العدد : ١٧٥٩٦ - الأربعاء ٢٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٦ - الأربعاء ٢٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أين العرب من الحوار بين الولايات المتحدة والصين؟

بقلم: د. رمزي بارود

الأربعاء ٢٧ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

ستُسجّل‭ ‬الزيارة‭ ‬الرسمية‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬لجمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬كلحظة‭ ‬اعتراف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أخيراً‭ ‬بصعود‭ ‬بكين‭ ‬كقوة‭ ‬عظمى‭ ‬عالمية‭.‬

وفي‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬هذا‭ ‬الاعتراف‭ ‬إلى‭ ‬إصدار‭ ‬بيان‭ ‬رسمي،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬استنتاجه‭ ‬بوضوح‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السلوك‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬والتصور‭ ‬العالمي،‭ ‬وتغير‭ ‬التغطية‭ ‬الإعلامية‭.‬

وخلال‭ ‬القمة،‭ ‬لم‭ ‬ينخرط‭ ‬الوفد‭ ‬الأمريكي‭ ‬بقيادة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ -‬الذي‭ ‬ضمّ‭ ‬قادة‭ ‬بارزين‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬الأمريكية‭- ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬شي‭ ‬جين‭ ‬بينغ‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬فرض‭ ‬إملاء‭ ‬عالمي‭ ‬مطلق،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منظور‭ ‬براغماتي‭ ‬دفاعي،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬النهج‭ ‬العملي‭ ‬لضمان‭ ‬التزامات‭ ‬تجارية‭ ‬ثنائية‭ ‬وتجنّب‭ ‬أي‭ ‬احتكاكات‭ ‬أو‭ ‬مشاحنات‭ ‬اقتصادية‭ ‬كارثية‭.‬

إن‭ ‬مشهد‭ ‬زعيم‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭ ‬وهو‭ ‬يتكيف‭ ‬مع‭ ‬شروط‭ ‬بكين،‭ ‬بينما‭ ‬يدير‭ ‬بنشاط‭ ‬المخاوف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الداخلية،‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬عميق‭. ‬فقد‭ ‬تحول‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬التقليدي‭ ‬كقوة‭ ‬مهيمنة‭ ‬عالمية‭ ‬لا‭ ‬جدال‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬موقف‭ ‬قوة‭ ‬عظمى‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬متساوية،‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تكريس‭ ‬شروط‭ ‬تعايش‭ ‬مستقرة‭ ‬مع‭ ‬منافس‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله‭.‬

لا‭ ‬يُضاهي‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬إلا‭ ‬تلك‭ ‬الزيارة‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ريتشارد‭ ‬نيكسون‭ ‬لبكين‭ ‬عام‭ ‬1972،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬الظروف‭ ‬تماماً‭. ‬ففي‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬كان‭ ‬هدف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬استغلال‭ ‬الانقسام‭ ‬الصيني‭ ‬السوفيتي‭ ‬وكسب‭ ‬النفوذ‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬مقابل‭ ‬تطبيع‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬1972،‭ ‬كانت‭ ‬الصين‭ ‬مجتمعًا‭ ‬زراعيًا‭ ‬معزولًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬يتعافى‭ ‬من‭ ‬اضطرابات‭ ‬داخلية‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فالصين‭ ‬عملاق‭ ‬مالي‭ ‬يتباهى‭ ‬بأكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تعادل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية،‭ ‬ومركزًا‭ ‬حيويًا‭ ‬لسلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬العالمية،‭ ‬ودولة‭ ‬رائدة‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬الجيل‭ ‬القادم‭ ‬مثل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

أما‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العسكرية،‭ ‬فقد‭ ‬تحوّل‭ ‬جيش‭ ‬التحرير‭ ‬الشعبي‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬بحرية‭ ‬جبارة‭ ‬وقوة‭ ‬تكنولوجية‭ ‬متطورة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬غرب‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭.‬

وبطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬فإن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والعسكري‭ ‬الهائل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يترجم‭ ‬إلى‭ ‬نفوذ‭ ‬عالمي‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬له،‭ ‬ما‭ ‬يغير‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬اللاتينية‭.‬

ومع‭ ‬وضع‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الاعتبار،‭ ‬بدت‭ ‬زيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬للصين‭ ‬وكأنها‭ ‬تتعلق‭ ‬أكثر‭ ‬بإمبراطورية‭ ‬متراجعة‭ ‬تحاول‭ ‬إدارة‭ ‬انكماشها‭ ‬الخاص،‭ ‬وهي‭ ‬خطوة‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تنازلات‭ ‬مهمة‭.‬

لا‭ ‬يظهر‭ ‬تراجع‭ ‬مكانة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬فقد‭ ‬أدت‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الحملات‭ ‬العسكرية‭ ‬والحروب‭ ‬الكارثية،‭ ‬والعزلة‭ ‬السياسية،‭ ‬وتفكك‭ ‬التحالفات‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬مصداقية‭ ‬واشنطن‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كضامن‭ ‬أمني‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه،‭ ‬بل‭ ‬تتطلع‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مستقبل‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭.‬

تُعد‭ ‬الصين‭ ‬بالفعل‭ ‬أكبر‭ ‬شريك‭ ‬تجاري‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬حيث‭ ‬تتراوح‭ ‬مصالحها‭ ‬من‭ ‬واردات‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬الضخمة‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الشاملة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق،‭ ‬وشبكات‭ ‬الاتصالات‭ ‬المتطورة،‭ ‬وشبكات‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬التي‭ ‬تبلغ‭ ‬قيمتها‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭.‬

يختلف‭ ‬نهج‭ ‬بكين‭ ‬تجاه‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬اختلافاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬عن‭ ‬نهج‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬فقد‭ ‬ورثت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الإرث‭ ‬الاستعماري‭ ‬لبريطانيا‭ ‬وفرنسا‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬ترفض‭ ‬اعتبار‭ ‬نفسها‭ ‬قوة‭ ‬استعمارية،‭ ‬فإنها‭ ‬تتصرف‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس؛‭ ‬إذ‭ ‬تستخدم‭ ‬قوتها‭ ‬العسكرية‭ ‬لتحقيق‭ ‬الهيمنة‭ ‬السياسية‭ ‬والامتيازات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

أما‭ ‬الصين‭ ‬فهي‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬نهجها‭ ‬وسياساتها؛‭ ‬فهي‭ ‬قوة‭ ‬متحررة‭ ‬من‭ ‬أعباء‭ ‬الماضي‭ ‬الاستعماري‭ ‬الإقليمي‭ -‬ولديها‭ ‬ذاكرة‭ ‬تاريخية‭ ‬كناجية‭ ‬من‭ ‬الإمبريالية‭ ‬الغربية‭ ‬نفسها‭- ‬ويعتمد‭ ‬توسع‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬بديل‭: ‬التكامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ ‬والروابط‭ ‬التجارية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬قد‭ ‬يتغير‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تغيرت‭ ‬الظروف‭. ‬فإذا‭ ‬وجدت‭ ‬بكين‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالحها‭ ‬الضخمة‭ ‬وخطوط‭ ‬الطاقة‭ ‬التابعة‭ ‬لها،‭ ‬فقد‭ ‬تتبنى‭ ‬موقفاً‭ ‬أكثر‭ ‬حزماً،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬الحالية‭ ‬الحازمة‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الصين‭ ‬الجنوبي‭.‬

يتضاءل‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬وتُعدّ‭ ‬استراتيجية‭ ‬الدفاع‭ ‬الوطني‭ ‬الأمريكية‭ ‬الأخيرة،‭ ‬التي‭ ‬نُشرت‭ ‬مطلع‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭. ‬وتُرسّخ‭ ‬هذه‭ ‬الوثيقة‭ ‬صراحةً‭ ‬أولويات‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬الأولوية‭ ‬للوطن‮»‬‭ ‬واحتواء‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ‭.‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬الاستناد‭ ‬رسمياً‭ ‬إلى‭ ‬مبدأ‭ ‬مونرو‭ ‬للتركيز‭ ‬على‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي‭ ‬وتأكيد‭ ‬الدعم‭ ‬المشروط‭ ‬للحلفاء،‭ ‬تكشف‭ ‬أوراق‭ ‬السياسة‭ ‬الخاصة‭ ‬بواشنطن‭ ‬عن‭ ‬تراجع‭ ‬استراتيجي‭ ‬واعتراف‭ ‬بالتوسع‭ ‬المفرط‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬التصعيدات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المدمرة‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬عودة‭ ‬أمريكية‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بل‭ ‬كمحاولة‭ ‬يائسة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬مكانتها‭. ‬وهذا‭ ‬يذكرنا‭ ‬بالعدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬الذي‭ ‬شنته‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وإسرائيل‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬عام‭ ‬1956‭.‬

وكما‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الحملة‭ ‬المشؤومة‭ ‬محاولة‭ ‬يائسة‭ ‬وعنيفة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬الأوروبية‭ ‬المحتضرة‭ ‬لإثبات‭ ‬أهمية‭ ‬الغرب‭ ‬بعد‭ ‬الخسائر‭ ‬الفادحة‭ ‬التي‭ ‬خلفتها‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬فإن‭ ‬التحركات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الحالية‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬إرهاصات‭ ‬لهيمنة‭ ‬تتلاشى‭.‬

وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬أجندة‭ ‬الصين‭ ‬العالمية‭ ‬للتوسع‭ ‬والاندماج،‭ ‬فمن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬بكين‭ ‬نفسها‭ ‬اللاعب‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬منطقتنا،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬يمكن‭ ‬تشكيله‭ ‬ليعني‭ ‬الشراكة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭.‬

وقد‭ ‬حذر‭ ‬الفيلسوف‭ ‬اليوناني‭ ‬أرسطو‭ ‬من‭ ‬‮«‬رعب‭ ‬الفراغ‮»‬،‭ ‬مقترحاً‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬مساحة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تُملأ‭ ‬بشيء‭ ‬ما‭. ‬وبالمثل،‭ ‬إذا‭ ‬انسحبت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أو‭ ‬استمر‭ ‬وجودها‭ ‬فيه‭ ‬بالتضاؤل،‭ ‬فلن‭ ‬تبقى‭ ‬تلك‭ ‬المساحة‭ ‬السياسية‭ ‬فارغة‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬يحمل‭ ‬المستقبل‭ ‬تحدياً‭ ‬وفرصة‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭. ‬فخروج‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬سيخلق‭ ‬هوامش‭ ‬سياسية‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬استغلالها‭ ‬وملؤها‭ ‬وفقاً‭ ‬لشروطها‭ ‬الخاصة‭. ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك،‭ ‬فسيفعلها‭ ‬غيرها‭.‬

تُدرك‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬شأنها‭ ‬شأن‭ ‬غيرها‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬العالمي،‭ ‬تماماً‭ ‬خطر‭ ‬الضعف‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التغيرات‭ ‬العالمية‭ ‬الجذرية‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬في‭ ‬سعيها‭ ‬المحموم‭ ‬نحو‭ ‬النفوذ‭. ‬

كما‭ ‬تُدرك‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬سلوك‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ -‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬إسرائيل‭ ‬مع‭ ‬تقاعسها‭ ‬عن‭ ‬فرض‭ ‬نتائج‭ ‬إقليمية‭- ‬لا‭ ‬يُسهم‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬تفاقم‭ ‬يأس‭ ‬واشنطن‭ ‬الاستراتيجي‭.‬

قد‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬اليأس‭ ‬إلى‭ ‬انسحاب‭ ‬أمريكي‭ ‬مفاجئ‭ ‬وفوضوي،‭ ‬تاركًا‭ ‬إسرائيل‭ ‬العدوانية‭ ‬تتوسع‭ ‬كقوة‭ ‬مهيمنة‭ ‬محليًا،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬يدفعها‭ ‬إلى‭ ‬شنّ‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الحملات‭ ‬العسكرية‭ ‬غير‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ذات‭ ‬العواقب‭ ‬الوخيمة‭.‬

ومن‭ ‬شأن‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬دول‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬رهينة‭ ‬لسياسة‭ ‬خارجية‭ ‬أمريكية‭ ‬متقلبة،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬إسرائيل‭ ‬التوسعية‭ ‬فرصًا‭ ‬لإطلاق‭ ‬العنان‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭.‬

لذا،‭ ‬تتطلب‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬وضوحاً‭ ‬ووحدةً‭ ‬سياسيين‭ ‬عربيين‭ ‬تامّين،‭ ‬مع‭ ‬تأكيد‭ ‬السيادة‭ ‬الحقيقية‭ ‬وحرية‭ ‬التصرف‭ ‬وفقاً‭ ‬لمصالح‭ ‬الشعب‭. ‬وينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُعطي‭ ‬هذه‭ ‬الأجندة‭ ‬الجديدة‭ ‬الأولوية‭ ‬للتنمية‭ ‬البشرية‭ ‬والازدهار‭ ‬الاقتصادي‭.‬

يجب‭ ‬على‭ ‬التوجهات‭ ‬السياسية‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬تستغل‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬عمليات‭ ‬الاندماج‭ ‬المستقبلية‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬العالمية،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الصين،‭ ‬لضمان‭ ‬إنهاء‭ ‬دوامة‭ ‬العنف‭ ‬التي‭ ‬دامت‭ ‬قرنًا‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬والتي‭ ‬ألحقها‭ ‬الاستعمار‭ ‬الغربي‭ ‬بالمنطقة‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭.‬

 

{‭ ‬أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا