في تظاهرة اليمين المتطرف في وسط لندن قبل أيام، خرجت إلى العلن أقبح مظاهر العنصرية في المجتمع البريطاني، ولعلها كانت دائما موجودة من دون أن تعبر عن نفسها بوضوح، أو من دون أن نرغب في مشاهدتها. وقد يكون من غير المبالغ به القول إن العدد الكبير للمشاركين في التظاهرة وهتافاتهم الواضحة في عنصريّتها وكرهها الإسلام بشكل خاص، أسقط، بشكل أو بآخر، مقولة التنوّع الثقافي للمجتمع البريطاني والتعايش السلمي لهذا التنوّع.
خرج إلى شوارع وسط لندن، بحسب الشرطة، 60 ألف مشارك، وهو رقم أقل من المشاركة التي شهدتها التظاهرة السابقة، وحشدت فوق المائة ألف مشارك لليمين المتطرّف، في سبتمبر الماضي، لكن هذا العدد الكبير هو صورة معبرة لانحدار المجتمع البريطاني نحو الهوة.
تقدمت شعارات العداء للإسلام في خطاب كراهية الآخر، إلا أن فجاجة هذه الشعارات لم تقنع الشرطة بالتدخّل في التظاهرة التي قادها الناشط اليميني المتطرّف تومي روبنسون. من التعبيرات «الحضارية» التي ردّدها المشاركون، ويبدو أن معظمهم قليل الحظ في المعرفة، الدعوة إلى محاربة الإسلام ومنع وصول المسلمين إلى البرلمان أو أي منصب عام، وشهادات بعضهم عن خوفهم من الوجوه «الغريبة» التي يشاهدونها في شوارعهم أو عدم الشعور بالأمان لوجود رجال مسلمين في الطرقات. الأخطر رفع بعض هؤلاء شعارات عنصرية عرقية دفاعا عن البيض، في امتداد لموجة التفوّق العرقي المستوردة من خطاب اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة.
الحرب على هوية البلاد، كما قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بالدرجة الأولى حربٌ على جوهر الفرادة البريطانية أو ما تبقى منها، باعتبارها التجربة الأكثر نجاحاً في أوروبا في إدماج التنوع الثقافي، بوصفه مصدر غنى لا معضلة يجب حلها.
ردّد مشاركون كثيرون أن لا مشكلة لديهم مع المغتربين إذا ما اندمجوا مع قيم المجتمع البريطاني، وتلك مقولة يردّدها اليمين التقليدي في مقاربة الاغتراب. لم يتمكّن أي من المستجوبين من أن يشرح ما يقصده من كلمة اندماج أو ما الأمور التي يعتبرها ضرورية من أجل قبول الوافدين.
معظم ما قاله هؤلاء أنهم ينزعجون من رؤية وجوه غريبة، هي بالضرورة، بالنسبة إليهم، مصدر خطر. لم يكن لهذا الخطاب الكاره أن يخرج إلى العلن بهذه القوة من دون النتائج الانتخابية المحلية الأخيرة التي شرعنت هذا الخطاب باعتباره تعبيراً صافياً للمواطنين «الأصليين» الذين باتوا يعانون من منافسة الغرباء وخطرهم على ثقافة البلاد.
في الانتخابات المحلية أخيراً، حقق حزب الإصلاح نتائج غير مسبوقة في ما وصفته الصحافة البريطانية بالزلزال السياسي. حاز الحزب بزعامة نايجل فاراج، وهو أحد أبرز مهندسي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وحليف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أكثر من 600 مقعد، منتزعاً معظمها من حزب العمّال أولاً والمحافظين ثانياً، في سابقة من نوعها.
قبيل الانتخابات، نقلت الصحافة البريطانية خبر تلقّي فاراج هدية بقيمة خمسة ملايين جنيه إسترليني من كريستوفر هاربورن، وهو رجل أعمال بريطاني مقيم في تايلاند، في أبريل 2024، قبل شهرين من إعلانه ترشّحه في الانتخابات العامة في ذلك العام، من دون أن تؤثر الأسئلة حول مشروعية هذه «الهدية» في حظوظ حزبه في الانتخابات المحلية.
بهذه الشرعية الانتخابية، بات بإمكان هذا الخطاب أن يخرج إلى العلن باعتباره تعبيرا «وطنيا» وليس امتداداً لموجة الشعبوية العالمية فحسب. قبل التظاهرة، أكدت السلطات منع 11 ناشطاً أجنبيّاً من اليمين المتطرّف من دخول البلاد مبرّرة الإجراء بالرغبة في حماية المجموعات من «الكراهية البغيضة»، ومنع حدوث اضطرابات محتملة.
لكن الأصوات الكارهة للاختلاف ليست بالضرورة امتداداً لما يجري في الخارج، وليست مستوردة من موجات الخارج الشعبوية. تتغذّى هذه الأصوات في الواقع من تاريخ استخدام كره المغتربين، وخصوصاً المسلمين، مادة دسمة للصحافة الصفراء، بما في ذلك خطاب التهويل من انهيار النسق الثقافي الإنجليزي المسيحي، بسبب استقبال هؤلاء والتسامح مع ثقافاتهم. وتتغذّى هذه الأصوات أيضاً من تبني حكومة العمال اليسارية مقولات اليمين حول مخاطر الاغتراب، من دون اعتماد خطاب جاد وعقلاني حول هذا الاغتراب وكيفية التعاطي معه بإيجابياته وسلبياته.
بعد مشهدية القبح هذه، يُخشى على ما تبقى من خطاب التنوّع الإيجابي الذي أقنعنا نفسنا به في لندن، ومن التبعات العملية لهذا الخطاب العنصري على الأكثر هشاشة بيننا، وخصوصاً النساء المحجّبات اللواتي سيكون عليهن استخدام النقل العام، مع ما يحمل هذا من إمكانات تعرّضهن للسخرية، الشتيمة أو حتى الاعتداء.
وكان «فيديو» تعرض شرطي مسلم للإهانة في لندن انتشر أخيراً وأثار ردات فعل واسعة ومخاوف من خطر تحول العنف اللفظي إلى استهداف جسدي. في الوقت نفسه، في سان دييجو في الولايات المتحدة، قتل ثلاثة مسلمين في هجوم على المركز الإسلامي على يد شابين أقدما على الانتحار بعد القتل وعثر في حوزتهما على شعارات معادية للإسلام وأخرى نازية. ماذا بعد في احتفالية الجنون العنصري؟
{ أستاذة لبنانية في جامعة
إيسيكس البريطانية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك