العدد : ١٧٥٩٤ - الاثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٤ - الاثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

المجتمع الدولي بين عدالة القوة وقوة العدالة

بقلم: جمال محمد إبراهيم

الاثنين ٢٥ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

ليس‭ ‬عنوان‭ ‬المقال‭ ‬أمثولةً‭ ‬في‭ ‬اللغة،‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬نسج‭ ‬لأحجية‭ ‬أو‭ ‬تعمّدٌ‭ ‬لصياغة‭ ‬ملغَّزة‭. ‬أقول‭ ‬إنّ‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬الماثلة‭ ‬والتي‭ ‬أبدعت‭ ‬ثورة‭ ‬الاتصالات‭ ‬والمعلوماتية‭ ‬في‭ ‬نقلها‭ ‬مباشرة،‭ ‬فيسمعها‭ ‬ويرى‭ ‬صورها‭ ‬أمام‭ ‬عينيه،‭ ‬ويسمع‭ ‬أصواتها‭ ‬بأذنيه،‭ ‬فتلك‭ ‬حالة‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬بل‭ ‬غير‭ ‬متخيَّلة‭.‬

لا‭ ‬أزمع‭ ‬أن‭ ‬أحدّثك‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية‭ ‬عبر‭ ‬مسيرات‭ ‬ومراحل‭ ‬تُحسب‭ ‬بالقرون،‭ ‬ولن‭ ‬أتعمّق‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬الحربَين‭ ‬العالميّتَين‭ ‬الأولى‭ (‬1914-‭ ‬1918‭) ‬والثانية‭ (‬1939-‭ ‬1945‭)‬،‭ ‬آملاً‭ ‬تبيان‭ ‬ما‭ ‬وددتُ‭ ‬طرحه‭ ‬هنا‭.‬

حال‭ ‬الأمن‭ ‬والسِّلم‭ ‬الدوليين‭ ‬باتت‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬متّصل‭ ‬وفي‭ ‬تغييب‭ ‬متعمَّد‭. ‬ولعلّ‭ ‬الحقبة‭ ‬الطويلة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬طي‭ ‬صفحة‭ ‬الحرب‭ ‬الكونية‭ ‬الثانية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كلّها‭ ‬سلاماً‭ ‬وأمناً،‭ ‬برغم‭ ‬توافق‭ ‬كبار‭ ‬أقوياء‭ ‬العالم‭ ‬وضعافه‭ ‬معهم‭ ‬على‭ ‬وثيقة‭ ‬دولية‭ ‬هي‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬قرّروا‭ ‬أنّها‭ ‬كافية‭ ‬لضمان‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليَّين‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬صادقاً‭ ‬من‭ ‬رأى‭ ‬الحقبة‭ ‬الطويلة‭ ‬الممتدَّة‭ ‬منذ‭ ‬1945‭ ‬وحتى‭ ‬نهايات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬حقبة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭. ‬أجل،‭ ‬هي‭ ‬حقبة‭ ‬حروب‭ ‬مؤجّلة‭ ‬وصراعات‭ ‬مستدامة‭.‬

خلال‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة،‭ ‬تداعت‭ ‬الشراكات‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬شعوب‭ ‬أقطار‭ ‬الأرض،‭ ‬وآلت‭ ‬أوضاعها‭ ‬إلى‭ ‬تفكّك،‭ ‬إذ‭ ‬إنّ‭ ‬المواثيق‭ ‬والاتفاقات‭ ‬التي‭ ‬أبرمها‭ ‬السياسيون،‭ ‬كبارهم‭ ‬وصغارهم،‭ ‬صارت‭ ‬حبراً‭ ‬على‭ ‬ورق‭ ‬أو‭ ‬تكاد‭. ‬فلنا‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭: ‬كيف‭ ‬أسفر‭ ‬سعي‭ ‬كبار‭ ‬القوى‭ ‬الكُبرى‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الكونية‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬عصبة‭ ‬الأمم،‭ ‬لتكون‭ ‬صِمَام‭ ‬أمان‭ ‬لحيواتهم‭ ‬وسلامة‭ ‬لمعايشهم،‭ ‬فلا‭ ‬تقع‭ ‬صراعات‭ ‬ولا‭ ‬حروب‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬التي‭ ‬وصفها‭ ‬المؤرّخون‭ ‬بأنّها‭ ‬حرب‭ ‬أولى؟‭ ‬

لقد‭ ‬تجاوز‭ ‬عدد‭ ‬ضحايا‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬20‭ ‬مليون‭ ‬قتيل‭ ‬من‭ ‬عسكريين‭ ‬ومدنيين‭. ‬وبرغم‭ ‬الخسارة‭ ‬البشرية‭ ‬والدمار‭ ‬الكبير،‭ ‬لم‭ ‬تفلح‭ ‬عصبة‭ ‬الأمم‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬والسلم‭ ‬ليسودا‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬المعمورة‭. ‬ثمّ‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬نشبت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬أشدّ‭ ‬دماراً‭ ‬وفتكاً‭ ‬بالبشر،‭ ‬وتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬ضحاياها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬80‭ ‬مليون‭ ‬نسمة،‭ ‬إذ‭ ‬صار‭ ‬التسلّح‭ ‬تنافساً‭ ‬مستعراً‭ ‬يغذّي‭ ‬السيطرة‭ ‬والنفوذ،‭ ‬وتسابقاً‭ ‬مشتدّاً‭ ‬لامتلاك‭ ‬موارد‭ ‬الطبيعة‭ ‬المهدَّدة‭ ‬بالنضوب‭.‬

شكّلت‭ ‬هاتان‭ ‬الحربان،‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية،‭ ‬قمَّة‭ ‬الحقبة‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬وما‭ ‬حملتاه‭ ‬من‭ ‬مظلوميات،‭ ‬أبطالها‭ ‬كبار‭ ‬استقووا‭ ‬في‭ ‬صراعات‭ ‬النفوذ،‭ ‬وضحاياها‭ ‬صغار‭ ‬استُضعفوا‭ ‬إلى‭ ‬أقاصى‭ ‬درجات‭ ‬الاستضعاف‭.‬

ومع‭ ‬أنّ‭ ‬الميثاق‭ ‬الذي‭ ‬أُبرم‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬بهدف‭ ‬حفظ‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭ ‬كان‭ ‬إنجازاً‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬تحقيق‭ ‬مجتمع‭ ‬دولي‭ ‬متماسك،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬ظهرت‭ ‬الحاجة‭ ‬القصوى‭ ‬إلى‭ ‬جهد‭ ‬سياسي‭ ‬وفكري‭ ‬أوسع‭ ‬وأعمق،‭ ‬لصياغة‭ ‬وثيقة‭ ‬ثانية‭ ‬تضمن‭ ‬تحقيق‭ ‬ظروف‭ ‬تحمي‭ ‬البشرية‭ ‬جمعاء‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬مظلوميات‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬سبّبت‭ ‬الحربَين‭ ‬العالميّتَين‭.‬

تولَّت‭ ‬السيدة‭ ‬إليانور‭ ‬روزفلت‭ (‬1884-‭ ‬1962‭)‬،‭ ‬زوجة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الراحل‭ ‬فرانكلين‭ ‬روزفلت،‭ ‬وبحكم‭ ‬شغلها‭ ‬منصب‭ ‬المندوب‭ ‬الدائم‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬رئاسة‭ ‬اللجنة‭ ‬التي‭ ‬أنجزت‭ ‬الشرعة‭ ‬العالمية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭. ‬عملت‭ ‬تلك‭ ‬اللجنة‭ ‬العليا،‭ ‬التي‭ ‬ضمّت‭ ‬سياسيين‭ ‬ومفكّرين‭ ‬ممثّلين‭ ‬لمختلف‭ ‬العقائد‭ ‬والمذاهب‭ ‬الفكرية،‭ ‬نحو‭ ‬عامَين،‭ ‬تدارسوا‭ ‬وتداولوا‭ ‬فكرياً‭ ‬بعمق،‭ ‬فأنجزت‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1948‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬باسم‭ ‬الإعلان‭ ‬العالمي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬الذي‭ ‬أجازته‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ذلك‭ ‬العام،‭ ‬وصدرت‭ ‬بموجبه‭ ‬ما‭ ‬تفرَّع‭ ‬منه‭ ‬من‭ ‬اتفاقات‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬ممّا‭ ‬تحقّق‭ ‬بموجب‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬نجاحات‭ ‬نسبية،‭ ‬دفعت‭ ‬الرُّوح‭ ‬التي‭ ‬صيغ‭ ‬بها‭ ‬الإعلان‭ ‬العالمي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬جهودَ‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬المبرم‭ ‬على‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاستعمار‭ ‬الكولونيالي،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬ستينيّات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬وبحصول‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬آسيا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬وبعض‭ ‬شعوب‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬استقلالها،‭ ‬صار‭ ‬لهذه‭ ‬الشعوب‭ ‬صوت‭ ‬مميّز‭. ‬ومن‭ ‬تجلّيات‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬ذلك‭ ‬الحوار‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬قاده‭ ‬الزعيم‭ ‬الألماني‭ ‬فيلي‭ ‬برانت‭: ‬حوار‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حواراً‭ ‬بين‭ ‬منطقتَين،‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬شعوب‭ ‬متفاوتة‭ ‬المقدرات،‭ ‬لتحقيق‭ ‬عدالة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬مطلوبة‭ ‬لتجاوز‭ ‬مظلوميات‭ ‬تاريخية‭ ‬مجحفة‭. ‬وشكّل‭ ‬الإعلان‭ ‬العالمي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬‮«‬قوة‭ ‬العدالة‮»‬‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬‮«‬عدالة‭ ‬القوة‮»‬‭ ‬والغطرسة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬مثّلتها‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاستعمار‭ ‬الكولونيالي‭.‬

المقرّرات‭ ‬الملزمة‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬ذلك‭ ‬الإعلان‭ ‬العالمي‭ ‬تحقّقت‭ ‬صياغتها‭ ‬بعد‭ ‬تداول‭ ‬فكري‭ ‬وسياسي‭ ‬معمَّق‭ ‬بين‭ ‬ممثّلين‭ ‬لمختلف‭ ‬العقائد‭ ‬والمذاهب‭ ‬الفكرية،‭ ‬بينهم‭ ‬فلاسفة‭ ‬ومفكّرون‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭. ‬ولعلَّ‭ ‬ذلك‭ ‬الجهد،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬سابقاً‭ ‬لميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬لكان‭ ‬حال‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬ومجلس‭ ‬الأمن‭ ‬غير‭ ‬الحال‭ ‬التي‭ ‬نراها‭ ‬عليهما‭ ‬الآن‭.‬

الصِّراعات‭ ‬والحروب‭ ‬التي‭ ‬نراها‭ ‬ناشبةً‭ ‬من‭ ‬حولنا،‭ ‬شرقاً‭ ‬وغرباً،‭ ‬شمالاً‭ ‬وجنوباً،‭ ‬يزيد‭ ‬أوارها‭ ‬ويحرّض‭ ‬عليها‭ ‬طامعون‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬ستار،‭ ‬وغطارسة‭ ‬لا‭ ‬يخفون‭ ‬نيّاتهم،‭ ‬ثمّ‭ ‬مغيَّبون‭ ‬يقاتلون‭ ‬بالوكالة‭ ‬عن‭ ‬كلّ‭ ‬هؤلاء‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬أولئك‭ ‬الغطارسة،‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬وفيهم‭ (‬ويا‭ ‬للأسف‭) ‬من‭ ‬يريد‭ ‬إرجاع‭ ‬الساعة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء،‭ ‬فتعود‭ ‬إلى‭ ‬القوّة‭ ‬الظالمة‭ ‬ما‭ ‬يحسبونه‭ ‬في‭ ‬شرعتهم‭ ‬عدالةً،‭ ‬وهي‭ ‬عدالة‭ ‬زائفة،‭ ‬تروّج‭ ‬إشاعة‭ ‬مظلوميّات‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وتسعى‭ ‬إلى‭ ‬إحياء‭ ‬استعمار‭ ‬كولونيالي‭ ‬شبع‭ ‬موتاً‭.‬

نحن‭ ‬على‭ ‬عتبات‭ ‬حقبة‭ ‬ديست‭ ‬فيها‭ ‬المبادئ‭ ‬والمواثيق‭ ‬التي‭ ‬رسّخت‭ ‬وجود‭ ‬ما‭ ‬ظلّ‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«المجتمع‭ ‬الدّولي‮»‬،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بأقدام‭ ‬متّسخة،‭ ‬بل‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والمسيّرات‭ ‬وبخوارزميات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

 

{‭ ‬دبلوماسي‭ ‬سوداني‭ ‬سابق‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا