عند التأمل في جغرافيا القارة الأوروبية، فإنها في خطوط الصدع (Fault line) فيها كما أسماها المفكر الأمريكي هنتينجتون تتداخل حول البحرين الأسود وقزوين مع القارة الآسيوية، وهما فاصلان جغرافيان متقاربان، بينما تبعد لشبونة البرتغالية عن واشنطن أكثر من 5700 كيلومتر، وقد تقترب أكثر لو حسبنا المسافة من جرينلاند إلى الحدود الكندية مع الولايات المتحدة، لكن المسافة تبقى كبيرة.
وتنازع أوروبا تاريخيا اتجاهان، اتجاه مال إلى المركزية «الأوروبية» والتي كان التيار الديجولي الفرنسي هو الأكثر اندفاعا نحوها، بينما كانت بريطانيا هي الأكثر نزوعا إلى نزعة أطلسية بحكم ثقل الموروث الأنجلوسكسوني اللغوي والمذهبي الديني، وتقف هذه التباينات في مجمل القارة الأوروبية وراء التقسيم الجيواستراتيجي على النحو التالي:
أولا: دول أوروبية أعضاء في الاتحاد الأوروبي لكنهم ليسوا أعضاء في حلف الناتو (أربع دول هي: النمسا وإيرلندا وقبرص ومالطا).
ثانيا: دول أوروبية أعضاء في حلف الناتو لكنهم ليسوا أعضاء في الاتحاد الأوروبي (7 دول هي: بريطانيا، النرويج، آيسلندا، ألبانيا، ومنتونيجرو (الجبل الأسود)، مقدونيا الشمالية، تركيا).
ثالثا: دول أوروبية ليست في الاتحاد الأوروبي ولا في حلف الناتو (13 دولة هي: سويسرا، ليخنشتاين، اندورا، موناكو، سان مارينو، الفاتيكان، صربيا، البوسنة، كوسوفو، بيلاروسيا، روسيا، مولدافا وأوكرانيا).
رابعا: دول عضو في كل من الاتحاد والناتو (23 دولة هي: ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، بولندا، هولندا، بلجيكيا، البرتغال، اليونان، التشيك، رومانيا، بلغاريا، كرواتيا، سلوفاكيا، سلوفينيا، هنغاريا (المجر)، استونيا، لاتفيا، ليتوانيا، الدنمارك، فنلندا، السويد، لوكسمبورج).
ذلك يعني أن 47 دولة توزعت على النحو التالي:
أ- 23 دولة جمعت بين البعد التكاملي والأمني (حلف الناتو والاتحاد الأوروبي)، وهو ما يشكل 48.9% من أوروبا.
ب- 13 دولة ابتعدت عن الخيارين، وهو ما يمثل 27.6%.
ت- 7 دول في الناتو دون عضوية الاتحاد، وهو ما يمثل 14.9%.
ث- 4 دول في الاتحاد دون الناتو، ويمثلون 8.5%.
أي أن 49 % تقريبا جمع بين العضويتين، وابتعد 27.6 عن كليهما. بينما اختار 24.4% أحدهما.
وما سبق يعطي صورة شقوق أوسع مما تشير له النظرة العابرة.
ما وراء ذلك؟
تقف مجموعة من الأسباب التاريخية والثقافية والاستراتيجية وراء هذا التوزع في الانتماء، فمن سيطرت عليه هواجس أمنية بخاصة مع تطور القوة السوفييتية مال إلى حلف الناتو أكثر، ومن كان هاجسه نظريات التكامل الدولي (نظريات ديفيد ميتراني، وأرنست هاس وكارل دويتش، واتزيوني وبروس روسيت ..إلخ) مال إلى تعزيز الاتحاد الأوروبي الذي تغذى على نظرية البديل الأخلاقي للحرب التي طرحها نورمان أنجيل، وهناك من تجاذبته النزعتان التكاملية والأمنية معا.
لكن المشكلة هي أن تطور آليات العولمة (الترابط العضوي) أضعف وبشكل تدريجي الروابط الآلية، فأصبحت أوروبا – شأنها في ذلك شأن دول كثيرة أخرى – تنزع إلى التكامل العضوي (من السوق المشتركة للاتحاد الأوروبي) على حساب النزوع الأمني التقليدي بخاصة مع تفكك الاتحاد السوفييتي.
لكن تفكك الاتحاد السوفييتي وضع نظريات التكامل في موقف الحرج الشديد، فالترابط العضوي بين مكونات الاتحاد السوفييتي كانت أقوى من مكونات الترابط الآلي، لكنه تفكك، لأن التاريخ أبى أن يتوارى خلف شركة الروابط العضوية، ومن هنا يمكن فهم التوزيع الذي أشرنا إليه في أوروبا بين حلف الناتو والاتحاد الاوروبي.
إن الخلل العميق في توجهات إدارة الرئيس ترامب ونخبته الحاكمة الآن هو أنهم أرادوا التحلل من الارتباط العضوي الأمني لحساب ترابط عضوي اقتصادي مغلف بتهديد أمني، أي أنهم أحلوا التهديد محل الترابط، وأحلوا الترابط القسري محل الترابط التكاملي، وهو ما استفز أوروبا حتى أكثرها قربا لواشنطن.
ومن الواضح أن ما رفضه الأوروبيون من ترامب، قبله فيما يبدو أغلب العرب، مع الأخذ في الاعتبار أن الترابط العضوي بين العرب لا يتجاوز نسبة سُدس الترابط العضوي الأوروبي، وهو ما يجعل قوة الجذب لاستمرار الترابط الأمني العربي مع الولايات المتحدة مازالت حاضرة، خلافا لوزن الترابط العضوي بين الأوروبيين والذي مكنهم من بعض الندية مع توجهات ترامب.
{ أكاديمي مختص
في العلوم السياسية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك