنيامين‭ ‬بن‭ ‬تسيون‭ ‬نتنياهو‭ ‬ليفوز‭ ‬على‭ ‬شمعون‭ ‬بيريس‭ ‬برئاسة‭ ‬حكومة‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬مقتل‭ ‬رابين‭ ‬بعكس‭ ‬كل‭ ‬التوقعات،‭ ‬وكأصغر‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭. ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬توقع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬السياسيون‭ ‬ولا‭ ‬المحللون‭ ‬ولا‭ ‬مراكز‭ ‬الاستطلاعات‭.‬

كان‭ ‬الأمر‭ ‬مفاجئاً،‭ ‬وفي‭ ‬صباح‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬أفقنا‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬انقلاب‭ ‬الصورة‭ ‬رأيت‭ ‬نفسي‭ ‬أهرع‭ ‬إلى‭ ‬المكتبة‭ ‬باحثاً‭ ‬عن‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬مكان‭ ‬بين‭ ‬الأمم‮»‬‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لفهم‭ ‬أفكار‭ ‬نتنياهو‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬خافية‭ ‬تماماً‭ ‬كوريث‭ ‬لليمين‭.‬

في‭ ‬مقدمة‭ ‬الكتاب‭ ‬كان‭ ‬لافتاً‭ ‬أن‭ ‬يطلق‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭ ‬‮«‬أرض‭ ‬الآباء‭ ‬والأجداد‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬أنهيت‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬نفسه‭ ‬سارعت‭ ‬لأبحث‭ ‬بعده‭ ‬عن‭ ‬سر‭ ‬تلك‭ ‬المقولة،‭ ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬قراءة‭ ‬التوراة‭ ‬بمضامينها‭ ‬ورواياتها؛‭ ‬لأبحث‭ ‬عن‭ ‬تفسير‭ ‬لماذا‭ ‬تصر‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الاحتلال،‭ ‬ولماذا‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬بحقوق‭ ‬الغير‭ ‬ومصدر‭ ‬النظرة‭ ‬الفوقية‭ ‬للآخر‭.‬

بعدها‭ ‬نشرت‭ ‬دراسة‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬رؤية‮»‬‭ ‬للأبحاث،‭ ‬وهي‭ ‬مجلة‭ ‬مهمة‭ ‬صدرت‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬كتاب‭. ‬كانت‭ ‬فكرة‭ ‬الأستاذ‭ ‬رياض‭ ‬الحسن‭ ‬ويدير‭ ‬تحريرها‭ ‬الشاعر‭ ‬الأستاذ‭ ‬خالد‭ ‬جمعة‭ ‬وكانت‭ ‬تتجاوز‭ ‬البعد‭ ‬الفلسطيني‭ ‬نحو‭ ‬كتاب‭ ‬عرب‭ ‬من‭ ‬عديد‭ ‬العواصم‭.‬

كان‭ ‬عنوان‭ ‬الدراسة‭ ‬‮«‬أصل‭ ‬الشرور‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الجذور»؛‭ ‬فالدين‭ ‬يفسر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬البشر‭ ‬وحجم‭ ‬العنف‭ ‬لدى‭ ‬أتباعه،‭ ‬ومأساة‭ ‬إسرائيل‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬والقومية‭ ‬هما‭ ‬شيء‭ ‬واحد،‭ ‬وباعتبار‭ ‬السياسة‭ ‬هي‭ ‬هوية‭ ‬ومصالح‭ ‬قومية‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬تجسيداً‭ ‬لحالة‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭.‬

مشاهد‭ ‬اعتداء‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬التي‭ ‬أثارت‭ ‬أوروبا‭ ‬كانت‭ ‬القشة‭ ‬التي‭ ‬قصمت‭ ‬ظهر‭ ‬بعير‭ ‬الموقف‭ ‬الأوروبي‭ ‬الغاضب‭ ‬أصلاً؛‭ ‬فقد‭ ‬اعتدت‭ ‬إسرائيل‭ ‬سابقاً‭ ‬على‭ ‬سفينة‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬مرمرة‭ ‬وقتلت‭ ‬منهم‭ ‬وسط‭ ‬صمت‭ ‬أوروبي،‭ ‬لكن‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬وهذه‭ ‬جرت‭ ‬مياه‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬نهر‭ ‬السياسة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬العكرة‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬تعرض‭ ‬للإيذاء‭ ‬بعضهم‭ ‬أوروبيون‭ ‬ولكن‭ ‬إسرائيل‭ ‬أهانت‭ ‬ونكلت‭ ‬ومنعت‭ ‬أوروبيين‭ ‬سابقاً‭ ‬وسط‭ ‬صمت‭ ‬الحكومات‭.‬

فأوروبا‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تشهد‭ ‬تحولات‭ ‬وانزياحات‭ ‬ضارة‭ ‬بسبب‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬رئيساً‭ ‬أمريكياً‭ ‬مثل‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬إيران،‭ ‬تسببت‭ ‬بضربة‭ ‬شديدة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬حالاته‭ ‬نتيجة‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وجمارك‭ ‬ترامب،‭ ‬وإغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬ليتسبب‭ ‬بنقمة‭ ‬على‭ ‬الأحزاب‭ ‬الحاكمة‭ ‬لتدفع‭ ‬ثمن‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭.‬

لكن‭ ‬الخطر‭ ‬أن‭ ‬الانزياح‭ ‬الغاضب‭ ‬يحدث‭ ‬لصالح‭ ‬قوى‭ ‬يمينية‭ ‬بعضها‭ ‬فاشي‭ ‬يهدد‭ ‬بنية‭ ‬المجتمعات‭ ‬واستقرارها،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬بفوز‭ ‬حزب‭ ‬الإصلاح‭ ‬اليميني‭ ‬الذي‭ ‬يقوده‭ ‬نايجل‭ ‬فراج‭ ‬الذي‭ ‬اكتسح‭ ‬بلديات‭ ‬بريطانيا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الحياة‭.‬

هكذا‭ ‬تدفع‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬تخريب‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬يتخذ‭ ‬مواقف‭ ‬أكثر‭ ‬حدة‭ ‬ووضوحاً‭ ‬من‭ ‬تسجيل‭ ‬سابقة‭ ‬العقوبات‭ ‬للبيان‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬أسطول‭ ‬الصمود‭.‬

‭ ‬الوزير‭ ‬المتطرف‭ ‬أيضا‭ ‬سموتريتش‭ ‬تطاول‭ ‬على‭ ‬المستشار‭ ‬الألماني،‭ ‬ونتنياهو‭ ‬غاضب‭ ‬على‭ ‬ماكرون،‭ ‬وسانشيز‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬معاقبة‭ ‬إسرائيل‭ ‬بقسوة،‭ ‬واليمينية‭ ‬الإيطالية‭ ‬جورجيا‭ ‬ميلوني‭ ‬توقف‭ ‬اتفاق‭ ‬تعاون‭ ‬أمني‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭. ‬أما‭ ‬رئيسة‭ ‬إيرلندا‭ ‬فهي‭ ‬تصرخ‭ ‬بقوة،‭ ‬وفي‭ ‬بريطانيا‭ ‬يدرك‭ ‬العماليون‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬سبب‭ ‬خسارتهم‭.‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬الجبهة‭ ‬الثامنة‭ ‬التي‭ ‬أصيبت‭ ‬فيها‭ ‬إسرائيل‭ ‬بالهزيمة،‭ ‬فمنذ‭ ‬عامين‭ ‬ونصف‭ ‬العام‭ ‬يتحدث‭ ‬نتنياهو‭ ‬عن‭ ‬سبع‭ ‬جبهات‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬ولبنان‭ ‬وسورية‭ ‬والعراق‭ ‬وإيران‭ ‬واليمن،‭ ‬ثم‭ ‬أضاف‭ ‬جبهة‭ ‬ثامنة‭ ‬هي‭ ‬جبهة‭ ‬الإعلام‭ ‬‮«‬هسباراة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬خصصت‭ ‬لها‭ ‬2‭.‬3‭ ‬مليار‭ ‬شيكل‭ ‬لحملات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬العامة‭ ‬والدعاية‭ ‬للتصدي‭ ‬للانتقادات‭ ‬الغربية‭ ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬النتيجة‭.‬

في‭ ‬معركة‭ ‬‮«‬الهسباراة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تدرك‭ ‬إسرائيل‭ ‬أنها‭ ‬تملك‭ ‬كل‭ ‬مقومات‭ ‬هزيمتها،‭ ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬لدولة‭ ‬احتلال‭ ‬أسود‭ ‬أن‭ ‬تبيّض‭ ‬صفحتها؟

تلك‭ ‬مهمة‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬عليها‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬وخصوصاً‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تميزت‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬احتلال‭ ‬سابق‭ ‬بفوقية‭ ‬فجة،‭ ‬حاول‭ ‬يسار‭ ‬إسرائيل‭ ‬إخفاءها‭ ‬وهو‭ ‬يقيم‭ ‬علمانية‭ ‬أوروبية،‭ ‬لكن‭ ‬كما‭ ‬ينقل‭ ‬وول‭ ‬ديورانت‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬قصة‭ ‬الحضارة‮»‬‭ ‬نقلاً‭ ‬عن‭ ‬فولتير‭ ‬مقولة‭: ‬‮«‬أنت‭ ‬تستطيع‭ ‬خداع‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬كل‭ ‬الوقت‭ ‬وكل‭ ‬الناس‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬لكن‭ ‬أن‭ ‬تخدع‭ ‬كل‭ ‬الناس‭ ‬كل‭ ‬الوقت‭ ‬فتلك‭ ‬مهمة‭ ‬مستحيلة‮»‬‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭.‬

‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا