العدد : ١٧٥٩٤ - الاثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٤ - الاثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

صعود اليمين العنصري المتطرف يهدد التنوع الثقافي في بريطانيا

بقلم: فاطمة العيساوي

الاثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬تظاهرة‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬لندن‭ ‬قبل‭ ‬أيام،‭ ‬خرجت‭ ‬إلى‭ ‬العلن‭ ‬أقبح‭ ‬مظاهر‭ ‬العنصرية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬البريطاني،‭ ‬ولعلها‭ ‬كانت‭ ‬دائما‭ ‬موجودة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬بوضوح،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نرغب‭ ‬في‭ ‬مشاهدتها‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المبالغ‭ ‬به‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬العدد‭ ‬الكبير‭ ‬للمشاركين‭ ‬في‭ ‬التظاهرة‭ ‬وهتافاتهم‭ ‬الواضحة‭ ‬في‭ ‬عنصريّتها‭ ‬وكرهها‭ ‬الإسلام‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬أسقط،‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬مقولة‭ ‬التنوّع‭ ‬الثقافي‭ ‬للمجتمع‭ ‬البريطاني‭ ‬والتعايش‭ ‬السلمي‭ ‬لهذا‭ ‬التنوّع‭. ‬

خرج‭ ‬إلى‭ ‬شوارع‭ ‬وسط‭ ‬لندن،‭ ‬بحسب‭ ‬الشرطة،‭ ‬60‭ ‬ألف‭ ‬مشارك،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬التظاهرة‭ ‬السابقة،‭ ‬وحشدت‭ ‬فوق‭ ‬المائة‭ ‬ألف‭ ‬مشارك‭ ‬لليمين‭ ‬المتطرّف،‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬الماضي،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬الكبير‭ ‬هو‭ ‬صورة‭ ‬معبرة‭ ‬لانحدار‭ ‬المجتمع‭ ‬البريطاني‭ ‬نحو‭ ‬الهوة‭.‬

تقدمت‭ ‬شعارات‭ ‬العداء‭ ‬للإسلام‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬كراهية‭ ‬الآخر،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬فجاجة‭ ‬هذه‭ ‬الشعارات‭ ‬لم‭ ‬تقنع‭ ‬الشرطة‭ ‬بالتدخّل‭ ‬في‭ ‬التظاهرة‭ ‬التي‭ ‬قادها‭ ‬الناشط‭ ‬اليميني‭ ‬المتطرّف‭ ‬تومي‭ ‬روبنسون‭. ‬من‭ ‬التعبيرات‭ ‬‮«‬الحضارية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬ردّدها‭ ‬المشاركون،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬معظمهم‭ ‬قليل‭ ‬الحظ‭ ‬في‭ ‬المعرفة،‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬محاربة‭ ‬الإسلام‭ ‬ومنع‭ ‬وصول‭ ‬المسلمين‭ ‬إلى‭ ‬البرلمان‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬منصب‭ ‬عام،‭ ‬وشهادات‭ ‬بعضهم‭ ‬عن‭ ‬خوفهم‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬‮«‬الغريبة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يشاهدونها‭ ‬في‭ ‬شوارعهم‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬الشعور‭ ‬بالأمان‭ ‬لوجود‭ ‬رجال‭ ‬مسلمين‭ ‬في‭ ‬الطرقات‭. ‬الأخطر‭ ‬رفع‭ ‬بعض‭ ‬هؤلاء‭ ‬شعارات‭ ‬عنصرية‭ ‬عرقية‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬البيض،‭ ‬في‭ ‬امتداد‭ ‬لموجة‭ ‬التفوّق‭ ‬العرقي‭ ‬المستوردة‭ ‬من‭ ‬خطاب‭ ‬اليمين‭ ‬الشعبوي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

الحرب‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬البلاد،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني‭ ‬كير‭ ‬ستارمر،‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬حربٌ‭ ‬على‭ ‬جوهر‭ ‬الفرادة‭ ‬البريطانية‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬منها،‭ ‬باعتبارها‭ ‬التجربة‭ ‬الأكثر‭ ‬نجاحاً‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬إدماج‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي،‭ ‬بوصفه‭ ‬مصدر‭ ‬غنى‭ ‬لا‭ ‬معضلة‭ ‬يجب‭ ‬حلها‭.‬

ردّد‭ ‬مشاركون‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬مشكلة‭ ‬لديهم‭ ‬مع‭ ‬المغتربين‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬اندمجوا‭ ‬مع‭ ‬قيم‭ ‬المجتمع‭ ‬البريطاني،‭ ‬وتلك‭ ‬مقولة‭ ‬يردّدها‭ ‬اليمين‭ ‬التقليدي‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬الاغتراب‭. ‬لم‭ ‬يتمكّن‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬المستجوبين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يشرح‭ ‬ما‭ ‬يقصده‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬اندماج‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬يعتبرها‭ ‬ضرورية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬قبول‭ ‬الوافدين‭.‬

معظم‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬هؤلاء‭ ‬أنهم‭ ‬ينزعجون‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬وجوه‭ ‬غريبة،‭ ‬هي‭ ‬بالضرورة،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليهم،‭ ‬مصدر‭ ‬خطر‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لهذا‭ ‬الخطاب‭ ‬الكاره‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬إلى‭ ‬العلن‭ ‬بهذه‭ ‬القوة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬النتائج‭ ‬الانتخابية‭ ‬المحلية‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬شرعنت‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬باعتباره‭ ‬تعبيراً‭ ‬صافياً‭ ‬للمواطنين‭ ‬‮«‬الأصليين‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬باتوا‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬منافسة‭ ‬الغرباء‭ ‬وخطرهم‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬البلاد‭.‬

في‭ ‬الانتخابات‭ ‬المحلية‭ ‬أخيراً،‭ ‬حقق‭ ‬حزب‭ ‬الإصلاح‭ ‬نتائج‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬وصفته‭ ‬الصحافة‭ ‬البريطانية‭ ‬بالزلزال‭ ‬السياسي‭. ‬حاز‭ ‬الحزب‭ ‬بزعامة‭ ‬نايجل‭ ‬فاراج،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مهندسي‭ ‬خروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬وحليف‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬600‭ ‬مقعد،‭ ‬منتزعاً‭ ‬معظمها‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬العمّال‭ ‬أولاً‭ ‬والمحافظين‭ ‬ثانياً،‭ ‬في‭ ‬سابقة‭ ‬من‭ ‬نوعها‭.‬

قبيل‭ ‬الانتخابات،‭ ‬نقلت‭ ‬الصحافة‭ ‬البريطانية‭ ‬خبر‭ ‬تلقّي‭ ‬فاراج‭ ‬هدية‭ ‬بقيمة‭ ‬خمسة‭ ‬ملايين‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني‭ ‬من‭ ‬كريستوفر‭ ‬هاربورن،‭ ‬وهو‭ ‬رجل‭ ‬أعمال‭ ‬بريطاني‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬تايلاند،‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬2024،‭ ‬قبل‭ ‬شهرين‭ ‬من‭ ‬إعلانه‭ ‬ترشّحه‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العام،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تؤثر‭ ‬الأسئلة‭ ‬حول‭ ‬مشروعية‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الهدية‮»‬‭ ‬في‭ ‬حظوظ‭ ‬حزبه‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬المحلية‭.‬

بهذه‭ ‬الشرعية‭ ‬الانتخابية،‭ ‬بات‭ ‬بإمكان‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬إلى‭ ‬العلن‭ ‬باعتباره‭ ‬تعبيرا‭ ‬‮«‬وطنيا‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬امتداداً‭ ‬لموجة‭ ‬الشعبوية‭ ‬العالمية‭ ‬فحسب‭. ‬قبل‭ ‬التظاهرة،‭ ‬أكدت‭ ‬السلطات‭ ‬منع‭ ‬11‭ ‬ناشطاً‭ ‬أجنبيّاً‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرّف‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬البلاد‭ ‬مبرّرة‭ ‬الإجراء‭ ‬بالرغبة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬المجموعات‭ ‬من‭ ‬‮«‬الكراهية‭ ‬البغيضة‮»‬،‭ ‬ومنع‭ ‬حدوث‭ ‬اضطرابات‭ ‬محتملة‭.‬

لكن‭ ‬الأصوات‭ ‬الكارهة‭ ‬للاختلاف‭ ‬ليست‭ ‬بالضرورة‭ ‬امتداداً‭ ‬لما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬وليست‭ ‬مستوردة‭ ‬من‭ ‬موجات‭ ‬الخارج‭ ‬الشعبوية‭. ‬تتغذّى‭ ‬هذه‭ ‬الأصوات‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬استخدام‭ ‬كره‭ ‬المغتربين،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬المسلمين،‭ ‬مادة‭ ‬دسمة‭ ‬للصحافة‭ ‬الصفراء،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬خطاب‭ ‬التهويل‭ ‬من‭ ‬انهيار‭ ‬النسق‭ ‬الثقافي‭ ‬الإنجليزي‭ ‬المسيحي،‭ ‬بسبب‭ ‬استقبال‭ ‬هؤلاء‭ ‬والتسامح‭ ‬مع‭ ‬ثقافاتهم‭. ‬وتتغذّى‭ ‬هذه‭ ‬الأصوات‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬تبني‭ ‬حكومة‭ ‬العمال‭ ‬اليسارية‭ ‬مقولات‭ ‬اليمين‭ ‬حول‭ ‬مخاطر‭ ‬الاغتراب،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اعتماد‭ ‬خطاب‭ ‬جاد‭ ‬وعقلاني‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الاغتراب‭ ‬وكيفية‭ ‬التعاطي‭ ‬معه‭ ‬بإيجابياته‭ ‬وسلبياته‭.‬

بعد‭ ‬مشهدية‭ ‬القبح‭ ‬هذه،‭ ‬يُخشى‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬خطاب‭ ‬التنوّع‭ ‬الإيجابي‭ ‬الذي‭ ‬أقنعنا‭ ‬نفسنا‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬ومن‭ ‬التبعات‭ ‬العملية‭ ‬لهذا‭ ‬الخطاب‭ ‬العنصري‭ ‬على‭ ‬الأكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬بيننا،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬النساء‭ ‬المحجّبات‭ ‬اللواتي‭ ‬سيكون‭ ‬عليهن‭ ‬استخدام‭ ‬النقل‭ ‬العام،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يحمل‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬تعرّضهن‭ ‬للسخرية،‭ ‬الشتيمة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الاعتداء‭. ‬

وكان‭ ‬‮«‬فيديو‮»‬‭ ‬تعرض‭ ‬شرطي‭ ‬مسلم‭ ‬للإهانة‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬انتشر‭ ‬أخيراً‭ ‬وأثار‭ ‬ردات‭ ‬فعل‭ ‬واسعة‭ ‬ومخاوف‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬تحول‭ ‬العنف‭ ‬اللفظي‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬جسدي‭. ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬في‭ ‬سان‭ ‬دييجو‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬قتل‭ ‬ثلاثة‭ ‬مسلمين‭ ‬في‭ ‬هجوم‭ ‬على‭ ‬المركز‭ ‬الإسلامي‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬شابين‭ ‬أقدما‭ ‬على‭ ‬الانتحار‭ ‬بعد‭ ‬القتل‭ ‬وعثر‭ ‬في‭ ‬حوزتهما‭ ‬على‭ ‬شعارات‭ ‬معادية‭ ‬للإسلام‭ ‬وأخرى‭ ‬نازية‭. ‬ماذا‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬احتفالية‭ ‬الجنون‭ ‬العنصري؟

 

{‭ ‬أستاذة‭ ‬لبنانية‭ ‬في‭ ‬جامعة

‭ ‬إيسيكس‭ ‬البريطانية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا