العدد : ١٧٥٩٧ - الخميس ٢٨ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٧ - الخميس ٢٨ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

حيرة أوروبا بين نزعتين: الأطلسية والأوروبية

بقلم: د. وليد عبد الحي

الخميس ٢٨ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

عند‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬جغرافيا‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬خطوط‭ ‬الصدع‭ (‬Fault‭ ‬line‭)  ‬فيها‭ ‬كما‭ ‬أسماها‭ ‬المفكر‭ ‬الأمريكي‭ ‬هنتينجتون‭ ‬تتداخل‭ ‬حول‭ ‬البحرين‭ ‬الأسود‭ ‬وقزوين‭ ‬مع‭ ‬القارة‭ ‬الآسيوية،‭ ‬وهما‭ ‬فاصلان‭ ‬جغرافيان‭ ‬متقاربان،‭ ‬بينما‭ ‬تبعد‭ ‬لشبونة‭ ‬البرتغالية‭ ‬عن‭ ‬واشنطن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬5700‭ ‬كيلومتر،‭ ‬وقد‭ ‬تقترب‭ ‬أكثر‭ ‬لو‭ ‬حسبنا‭ ‬المسافة‭ ‬من‭ ‬جرينلاند‭ ‬إلى‭ ‬الحدود‭ ‬الكندية‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لكن‭ ‬المسافة‭ ‬تبقى‭ ‬كبيرة‭.‬

وتنازع‭ ‬أوروبا‭ ‬تاريخيا‭ ‬اتجاهان،‭ ‬اتجاه‭ ‬مال‭ ‬إلى‭ ‬المركزية‭ ‬‮«‬الأوروبية‮»‬‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬التيار‭ ‬الديجولي‭ ‬الفرنسي‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬اندفاعا‭ ‬نحوها،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬بريطانيا‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬نزوعا‭ ‬إلى‭ ‬نزعة‭ ‬أطلسية‭ ‬بحكم‭ ‬ثقل‭ ‬الموروث‭ ‬الأنجلوسكسوني‭ ‬اللغوي‭ ‬والمذهبي‭ ‬الديني،‭ ‬وتقف‭ ‬هذه‭ ‬التباينات‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬وراء‭ ‬التقسيم‭ ‬الجيواستراتيجي‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭:‬

أولا‭: ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬أعضاء‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬لكنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬أعضاء‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ (‬أربع‭ ‬دول‭ ‬هي‭: ‬النمسا‭ ‬وإيرلندا‭ ‬وقبرص‭ ‬ومالطا‭).‬

ثانيا‭: ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬أعضاء‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬لكنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬أعضاء‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ (‬7‭ ‬دول‭ ‬هي‭: ‬بريطانيا،‭ ‬النرويج،‭ ‬آيسلندا،‭ ‬ألبانيا،‭ ‬ومنتونيجرو‭ (‬الجبل‭ ‬الأسود‭)‬،‭ ‬مقدونيا‭ ‬الشمالية،‭ ‬تركيا‭).‬

ثالثا‭: ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ (‬13‭ ‬دولة‭ ‬هي‭: ‬سويسرا،‭ ‬ليخنشتاين،‭ ‬اندورا،‭ ‬موناكو،‭ ‬سان‭ ‬مارينو،‭ ‬الفاتيكان،‭ ‬صربيا،‭ ‬البوسنة،‭ ‬كوسوفو،‭ ‬بيلاروسيا،‭ ‬روسيا،‭ ‬مولدافا‭ ‬وأوكرانيا‭).‬

رابعا‭: ‬دول‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬والناتو‭ (‬23‭ ‬دولة‭ ‬هي‭: ‬ألمانيا،‭ ‬فرنسا،‭ ‬إيطاليا،‭ ‬إسبانيا،‭ ‬بولندا،‭ ‬هولندا،‭ ‬بلجيكيا،‭ ‬البرتغال،‭ ‬اليونان،‭ ‬التشيك،‭ ‬رومانيا،‭ ‬بلغاريا،‭ ‬كرواتيا،‭ ‬سلوفاكيا،‭ ‬سلوفينيا،‭ ‬هنغاريا‭ (‬المجر‭)‬،‭ ‬استونيا،‭ ‬لاتفيا،‭ ‬ليتوانيا،‭ ‬الدنمارك،‭ ‬فنلندا،‭ ‬السويد،‭ ‬لوكسمبورج‭).‬

ذلك‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬47‭ ‬دولة‭ ‬توزعت‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭:‬

أ‌‭- ‬23‭ ‬دولة‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬التكاملي‭ ‬والأمني‭ (‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬48‭.‬9‭%‬‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭.‬

ب‌‭- ‬13‭ ‬دولة‭ ‬ابتعدت‭ ‬عن‭ ‬الخيارين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬27‭.‬6‭%.‬

ت‌‭- ‬7‭ ‬دول‭ ‬في‭ ‬الناتو‭ ‬دون‭ ‬عضوية‭ ‬الاتحاد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬14‭.‬9‭%.‬

ث‌‭- ‬4‭ ‬دول‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬دون‭ ‬الناتو،‭ ‬ويمثلون‭ ‬8‭.‬5‭%.‬

أي‭ ‬أن‭ ‬49‭ % ‬تقريبا‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬العضويتين،‭ ‬وابتعد‭ ‬27‭.‬6‭ ‬عن‭ ‬كليهما‭. ‬بينما‭ ‬اختار‭ ‬24‭.‬4‭% ‬أحدهما‭.‬

وما‭ ‬سبق‭ ‬يعطي‭ ‬صورة‭ ‬شقوق‭ ‬أوسع‭ ‬مما‭ ‬تشير‭ ‬له‭ ‬النظرة‭ ‬العابرة‭.‬

ما‭ ‬وراء‭ ‬ذلك؟

تقف‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأسباب‭ ‬التاريخية‭ ‬والثقافية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬التوزع‭ ‬في‭ ‬الانتماء،‭ ‬فمن‭ ‬سيطرت‭ ‬عليه‭ ‬هواجس‭ ‬أمنية‭ ‬بخاصة‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬القوة‭ ‬السوفييتية‭ ‬مال‭ ‬إلى‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬أكثر،‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬هاجسه‭ ‬نظريات‭ ‬التكامل‭ ‬الدولي‭ (‬نظريات‭ ‬ديفيد‭ ‬ميتراني،‭ ‬وأرنست‭ ‬هاس‭ ‬وكارل‭ ‬دويتش،‭ ‬واتزيوني‭ ‬وبروس‭ ‬روسيت‭ ..‬إلخ‭) ‬مال‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬تغذى‭ ‬على‭ ‬نظرية‭ ‬البديل‭ ‬الأخلاقي‭ ‬للحرب‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬نورمان‭ ‬أنجيل،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬تجاذبته‭ ‬النزعتان‭ ‬التكاملية‭ ‬والأمنية‭ ‬معا‭.‬

لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬تطور‭ ‬آليات‭ ‬العولمة‭ (‬الترابط‭ ‬العضوي‭) ‬أضعف‭ ‬وبشكل‭ ‬تدريجي‭ ‬الروابط‭ ‬الآلية،‭ ‬فأصبحت‭ ‬أوروبا‭ ‬–‭ ‬شأنها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬دول‭ ‬كثيرة‭ ‬أخرى‭ ‬–‭ ‬تنزع‭ ‬إلى‭ ‬التكامل‭ ‬العضوي‭ (‬من‭ ‬السوق‭ ‬المشتركة‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبي‭) ‬على‭ ‬حساب‭ ‬النزوع‭ ‬الأمني‭ ‬التقليدي‭ ‬بخاصة‭ ‬مع‭ ‬تفكك‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭.‬

لكن‭ ‬تفكك‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬وضع‭ ‬نظريات‭ ‬التكامل‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬الحرج‭ ‬الشديد،‭ ‬فالترابط‭ ‬العضوي‭ ‬بين‭ ‬مكونات‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬كانت‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬مكونات‭ ‬الترابط‭ ‬الآلي،‭ ‬لكنه‭ ‬تفكك،‭ ‬لأن‭ ‬التاريخ‭ ‬أبى‭ ‬أن‭ ‬يتوارى‭ ‬خلف‭ ‬شركة‭ ‬الروابط‭ ‬العضوية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬التوزيع‭ ‬الذي‭ ‬أشرنا‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بين‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬والاتحاد‭ ‬الاوروبي‭.‬

إن‭ ‬الخلل‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬توجهات‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬ونخبته‭ ‬الحاكمة‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬أنهم‭ ‬أرادوا‭ ‬التحلل‭ ‬من‭ ‬الارتباط‭ ‬العضوي‭ ‬الأمني‭ ‬لحساب‭ ‬ترابط‭ ‬عضوي‭ ‬اقتصادي‭ ‬مغلف‭ ‬بتهديد‭ ‬أمني،‭ ‬أي‭ ‬أنهم‭ ‬أحلوا‭ ‬التهديد‭ ‬محل‭ ‬الترابط،‭ ‬وأحلوا‭ ‬الترابط‭ ‬القسري‭ ‬محل‭ ‬الترابط‭ ‬التكاملي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬استفز‭ ‬أوروبا‭ ‬حتى‭ ‬أكثرها‭ ‬قربا‭ ‬لواشنطن‭.‬

ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬رفضه‭ ‬الأوروبيون‭ ‬من‭ ‬ترامب،‭ ‬قبله‭ ‬فيما‭ ‬يبدو‭ ‬أغلب‭ ‬العرب،‭ ‬مع‭ ‬الأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬الترابط‭ ‬العضوي‭ ‬بين‭ ‬العرب‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬نسبة‭ ‬سُدس‭ ‬الترابط‭ ‬العضوي‭ ‬الأوروبي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬قوة‭ ‬الجذب‭ ‬لاستمرار‭ ‬الترابط‭ ‬الأمني‭ ‬العربي‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مازالت‭ ‬حاضرة،‭ ‬خلافا‭ ‬لوزن‭ ‬الترابط‭ ‬العضوي‭ ‬بين‭ ‬الأوروبيين‭ ‬والذي‭ ‬مكنهم‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الندية‭ ‬مع‭ ‬توجهات‭ ‬ترامب‭.‬

{‭ ‬أكاديمي‭ ‬مختص

في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا