لقد ظلت السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط تمثل إشكالية كبيرة لأن صناع القرار يرفضون النظر في تأثير هذه السياسات على الشعوب العربية.
لكن عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فإن الوضع يختلف كل الاختلاف. فقد تسبب الاهتمام المفرط بالمخاوف الإسرائيلية وعدم مراعاة ردود الفعل العربية على السياسات الأمريكية في حدوث انقسامات عميقة بين العرب والولايات المتحدة، وكذلك داخل العالم العربي نفسه.
لقد أجرينا منذ سنة 2000 أكثر من 50 استطلاعَ رأي متعدد الجنسيات حول مجموعة متنوعة من المواضيع، واستكشفنا المواقف العربية تجاه العرب الآخرين، والولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وروسيا، وإيران، وإسرائيل، وتجاه الصراعات في المنطقة.
لقد أظهرت النتائج التي أظهرتها استطلاعات الرأي أن السياسات الأمريكية ستفضي إلى كارثة حقيقية – ليس فقط بالنسبة إلى الولايات المتحدة وأهدافها المعلنة، ولكن أيضاً، والأهم من ذلك، بالنسبة إلى الشعوب العربية.
يهمنا في هذا الصدد أن نبدي الملاحظات التالية التي تستند إلى الاستنتاجات التي خرجنا بها من استطلاعاتنا التي أجريناها على مدى أكثر من عقدين من الزمن:
بعد أحداث 11 سبتمبر2001، أعطى الرئيس جورج بوش ذلك التصريح المليء بالمزاعم حيث قال: «إنهم يكرهوننا لأنهم يكرهون قيمنا». وقد أظهر استطلاع الرأي الذي أجريناه عام 2002 عكس ذلك: فقد أحب العرب الشعب الأمريكي ومنتجاته وتعليمه وقيمه، لكنهم كرهوا بشدة سياسات الولايات المتحدة تجاه العالم العربي.
أدت الحرب الكارثية التي أشعل فتيلها الرئيس جورج بوش الابن على العراق وإهماله للفلسطينيين إلى مزيد من تراجع شعبية الولايات المتحدة، ثم ارتفعت هذه الشعبية مع الوعود التي أطلقها خلفه باراك أوباما بالتغيير، لكنها تراجعت عندما لم يفِ بوعده، ثم تدهورت المواقف أكثر في خضم السياسات المؤيدة لإسرائيل والمعادية للمسلمين التي تنتهجها إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وبحلول أواخر عام 2023، أظهر أحدث استطلاع رأي شمل عدة دول في منطقة الشرق الأوسط أن دعم الرئيس جو بايدن لحرب إسرائيل على غزة قد ولَّد ردود فعل سلبية أقوى.
والأسوأ من ذلك، أن هجمات الرئيس ترامب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وهجومه على أكثر العناصر احتراما في أمريكا – الجامعات وحرية الصحافة وسياسة الهجرة – من المرجح أن تجعل من الصعب على العرب بشكل متزايد الإعجاب بالقيم الأمريكية.
لقد اتسمت المواقف العربية تجاه إيران بنمط ثابت. وعندما تدخلت إيران بشكل مباشر وسافر في الشؤون الداخلية للدول العربية، أدى تورط النظام الإيراني بشكل مباشر وسافر في الحرب الأهلية السورية إلى تحول أغلبية سكان معظم الدول العربية ضدها.
قد نفترض أن الهجمات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران وهجمات إسرائيل على لبنان وسوريا قد أكسبت إيران بعض التعاطف في الرأي العام العربي.
لكن بدلاً من السعي إلى الحصول على الدعم العربي، راحت إيران تهاجم جيرانها في منطقة الخليج العربي عمداً، وهي تحديداً الدول التي تسعى إلى إعادة بناء علاقاتها مع إيران. لذلك فإنه من الطبيعي أن يتحول الرأي العام الخليجي الذي انقلب ضد إيران تماما.
ولطالما ظلت مسألة دعم الفلسطينيين تمثل أولوية عربية رئيسية، إذ لم يكن صنع السلام مع إسرائيل يحظى باهتمام يُذكر حتى في الدول التي وقّعت اتفاقيات سلام معها. ومع تصاعد القمع الإسرائيلي للفلسطينيين وتراجع دور القيادة الفلسطينية التي تفتقر إلى الرؤية، تغيّر الرأي العام العربي تغيرا ملحوظا.
تكرر السؤال عن السلام في المنطقة، وفي سبتمبر 2023، كنا قد أكملنا نصف الاستبانات بحلول 7 أكتوبر 2023، عندما شنت حماس هجومها على إسرائيل وهو ما اضطرنا إلى وقف الاستطلاع مؤقتًا قبل أن نستكمله بعد بضعة أسابيع.
كانت التغييرات جوهرية لأنه بحلول نهاية أكتوبر2023، ورداً على العدوان الإسرائيلي على غزة، تغيرت المواقف بشكل جذري لتصبح ضد أي اتفاق مع إسرائيل بشكل واضح. وبعد ثلاث سنوات، يمكن للمرء أن يفترض أن هذا لم يتغير.
في عامي 2024 و2025، أجرينا استطلاعات رأي في الأراضي المحتلة ثلاث مرات، وكانت النتائج مقلقة. فقد أدت السياسة الإسرائيلية إلى تشويه سمعة السلطة الفلسطينية، وإضعاف قدرتها على الحكم. وانقلب المستجيبون في الضفة الغربية ضد السلطة الفلسطينية، مفضلين الآن حركة حماس.
في غضون ذلك، تواصل إسرائيل تدمير قطاع غزة، وتدوس على الضفة الغربية والقدس الشرقية، وترفض أي دور للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة. ومع تفاقم الوضع، ظلت الولايات المتحدة الأمريكية تتجاهل مطالب الفلسطينيين وتغض الطرف عن تجاوزاتة إسرائيل.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك