العدد : ١٧٥٩٨ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٨ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أنقذوا سورية قبل فوات الأوان!

بقلم: بشير البكر {

الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

تعاني‭ ‬سورية‭ ‬وضعاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬صعباً؛‭ ‬فبعد‭ ‬عام‭ ‬ونصف‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬نظام‭ ‬بشّار‭ ‬الأسد،‭ ‬لم‭ ‬تتمكّن‭ ‬السلطة‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬تخفيف‭ ‬معاناة‭ ‬الأغلبية،‭ ‬وإيجاد‭ ‬حلول‭ ‬للمشكلات‭ ‬المعاشية‭ ‬الملحّة‭ ‬وللخدمات‭ ‬الأساسية‭. ‬وكان‭ ‬الرهان‭ ‬كبيراً‭ ‬على‭ ‬مساعدات‭ ‬عربية‭ ‬ودولية‭ ‬فورية،‭ ‬ولكنّها‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬بعد‭. ‬وطال‭ ‬انتظار‭ ‬الفئات‭ ‬المتضرّرة‭ ‬من‭ ‬الارتفاع‭ ‬المستمرّ‭ ‬للفواتير،‭ ‬وجديدها‭ ‬أخيراً‭ ‬أسعار‭ ‬الكهرباء‭ ‬والمحروقات‭.‬

بات‭ ‬الإنجاز‭ ‬السياسي‭ ‬وحالة‭ ‬الاستقرار‭ ‬النسبي‭ ‬مهدّدين،‭ ‬بسبب‭ ‬التدهور‭ ‬المتواصل‭ ‬للأوضاع‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وعدم‭ ‬بروز‭ ‬مؤشّرات‭ ‬على‭ ‬حلول‭ ‬قريبة‭. ‬

وليس‭ ‬مبالغةً‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬الآمال‭ ‬بالتغيير‭ ‬بدأت‭ ‬تتراجع،‭ ‬وتشعر‭ ‬قطاعات‭ ‬سورية‭ ‬بإحباط،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬الانطباع‭ ‬الواسع‭ ‬الذي‭ ‬تشكّل‭ ‬أنّ‭ ‬رفع‭ ‬العقوبات‭ ‬سيأتي‭ ‬سريعاً‭ ‬بنتائج‭ ‬إيجابية،‭ ‬وستتدفّق‭ ‬مساعدات‭ ‬عربية‭ ‬ودولية،‭ ‬وأنّ‭ ‬إخراج‭ ‬إيران،‭ ‬وتقليص‭ ‬الدور‭ ‬الروسي،‭ ‬سيؤدّيان‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬انفتاح‭ ‬اقتصادي،‭ ‬واستثمارات،‭ ‬وإعادة‭ ‬إعمار‭ ‬أولية،‭ ‬لكنّ‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬كان‭ ‬أبطأ‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬التوقّعات‭.‬

شجّعت‭ ‬بلدان‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وأوروبا‭ ‬وأمريكا‭ ‬التحوّل‭ ‬السياسي،‭ ‬لكنّها‭ ‬لم‭ ‬تترجم‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬خطّة‭ ‬إنقاذ‭ ‬اقتصادي‭ ‬فعلية،‭ ‬وتواجه‭ ‬السلطة‭ ‬الجديدة‭ ‬إرثاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬منهاراً،‭ ‬ومطالب‭ ‬شعبية‭ ‬متنامية،‭ ‬لأنّ‭ ‬معظم‭ ‬السوريين‭ ‬يرزحون‭ ‬تحت‭ ‬خطّ‭ ‬الفقر،‭ ‬ويفتقرون‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬من‭ ‬صحّة‭ ‬وتعليم،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬آثار‭ ‬الصدمات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬مثل‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬والاعتداءات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المتكرّرة‭. ‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬هذا،‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬تستمرّ‭ ‬الشرعية‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬حظيت‭ ‬بها‭ ‬السلطات‭ ‬السورية‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تقديم‭ ‬حلول‭ ‬عاجلة‭ ‬للأزمات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وحتّى‭ ‬التقدم‭ ‬الأمني‭ ‬الذي‭ ‬تحقق‭ ‬بسرعة‭ ‬بات‭ ‬مهدّداً‭.‬

تبدو‭ ‬الوعود‭ ‬التي‭ ‬قطعتها‭ ‬الوفود‭ ‬العربية‭ ‬والأجنبية‭ ‬التي‭ ‬زارت‭ ‬دمشق،‭ ‬وخلال‭ ‬جولات‭ ‬المسؤولين‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬العواصم‭ ‬العربية‭ ‬والأجنبية‭ ‬من‭ ‬العواصم‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬واشنطن‭ ‬وموسكو‭ ‬وباريس‭ ‬وبرلين‭ ‬ولندن،‭ ‬بلا‭ ‬نتيجة‭ ‬ملموسة‭ ‬بعد‭. ‬وإن‭ ‬دلّ‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬فإنّما‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬فجوة‭ ‬تتمثّل‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬العربي‭ ‬باشتراط‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬قبل‭ ‬الاستثمار‭. ‬

أمّا‭ ‬بخصوص‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬فهما‭ ‬تتصرّفان‭ ‬بحذر‭ ‬شديد،‭ ‬ولديهما‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬ضخّ‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬هشّة‭ ‬سياسياً،‭ ‬وتربطان‭ ‬الانفتاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بالإصلاح‭ ‬السياسي،‭ ‬وبناء‭ ‬المؤسّسات‭ ‬والحوكمة‭.‬

لا‭ ‬تلامس‭ ‬المقاربتان‭ ‬العربية‭ ‬والدولية‭ ‬واقع‭ ‬الحال‭ ‬السوري؛‭ ‬فإن‭ ‬لم‭ ‬تأتِ‭ ‬الاستثمارات‭ ‬لن‭ ‬يتحقّق‭ ‬الاستقرار،‭ ‬ولن‭ ‬تتوافر‭ ‬بيئة‭ ‬ملائمة‭ ‬لعودة‭ ‬ملايين‭ ‬المهجّرين،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭. ‬والبديل‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬السلطات‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬شراكات‭ ‬تدريجية،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬أرضية‭ ‬إدارية‭ ‬اقتصادية‭ ‬واضحة،‭ ‬وعلى‭ ‬أساس‭ ‬رؤية‭ ‬تنموية‭ ‬واضحة،‭ ‬وإدارة‭ ‬فعّالة،‭ ‬وشفافية‭ ‬كافية،‭ ‬تُشعر‭ ‬المستثمِر‭ ‬المحلّي‭ (‬والأجنبي‭) ‬بالأمان‭ ‬والثقة‭ ‬والحماية‭ ‬القانونية‭ ‬من‭ ‬الفساد‭ ‬والفوضى‭ ‬والمحسوبية‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لأيّ‭ ‬دعم‭ ‬خارجي‭ ‬أن‭ ‬ينجح‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مؤسّسات‭ ‬مستقرّة،‭ ‬وإدارة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مُقنِعة،‭ ‬وإنتاج‭ ‬ثقة‭ ‬داخلية‭ ‬قبل‭ ‬الثقة‭ ‬الخارجية،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬واضح‭ ‬أنّ‭ ‬الأطراف‭ ‬المهتمّة‭ ‬بسورية‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬القناعة‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬اقتصادياً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬سياسيا‭ ‬أيضاً،‭ ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الآمال‭ ‬الكبيرة‭ ‬والنتائج‭ ‬المحدودة‭ ‬مرشّحة‭ ‬لأن‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬إحباط‭ ‬واسع،‭ ‬يهدّد‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية،‭ ‬التي‭ ‬يتطلّب‭ ‬نجاحها‭ ‬ترجمة‭ ‬المقولة‭ ‬التي‭ ‬ردّدها‭ ‬الرئيس‭ ‬السوري‭ ‬أحمد‭ ‬الشرع‭ ‬بأنّ‭ ‬سورية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ساحة‭ ‬صراعات،‭ ‬وهذا‭ ‬يتجاوز‭ ‬مسألة‭ ‬إسقاط‭ ‬نظام‭ ‬الأسد‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬شديد‭ ‬بين‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬وتفاهمات‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنّ‭ ‬استقرار‭ ‬سورية‭ ‬مصلحة‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭.‬

وإلى‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬هذا،‭ ‬فإنّ‭ ‬السلطات‭ ‬السورية‭ ‬أمام‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الاختبارات‭ ‬المتواصلة‭ ‬لبناء‭ ‬الثقة‭ ‬الداخلية،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬ذلك‭ ‬إلّا‭ ‬بتهدئة‭ ‬المخاوف‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية،‭ ‬وإطلاق‭ ‬حياة‭ ‬عامّة‭ ‬حقيقية‭ ‬عبر‭ ‬برلمان‭ ‬وإعلام‭ ‬ومجتمع‭ ‬مدني‭. ‬يريد‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬يشعروا‭ ‬بأنّ‭ ‬الدولة‭ ‬عادت‭ ‬ملكاً‭ ‬للمجتمع،‭ ‬لا‭ ‬جهازاً‭ ‬فوقيا‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬وشاعر‭ ‬سوري‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا