مرَّت سنوات، وما زال ذلك المشهد يسكن الذاكرة. بحرٌ أبيض لا نهاية له، لا شيء يُفصح عن أحد، لا لقب يتقدّم صاحبه، ولا ثروةٌ تشقّ طريقها بين الأكتاف. ملايين البشر في ثوبٍ واحد، ونيّةٍ واحدة، ووجهةٍ واحدة. وقفتُ هناك وأدركتُ أن الحج ليس رحلةً إلى مكان، هو رحلةٌ إلى نفسك.
للإحرام لحظةٌ لا تنساها. ثوبٌ أبيض بلا خياطة، لا جيب ولا طيّة تخفي شيئاً. وفي تلك اللحظة يعتريك شعورٌ أشبه بالتأهب، كأنك على عتبة شيء كبير يستوجب منك كل انتباهك وكل صدقك. البياض هنا ليس لوناً، هو حالة. حالة من يقرر أن يقف أمام الله بكل ما هو، مجرداً من كل ما اعتقد يوماً أنه يعرفه.
ومن تلك الحالة تمشي نحو البيت.
ملايين الأجساد تدور في اتجاهٍ واحد، كأن شيئاً أكبر من الإرادة يسحبها. الدوران سنة الوجود كله، النجوم تدور والأرض تدور، والإنسان هنا يدور حول بيت الله. وما إن تكون جزءاً من هذه الدوامة تنسى اسمك.
الإنسان وهو يذوب بين الملايين لا يضيع، يجد راحةً لم يعرفها من قبل. طوال حياته يحمل هويته كدرع، اسمه ومنصبه وما يملك، ويظن أن هذا الدرع هو هو.
وهنا، في هذا الحشد الهائل، يتخلى عنه دون أن يطلب منه أحد. وفي تلك اللحظة يكتشف أن ما كان يظن أنه يحميه كان يثقله، وأن الإنسان في أعمق حالاته يكون أكثر اكتمالاً حين يتخفف من كل ذلك.
ثم تتوقف، وقدماك تعرفان طريق الصفا. هناك بدأت قصة هاجر عليها السلام. امرأةٌ وحيدة في صحراء لا نهاية لها، وبين ذراعيها طفلٌ يتلوى من العطش. هرولتها بين الصفا والمروة سبع مرات وعيناها تبحثان في الأفق عن أي علامة حياة. كانت تلك الهرولة صلاةً لم تحتج كلاماً. وعندما أجابها، جاء الجواب من تحت قدمي طفلها الصغير، فجّر الله زمزم من الأرض التي وطئها إيمانها. والأعظم في هذه القصة أن الله اختار امرأة لتكون قلب هذا الطقس وروحه، امرأة تُخلَّد خطواتها في ركنٍ من أركان الإسلام إلى يوم القيامة.
واليوم، وأنت تسعى في نفس المسافة وتشرب من نفس الماء، أنت تمشي في أثر امرأة حوَّلت العطش إلى نبع.
الحج تجربة غريبة في علاقتها بالزمن. أنت تعيش في 2026 لكن خطواتك تمشي فوق خطوات إبراهيم وهاجر عليهما السلام وملايين حجوا قبلك عبر القرون.
الزمن هنا لا يسير في خط، يتراكم. الماضي والحاضر يقفان معاً على نفس الأرض، وأنت في المنتصف جزء من كل هذا. ومن هذا العمق تخرج التلبية.
وفي المشي إلى منى تسمع التلبية تملأ الهواء.
لبّيك اللهم لبّيك، تخرج من ملايين الأفواه بلغات مختلفة ولحنٍ واحد. العربي يلبّي والتركي يلبّي والإفريقي يلبّي، وكلهم يقولون الكلمة ذاتها. وتفهم لأول مرة أن كلمةً واحدة تجمع ما لا تجمعه لغات العالم.
وتلك الكلمة تحملك حتى عرفة. في عرفة الكل سواء، واقفون على أرضٍ واحدة تحت سماءٍ واحدة، وأكفٌّ مرفوعة لا تعرف التفاضل. وفي لحظة رفع الكفين وسط تلك الملايين، تعرف أنك في المكان الذي كنت تبحث عنه.
وتنتهي وقفتك وتتجه نحو منى. الحجر الصغير الذي تحمله في كفّك أثقل مما تتخيل. ترميه فيطير معه شيء من نفسك.
كل حجرة تطير من يدك تحمل معها خطأً أثقلك، وكلمةً ندمت عليها، ولحظةً أردت لو أنك عشتها بشكل مختلف. الجمرات مواجهة مع كل ما تعرفه عن نفسك وتخجل منه. وما إن تنتهي، تشعر أن جزءاً من حملك بقي هناك في التراب.
وبعد الرمي تجلس، والمقص يأخذ ما تبقى. جلستُ هناك مرةً وأنا لا أعرف ما الذي سيسقط معه. ظننتُ أن الأمر لا يتجاوز شعراً يسقط، لكنه لم يكن كذلك. كان شيئاً أصعب وصفاً، شيئاً حملتُه طويلاً ولم أعرف أنه كان فوق رأسي. هو اختيار لا يشرحه إلا من عاشه. وتنظر إلى الوجوه بعد الحلق فتجد فيها شيئاً يشبه الخِفّة.
وتغادر، والخِفّة التي رأيتها في وجوه الآخرين باتت فيك أنت. ودّعتُ مرةً وأدركتُ أن ما جئتُ به كان غير ما عدتُ به. الحج يأخذ منك ويعطيك، وما يعطيك إياه أبقى مما أخذ.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك