العدد : ١٧٥٩٤ - الاثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٤ - الاثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

لبّيك.. من كل فج عميق

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

مرَّت‭ ‬سنوات،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬ذلك‭ ‬المشهد‭ ‬يسكن‭ ‬الذاكرة‭. ‬بحرٌ‭ ‬أبيض‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬له،‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يُفصح‭ ‬عن‭ ‬أحد،‭ ‬لا‭ ‬لقب‭ ‬يتقدّم‭ ‬صاحبه،‭ ‬ولا‭ ‬ثروةٌ‭ ‬تشقّ‭ ‬طريقها‭ ‬بين‭ ‬الأكتاف‭. ‬ملايين‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬ثوبٍ‭ ‬واحد،‭ ‬ونيّةٍ‭ ‬واحدة،‭ ‬ووجهةٍ‭ ‬واحدة‭. ‬وقفتُ‭ ‬هناك‭ ‬وأدركتُ‭ ‬أن‭ ‬الحج‭ ‬ليس‭ ‬رحلةً‭ ‬إلى‭ ‬مكان،‭ ‬هو‭ ‬رحلةٌ‭ ‬إلى‭ ‬نفسك‭.‬

للإحرام‭ ‬لحظةٌ‭ ‬لا‭ ‬تنساها‭. ‬ثوبٌ‭ ‬أبيض‭ ‬بلا‭ ‬خياطة،‭ ‬لا‭ ‬جيب‭ ‬ولا‭ ‬طيّة‭ ‬تخفي‭ ‬شيئاً‭. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬يعتريك‭ ‬شعورٌ‭ ‬أشبه‭ ‬بالتأهب،‭ ‬كأنك‭ ‬على‭ ‬عتبة‭ ‬شيء‭ ‬كبير‭ ‬يستوجب‭ ‬منك‭ ‬كل‭ ‬انتباهك‭ ‬وكل‭ ‬صدقك‭. ‬البياض‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬لوناً،‭ ‬هو‭ ‬حالة‭. ‬حالة‭ ‬من‭ ‬يقرر‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬الله‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬هو،‭ ‬مجرداً‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬اعتقد‭ ‬يوماً‭ ‬أنه‭ ‬يعرفه‭.‬

ومن‭ ‬تلك‭ ‬الحالة‭ ‬تمشي‭ ‬نحو‭ ‬البيت‭. ‬

ملايين‭ ‬الأجساد‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬اتجاهٍ‭ ‬واحد،‭ ‬كأن‭ ‬شيئاً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الإرادة‭ ‬يسحبها‭. ‬الدوران‭ ‬سنة‭ ‬الوجود‭ ‬كله،‭ ‬النجوم‭ ‬تدور‭ ‬والأرض‭ ‬تدور،‭ ‬والإنسان‭ ‬هنا‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬بيت‭ ‬الله‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬تكون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدوامة‭ ‬تنسى‭ ‬اسمك‭.‬

الإنسان‭ ‬وهو‭ ‬يذوب‭ ‬بين‭ ‬الملايين‭ ‬لا‭ ‬يضيع،‭ ‬يجد‭ ‬راحةً‭ ‬لم‭ ‬يعرفها‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬طوال‭ ‬حياته‭ ‬يحمل‭ ‬هويته‭ ‬كدرع،‭ ‬اسمه‭ ‬ومنصبه‭ ‬وما‭ ‬يملك،‭ ‬ويظن‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الدرع‭ ‬هو‭ ‬هو‭.‬

وهنا،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحشد‭ ‬الهائل،‭ ‬يتخلى‭ ‬عنه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يطلب‭ ‬منه‭ ‬أحد‭. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يظن‭ ‬أنه‭ ‬يحميه‭ ‬كان‭ ‬يثقله،‭ ‬وأن‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬أعمق‭ ‬حالاته‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬اكتمالاً‭ ‬حين‭ ‬يتخفف‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭.‬

ثم‭ ‬تتوقف،‭ ‬وقدماك‭ ‬تعرفان‭ ‬طريق‭ ‬الصفا‭. ‬هناك‭ ‬بدأت‭ ‬قصة‭ ‬هاجر‭ ‬عليها‭ ‬السلام‭. ‬امرأةٌ‭ ‬وحيدة‭ ‬في‭ ‬صحراء‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها،‭ ‬وبين‭ ‬ذراعيها‭ ‬طفلٌ‭ ‬يتلوى‭ ‬من‭ ‬العطش‭. ‬هرولتها‭ ‬بين‭ ‬الصفا‭ ‬والمروة‭ ‬سبع‭ ‬مرات‭ ‬وعيناها‭ ‬تبحثان‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬علامة‭ ‬حياة‭. ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الهرولة‭ ‬صلاةً‭ ‬لم‭ ‬تحتج‭ ‬كلاماً‭. ‬وعندما‭ ‬أجابها،‭ ‬جاء‭ ‬الجواب‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬قدمي‭ ‬طفلها‭ ‬الصغير،‭ ‬فجّر‭ ‬الله‭ ‬زمزم‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬وطئها‭ ‬إيمانها‭. ‬والأعظم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬اختار‭ ‬امرأة‭ ‬لتكون‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬الطقس‭ ‬وروحه،‭ ‬امرأة‭ ‬تُخلَّد‭ ‬خطواتها‭ ‬في‭ ‬ركنٍ‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬الإسلام‭ ‬إلى‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭.‬

واليوم،‭ ‬وأنت‭ ‬تسعى‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬المسافة‭ ‬وتشرب‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الماء،‭ ‬أنت‭ ‬تمشي‭ ‬في‭ ‬أثر‭ ‬امرأة‭ ‬حوَّلت‭ ‬العطش‭ ‬إلى‭ ‬نبع‭.‬

الحج‭ ‬تجربة‭ ‬غريبة‭ ‬في‭ ‬علاقتها‭ ‬بالزمن‭. ‬أنت‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬2026‭ ‬لكن‭ ‬خطواتك‭ ‬تمشي‭ ‬فوق‭ ‬خطوات‭ ‬إبراهيم‭ ‬وهاجر‭ ‬عليهما‭ ‬السلام‭ ‬وملايين‭ ‬حجوا‭ ‬قبلك‭ ‬عبر‭ ‬القرون‭.‬

الزمن‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬خط،‭ ‬يتراكم‭. ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬يقفان‭ ‬معاً‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬الأرض،‭ ‬وأنت‭ ‬في‭ ‬المنتصف‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذا‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬العمق‭ ‬تخرج‭ ‬التلبية‭.‬

وفي‭ ‬المشي‭ ‬إلى‭ ‬منى‭ ‬تسمع‭ ‬التلبية‭ ‬تملأ‭ ‬الهواء‭.‬

لبّيك‭ ‬اللهم‭ ‬لبّيك،‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬ملايين‭ ‬الأفواه‭ ‬بلغات‭ ‬مختلفة‭ ‬ولحنٍ‭ ‬واحد‭. ‬العربي‭ ‬يلبّي‭ ‬والتركي‭ ‬يلبّي‭ ‬والإفريقي‭ ‬يلبّي،‭ ‬وكلهم‭ ‬يقولون‭ ‬الكلمة‭ ‬ذاتها‭. ‬وتفهم‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬أن‭ ‬كلمةً‭ ‬واحدة‭ ‬تجمع‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تجمعه‭ ‬لغات‭ ‬العالم‭.‬

وتلك‭ ‬الكلمة‭ ‬تحملك‭ ‬حتى‭ ‬عرفة‭. ‬في‭ ‬عرفة‭ ‬الكل‭ ‬سواء،‭ ‬واقفون‭ ‬على‭ ‬أرضٍ‭ ‬واحدة‭ ‬تحت‭ ‬سماءٍ‭ ‬واحدة،‭ ‬وأكفٌّ‭ ‬مرفوعة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬التفاضل‭. ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬رفع‭ ‬الكفين‭ ‬وسط‭ ‬تلك‭ ‬الملايين،‭ ‬تعرف‭ ‬أنك‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬تبحث‭ ‬عنه‭.‬

وتنتهي‭ ‬وقفتك‭ ‬وتتجه‭ ‬نحو‭ ‬منى‭. ‬الحجر‭ ‬الصغير‭ ‬الذي‭ ‬تحمله‭ ‬في‭ ‬كفّك‭ ‬أثقل‭ ‬مما‭ ‬تتخيل‭. ‬ترميه‭ ‬فيطير‭ ‬معه‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬نفسك‭. ‬

كل‭ ‬حجرة‭ ‬تطير‭ ‬من‭ ‬يدك‭ ‬تحمل‭ ‬معها‭ ‬خطأً‭ ‬أثقلك،‭ ‬وكلمةً‭ ‬ندمت‭ ‬عليها،‭ ‬ولحظةً‭ ‬أردت‭ ‬لو‭ ‬أنك‭ ‬عشتها‭ ‬بشكل‭ ‬مختلف‭. ‬الجمرات‭ ‬مواجهة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تعرفه‭ ‬عن‭ ‬نفسك‭ ‬وتخجل‭ ‬منه‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬تنتهي،‭ ‬تشعر‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬حملك‭ ‬بقي‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬التراب‭.‬

وبعد‭ ‬الرمي‭ ‬تجلس،‭ ‬والمقص‭ ‬يأخذ‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭. ‬جلستُ‭ ‬هناك‭ ‬مرةً‭ ‬وأنا‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬سيسقط‭ ‬معه‭. ‬ظننتُ‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬شعراً‭ ‬يسقط،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كذلك‭. ‬كان‭ ‬شيئاً‭ ‬أصعب‭ ‬وصفاً،‭ ‬شيئاً‭ ‬حملتُه‭ ‬طويلاً‭ ‬ولم‭ ‬أعرف‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬فوق‭ ‬رأسي‭. ‬هو‭ ‬اختيار‭ ‬لا‭ ‬يشرحه‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬عاشه‭. ‬وتنظر‭ ‬إلى‭ ‬الوجوه‭ ‬بعد‭ ‬الحلق‭ ‬فتجد‭ ‬فيها‭ ‬شيئاً‭ ‬يشبه‭ ‬الخِفّة‭.‬

وتغادر،‭ ‬والخِفّة‭ ‬التي‭ ‬رأيتها‭ ‬في‭ ‬وجوه‭ ‬الآخرين‭ ‬باتت‭ ‬فيك‭ ‬أنت‭. ‬ودّعتُ‭ ‬مرةً‭ ‬وأدركتُ‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬جئتُ‭ ‬به‭ ‬كان‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬عدتُ‭ ‬به‭. ‬الحج‭ ‬يأخذ‭ ‬منك‭ ‬ويعطيك،‭ ‬وما‭ ‬يعطيك‭ ‬إياه‭ ‬أبقى‭ ‬مما‭ ‬أخذ‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا