ليس بالضرورة أن يكون احتلال إسرائيل للدول العربية ماديا كما حصل مع باقي أرض فلسطين والجولان السوري وسيناء المصرية بعد عدوان 1967، بل قد يكون الاحتلال بوسائل أخرى مختلفة، كما خططت بعد ذلك. تتقاطع استراتيجيات إسرائيل في التعامل مع ملفات إيران وغزة ولبنان في إطار متكامل، تستكمل فيها مخططاتها لتحقيق أهدافها بإحكام سيطرتها على فلسطين، وتحييد أي معارضة أو تمرد في المنطقة.
تتشابه استراتيجيات الولايات المتحدة وإسرائيل في التعامل مع الجبهات المشتعلة، لتحقيق هدف واحد، وهو القضاء على أي معارضة سياسية متبقية لإسرائيل في المنطقة، وأي قوة مادية، يمكن أن تواجهها مستقبلاً. فبينما تعقد هدنة مع إيران، تواصل الضغط الاقتصادي والسياسي، وتسعى إلى تحصيل تقدم في المفاوضات لصالحها تحت الضغط. وفي حين توصلت إلى وقف إطلاق نار في غزة، يستمر الاستهداف والقتل والحصار للغزيين من قبل الاحتلال، ويتواصل الضغط على «حماس» في المفاوضات لنزع سلاحها بالكامل. وعلى الرغم أيضاً من الاتفاق الإسرائيلي اللبناني على وقف لإطلاق النار، بقي ذلك اسمياً، تماماً كما يحصل في غزة، فيواصل جيش الاحتلال استهداف المدنيين والقرى والمدن في الجنوب اللبناني، ويستخدم المفاوضات مع الحكومة اللبنانية للممارسة الضغوط من أجل نزع أي سلاح مقاوم في الجنوب اللبناني.
لا تعد أهداف إسرائيل في المنطقة جديدة، وإن تغيرت الاستراتيجيات لتحقيقها، وفقاً للظروف والتطورات الميدانية. فعندما احتلت إسرائيل باقي الأراضي الفلسطينية في عام 1967، وباشرت بوضع الخطط لإحكام السيطرة على أرض الفلسطينيين، وإخضاعهم، عملت بالتزامن، للقضاء على قوة ومقاومة الفلسطينيين لأهدافها، واحتواء المعارضة والرفض العربي لاحتلالها وسيطرتها على فلسطين.
حاولت إسرائيل نزع صفة السيادة عن الضفة الغربية وقطاع غزة، بحجة خضوع المنطقتين لسلطة أردنية ومصرية، غير فلسطينية، وأن حدود عام 1949، ليست إلا خطوط هدنة، وليست حدودا نهائية، ولم تعترف باحتلالها لفلسطين.
وفي ظل حالة من الاحتلال العسكري المقر به قانونياً ودولياً لتلك المناطق، والسيطرة الكاملة على السكان والأرض، قامت عملياً بوضع مخططات متكاملة لتوسع استيطاني يؤدي إلى تبدل جغرافي، ونقل المستوطنين اليهود للمستوطنات، لخلق حالة من التبديل الديمغرافي. وعرضت في مفاوضات كامب ديفيد الأولى في عام 1978، وضع ترتيب لحكم ذاتي فلسطيني محدود، دون سيادة، وذلك بإقامة سلطة حكم ذاتي منتخبة في الضفة وغزة ضمن مرحلة انتقالية. وتكشف تلك المعطيات السابقة، رؤية وأهداف ومخططات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، وجسدت أفعالها وإستراتيجياتها وسياساتها ذلك.
لم يخرج اتفاق أوسلو في عام 1993 عن تلك الرؤية، والذي جاء بسلطة فلسطينية انتقالية تدير شؤون الضفة وغزة، مع تأجيل جميع قضايا الحل النهائي، ومن دون تراجع عن سياسة الاحتلال بتغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي. ولم يبتعد انسحاب إسرائيل من غزة وبعض المناطق في شمال الضفة في عام 2005 عن تلك المقاربة، حيث اعتبرت الحكومة الإسرائيلية أنه جاء لـ«تقليل الاحتكاك مع السكان الفلسطينيين».
في مفاوضات كامب ديفيد الثانية عام 1999 - 2000، والتي جاءت كاستحقاق وفق اتفاق أوسلو، للبت في قضايا الحل النهائي، أكد صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، أن ما عرض إسرائيلياً لم يلبِ الحد الأدنى لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
ومنذ عام 2000 بدأت إسرائيل بوضع شروط تعجيزية للفلسطينيين لقبولها بمواصلة التفاوض معهم، على رأسها الاعتراف بالدولة اليهودية. وبعد الانتفاضة الثانية، جاءت تحفظات إسرائيل الأربعة عشر على خارطة الطريق عام 2003 لتعيد تثبيت السيطرة الأمنية، ورؤية لدولة فلسطينية مؤقتة منزوعة السلاح بسيادة محدودة، مع سيطرة إسرائيلية كاملة على الحدود، والمعابر، والمجال الجوي، والبحري.
وبعد الانقسام الفلسطيني عام 2007، استخدمته إسرائيل للتشكيك بالتمثيل الفلسطيني، وتقويض رؤية التفاوض بمجملها، لترسيخ الواقع الانتقالي الفلسطيني وتحويله لوضع دائم. وهي حالة تسعى بتصميم للاحتفاظ بها، حتى بعد حربها الأخيرة وتدميرها لقطاع غزة، وذلك بمحاولة تعيين حكومة فلسطينية، لا تنتمي للسلطة الفلسطينية.
بالتزامن، هدفت إسرائيل إلى إخراج الدول المحيطة بفلسطين من الارتباط بالقضية الفلسطينية، وحولت التعامل مع تلك الدول إلى ملفات منفصلة. اختارت إسرائيل شن حرب على لبنان في عام 1982 بهدف القضاء على الهجمات الفلسطينية والوجود المسلح الفلسطيني على حدودها الجنوبية، واحتفظت بعد انسحابها بالسيطرة على شريط أمني حدودي من داخل لبنان.
ومن جهة أخرى، ثبتت حالة من الهدوء لعقود على الجبهة السورية منذ عام 1974، من خلال اتفاق فصل القوات وفرض مناطق عازلة بمراقبة أممية، رغم احتلالها لمرتفعات الجولان منذ عام 1967، وضمها بعد ذلك.
في الوقت الراهن بالنسبة إلى إيران، لا تسعى إسرائيل فقط إلى تدمير القدرات النووية الإيرانية، بل إلى إبقاء طهران تحت ضغط عسكري واقتصادي وسياسي طويل،. وتنظر إسرائيل لإيران باعتبارها مركز إنتاج التهديد.، الذي يمثله البرنامج النووي الإيراني، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وقدرة إيران على الهجوم عبر وكلائها.
وفي غزة، تحول إسرائيل استراتيجيتها من الاحتواء والردع إلى إعادة هندسة القطاع. فمن خلال إبقاء وقف إطلاق نار غير مفعل، لا يصل إلى استئناف الحرب الشاملة، تحافظ على حالة من حصار، وإضعاف بنية «حماس» الأمنية والإدارية، وتأخير الإعمار، وتربط مستقبل القطاع بترتيبات وإدارة مفروضة، تحت رقابة أمنية إسرائيلية.
وقد صرّح نتنياهو بأن إسرائيل ستحتفظ بـ«المسؤولية الأمنية العامة» في غزة «فترة غير محددة»، وارتبطت خطته لـ«اليوم التالي» بإقامة إدارة محلية لا ترتبط بالسلطة الفلسطينية أو بـ«حماس»، ما يفسر بإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية للقطاع، لا يسمح بعودة مسلحة لحركة حماس، أو أي جهة أخرى، وتبعية أمنية كاملة للقطاع.
وفي لبنان، تواصل إسرائيل استهداف «حزب الله» وتسلك بالتوازي مسارا تفاوضيا يهدف إلى نزع سلاح الحزب، لترتيب العلاقة بعد ذلك مع لبنان. اعتبر نتنياهو أن إسرائيل لن تقبل بالعودة إلى واقع ما قبل الحرب، وأن المطلوب هو إبعاد «حزب الله» عن الحدود بصورة كاملة، ما يعني إنهاء الوجود العسكري للحزب جنوب نهر الليطاني.
وكانت إسرائيل قد فشلت بتحييد الجبهة اللبنانية، بعد القضاء على الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان عام 1982، بعد أن ظهر «حزب الله» مسلحاً في الجنوب،. لذلك لا تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية في لبنان مقتصرة على إضعاف «حزب الله» عسكريا وضمان جنوب منزوع السلاح، بل تتجه نحو جعل الدولة أكثر قابلية للاندماج في ترتيبات إقليمية أوسع، وهما عنصران متكاملان، من وجهة النظر الإسرائيلية.
في سورية، لم تتعامل إسرائيل معها، بعد سقوط نظام الأسد، كعدو تقليدي فقط، بل كساحة فراغ استراتيجي، تفرض منع إعادة تشكلها كجبهة شمالية تمتلك قدرات عسكرية رادعة. فقد قامت بتدمير القدرات العسكرية الهجومية والدفاعية النظامية للجيش السوري الذي كان قائما في ظل حكم الأسد، وأقامت مواقع لها في العمق السوري، وخلقت مناطق عازلة دون تحديد مدة وحدود ذلك الوجود. وفسر نتنياهو ذلك بأن سياسته تقوم على نزع السلاح في المنطقة الممتدة جنوب دمشق، من الجولان إلى جبل الدروز، ولن يسمح بوجود قوات تابعة للحكومة السورية الجديدة أو جهة مسلحة أخرى.
ورغم ذلك، تتحول سورية في الوقت الراهن إلى ساحة تنافس إسرائيلي – تركي غير مباشر، في ظل تناقض المصالح بينهما. تريد تركيا حكومة سورية مركزية قادرة على ضبط الأكراد وإعادة اللاجئين وتقليص الفوضى، بينما تتطلع إسرائيل إلى حكومة ضعيفة تضمن لها بقاء الجنوب السوري منزوع السلاح، وقدرة للتدخل عند الحاجة.
تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية كاستمرار معدل لاستراتيجية ما بعد عام 1967، تقوم على تفكيك الجبهات، ومنع ترابطها، وتحويل كل محور إلى ملف منفصل يمكن استنزافه أو احتواؤه أو إخضاعه، لتحقيق الهدف الرئيس بفصل الملف الفلسطيني عن سياقه العربي والإقليمي، وتحييد الجبهات الأخرى، والبقاء كقطب المنطقة الأقوى.
لقد أثبتت التجربة التاريخية وعبر عقود عديدة، أن إسرائيل تشكل مصدر اضطراب لدول وشعوب المنطقة. وقد يكون وضوح تلك الأهداف الإسرائيلية، اليوم، محفزاً للعمل على ردعها وإحباطها، خصوصاً في إطار تعاون إقليمي متكامل يحقق المصالح، والأمن، والاستقرار.
{ باحثة فلسطينية في العلاقات الدولية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك