رغم التصويت بالإجماع، من دون أي صوت معارض، في الكنيست الإسرائيلي، على حل الكنيست الخامس والعشرين الحالي، فإن «تبكير» موعد الانتخابات العامة الإسرائيلية، ليس مؤكدا، تماما، ورغم إقرار مشروع «الحل» بالقراءة التمهيدية الأولى، فإن ما يبقي على الشك، هو أن مشروع قرار الحل حتى يمضي قدما، يحتاج كما هو حال معظم القرارات البرلمانية الإسرائيلية إلى قراءات ثلاث، وفضلا عن أن ذلك الإجراء يحتاج إلى عدة أسابيع، يمكن أن يتوقف مشروع القرار عند عتبة أي قراءة منها، ولأي سبب، فإن الأهم يبقى هو عدم تحديد موعد الانتخابات المبكرة، في القراءة التمهيدية، بما يعني أن «خيوط» لعبة الحل من عدمه، مازال يقبض عليها رئيس الحكومة المخادع بنيامين نتنياهو.
وفي كل الأحوال، فإن الحديث عن موعد إجراء الانتخابات المبكرة لا يتجاوز احد موعدين، أحدهما أول أو منتصف شهر سبتمبر القادم، والثاني في شهر اكتوبر الذي يليه، في مطلعه على الأرجح، وهذا يقترب عمليا من الموعد الطبيعي لإجراء انتخابات الكنيست السادس والعشرين، وهو يوم السابع والعشرين من اكتوبر القادم، أي أن الحديث عن تبكير موعد الانتخابات بالمجمل لا يتعدى تقديم موعدها بضعة أسابيع، لا تتجاوز الستة أسابيع، أما لماذا هناك شك يحوم حول هذا الأمر، رغم أن تصويت الكنيست على مشروع قرار الحل، كان بأغلبية -110 نواب من أصل 120- من دون أي معارضة، فالجواب له علاقة بالائتلاف الحاكم، وبرئيسه نتنياهو من جهة، ومن جهة أخرى باستطلاعات الرأي، والتقديرات التي تكاد تكون واضحة جدا، إن لم تكن تؤكد عدم قدرة نتنياهو هذه المرة على الاحتفاظ بمقعد رئيس الحكومة، وبما يعني خروجه -بحكم تقدمه في السن، ولأسباب أخرى- من مسرح السياسة الإسرائيلية، الذي تربع على عرشه، نحو ثلاثة عقود، محققا أطول فترة لرئيس حكومة في المنصب، متجاوزا ديفيد بن جوريون، ومناحيم بيجين.
والحقيقة، أنه رغم أن الائتلاف الحالي، فاز بالأغلبية في الانتخابات السابقة التي جرت في الأول من نوفمبر 2022، فإنه واجه أصعب احتجاجات شعبية في تاريخ الحكومات الإسرائيلية، التي تواصلت منذ شكّل حكومته في نهاية ذلك العام، على خلفية الحرب التي شنتها مباشرة الحكومة المتطرفة على مؤسسات الدولة، في مقدمتها القضاء، بحيث أمضت عامها الأول في مواجهة تلك الاحتجاجات، التي كان يمكن أن تودي بها مبكرا، لأن التطرف الحاد الذي اتسمت به الحكومة منذ تشكلت، اصطدم مع مؤسسات الدولة، بما فيها مؤسسة الجيش والمؤسسات الأمنية، وكان الاصطدام الأهم مع القضاء، حيث حاولت حكومة نتنياهو – سموتريتش – بن غفير أن تطيح بالقضاء، حتى يتمكن التطرف من القبض على مؤسسات الدولة، عقودا قادمة، يسير بها على طريق خارجي توسعي فاشي، سرعان ما اتضح، بعد السابع من أكتوبر.
وكأن عملية «حماس» جاءت كقشة لتنقذ عرش نتنياهو، فهي أغلقت أبواب الصراع الداخلي بين أحزاب اليمين الثلاثة التي تشكل الحكومة ومؤسسات الدولة، وإن كانت فتحت أبواب خلافات أخرى، كانت حول تكتيك الحرب، بسبب وجود «مختطفين إسرائيليين» كان الاستمرار في الحرب يهدد حياتهم، ولقد راهن نتنياهو على الاستمرار في الحرب، رغم الاحتجاجات الداخلية، ورغم الرفض الدولي المتصاعد، الذي وصل إلى إدانته شخصيا، بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، لأنه وجد في الحرب ملاذا آمنا لائتلافه، ولمنصبه، لكن مع تحول الحرب إلى حرب استنزاف، وبعد أن اضطر إلى الذهاب بعيدا على خط التطرف اليميني، بإعلان هدف قيام إسرائيل الكبرى، والتماهي تماما مع سموتريتش وإتيمار بن غفير الفاشيين، ظهرت «مشاكل» أخرى، كان أهمها، حاجة الجيش إلى المزيد من الجنود، فتوجهت الأنظار إلى «الحريديم» شركاء نتنياهو في الائتلاف، الذين يعتبرون «مريحين» جدا له، لأنهم لا يتدخلون في «شؤون الحكم»، طالما قبضوا الثمن من الميزانية، ومن الامتيازات الخاصة بجمهورهم الانتخابي، ذلك أن حزبي «شاس» و«يهوديت هتوراة» يمكن وصفهما بالأحزاب القطاعية أو الفئوية، فجمهورها هو «الحريديم» فقط، لذلك هي «مستقرة» حتى في استطلاعات الرأي.
طوال ما يقارب ثلاثة أعوام، ظل نتنياهو يماطل، ويراوغ، فيما يخص مشروع قرار إعفاء الحريديم من التجنيد، لأنه كان بين «نارين»، بين الجيش الذي هو بأمس الحاجة إلى عشرات آلاف الشبان الحريديم في سن التجنيد، وخاصة بعد أن تحول إعفاؤهم في ظل الحرب إلى مادة تنديد بالحكومة من قبل المعارضة، وبين إصرار حزبي «شاس» و«التوراة اليهودية» على إقرار الإعفاء، قبل انتهاء فترة الكنيست الحالي، لأن فوز المعارضة الحالية في انتخابات الكنيست القادم يعني أنهم لن يتمكنوا من مواصلة توفير الحماية من التجنيد لجمهور ناخبيهم، بحجة التفرغ لدراسة التوراة، وكانت المحطة الأولى حتى نهاية مارس الماضي الموعد الأخير لإقرار الميزانية، لكن نتنياهو تجاوز المطب كعادته، وصار متهما من قبل الجمهور بتفضيل مصالحه الخاصة، وتقديم الهدايا لشركائه على حساب مصلحة الدولة.
المهم أن نتنياهو الذي مازال يسعى للبقاء في الحكم حتى اليوم الأخير، وقد ظهرت هذه الرغبة خلال هذه الحكومة الرقم 37، أكثر من أي حكومة سابقة، لسببين هما أن نتنياهو غير واثق هذه المرة من قدرته على الفوز، وباتت حالته أشبه بحالة إسرائيل، حين كان يقال عنها إن أي هزيمة لها في الحرب ستعني أنها ستكون الأولى والأخيرة، فهو إضافة إلى تقدمه في السن يواجه مشكلة قضائية داخلية، وقد حاول أن يحقق هدفين من خلال الحرب، الهدف الأول هو البقاء في الحكم والتهرب من القضاء، ونجح أكثر من مرة في تأجيل جلسات الاستجواب، بحجج لها علاقة بمهامه الرسمية، والهدف الأهم كان أن يحقق النصر، الذي يفتح له أبواب الفوز في الانتخابات، حيث كان حينها سيقوم بتبكير موعدها من دون أي تردد.
إن حرص نتنياهو هذا دفعه إلى التصويت مع مشروع القرار الذي تقدم به «الحريديم»، لأنه يحرص على عدم فرط عقد الائتلاف، والدخول في مسار موازٍ بحسب (يديعوت أحرونوت) للإجراءات البرلمانية لحل الكنيست وهي محاولة التوصل إلى اتفاق ما مع حزبي «الحريديم» حول مشروع قانون إعفاء طلاب المدارس الدينية من التجنيد. وعلى أي حال، فإن نتنياهو بات منذ زمن تحت ضغط عامل الوقت، أكثر من شريكه في الحرب، الرئيس الأمريكي، ورغم أن كليهما قد توهما بأن توفر لهما الحرب غطاء لتجاوز الاستحقاق الديمقراطي، نتنياهو من خلال تأخير موعد الانتخابات وليس تبكيره، وترامب بمداعبة فكرة «الولاية الثالثة» التي هي أقرب الى الخيال، إلا أن الذهاب في هذا الاتجاه خاسر تماما، لذلك نتنياهو يحتاج إلى ترامب لمواصلة الحرب على إيران، لأنه لم يتبقَ له سوى أن يحقق نصرا واضحا وصريحا وسريعا، يقلب به المزاج الانتخابي، لعل وعسى أن يخرج -على الأقل- خروجا آمنا من المسرح السياسي.
وفي الحقيقة، إن نتنياهو يعلم جيدا أن دفع ترامب لمواصلة الحرب على إيران، بضرب البنى التحتية ومصادر الطاقة، سيعني تدمير مستقبل الحزب الجمهوري في أمريكا، لكنه لا يهمه ذلك، لأن الأهم بالنسبة إليه، هو أن يفك الحبل الذي يشتد حول رقبة حكومته الحالية، التي من شبه المؤكد أن تخسر الانتخابات، وإذا كان الليكود و«القوة اليهودية» سيتراجعان، فإن «الصهيونية الدينية» على الأغلب لن تتجاوز نسبة الحسم، فيما حزبا الحريديم الوحيدان من بين أحزاب الائتلاف اللذان يحافظان على مقاعدهما، لكنهما لن يخرجا على الأرجح من مقاعد الحكومة فحسب، بل سيواجهان احتمال أن تقرر حكومة قادمة قرارا معاكسا، وهو تجنيد الحريديم وليس إعفاءهم.
ويرى البعض أن تبكير موعد الانتخابات ولو بيوم واحد، فإنه يعتبر نذير شؤم للحكومة، ولعل درس شمعون بيريس عام 1996 خير دليل على ذلك.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك