بعد نجاح ثورة الخميني التي أطاحت بحكم الشاه اعتبر كثير من المراقبين أنهم بصدد نموذج سياسي جديد له قدرة على التعبئة الشعبية والاستمرار التاريخي، ولكن خلافًا لكثير من التوقعات، نجح نظام الملالي في بناء نظام قمعي لكنه استطاع التعايش مع العقوبات المفروضة عليه.
ومع إقرارنا بهذه الحقيقة، فلا ينبغي أن نغفل في المقابل حقيقة أخرى لا تقل أهمية، هي أن ذلك النظام فشل في الحفاظ على المجتمع الذي منحه شرعية التأسيس، فلم يعد المجتمع الإيراني هو نفسه الذي احتضن الثورة الإيرانية في مهدها، بعد أن تحولت الثورة التي قامت على شعارات نصرة المستضعفين والمهمشين إلى بنية سلطوية لدى أغلب الشعب الإيراني، نائية عن تطلعاته وأحلامه الحياتية، فزادت الفجوة بين النظام والمجتمع.
الثورة الإيرانية حملت في مهدها وعودًا اجتماعية براقة، وكان جزء كبير من خطاب هذا النظام قد جرى توجيهه إلى الطبقات المهمشة والغاضبة من الطبقية في عهد الشاه، إلا أن هذا الخطاب بدأ مع مرور الوقت يفقد الطابع الاجتماعي لصالح الطابع الأيديولوجي والأمني، وغدت الأولوية للنظام هي الحفاظ على النظام نفسه وترسيخ هويته وأيديولوجيته، لا تحسين حياة الناس وتحقيق طموحاتهم، واتسعت الهوة بين خطاب الثورة وواقع الحياة اليومية للجماهير.
فبينما استمر النظام في الحديث عن الثورة والمقاومة والصمود، كان المجتمع الإيراني يمر بتغيرات عميقة مع اتساع دائرة الطبقة الوسطى والانفتاح على العالم من خلال فضاء الإنترنت، وبدأ الشقاق بين مجتمع يتحرك صوب الانفتاح ونظام لا يزال يفكر بمنطق التعبئة والضبط الأيديولوجي أو ما يسمى الشحنة الدينية.
ووفقا للمفكر الكويتي عبدالله النفيسي، فإن الثورة الإيرانية حقنت الشعب بتلك الشحنة إبان الحرب مع العراق لتبرير المواجهة، فتحملها الإيرانيون رغم أنها فوق طاقتهم نظرًا إلى الظرف الصعب، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن الملالي ألبسوهم لباسًا غريبًا على طبيعتهم الليبرالية، فبدأ الباطن يزاحم الظاهر، وفرضت الثورة التي تمركزت حول ولاية الفقيه نمطها الأيديولوجي على مظاهر الحياة في الشارع الإيراني من دون مراعاة مبدأ التدرج.
مظاهر التدين في إيران تصطبغ بها المؤسسات الرسمية، مؤسسة الولي الفقيه، والحرس الثوري الإيراني، وقوات الباسيج، أما الشعب فهو في واد آخر، ما بين نسب إدمان من الأعلى عالميا، وتراجع الالتزام بشعارات خطاب الملالي، وكلها إشارات إلى أن الثورة لم تفلح في جعل الشحنة الدينية الأولى صبغة تغير وجه الحياة في المجتمع الإيراني.
واحدة من أكبر المعضلات التي يواجهها النظام الإيراني اليوم أن أغلب الإيرانيين الحاليين لا يحملون الذاكرة العاطفية التي منحت النظام شرعيته الأساسية، لأنهم جيل ولد بعد الثورة، لم يعش الصراع الثوري مع الشاة، ولم يخض الحرب العراقية الإيرانية وما صاحبها من تعبئة شعبية بالشحنة الدينية. فهذا الجيل بعيد عن الشعارات الثورية القديمة، واهتماماته وتساؤلاته دائما تدور حول فرص العمل والحرية الشخصية وجودة المعيشة ومستقبل الاقتصاد ونحوه، في الوقت الذي لا يزال النظام يتحدث بلغة الماضي والتحرك بعقلية تشكلت في الثمانينيات.
النظام الإيراني يتعامل مع المجتمع باعتباره مشروعًا يجب ضبطه وتوجيهه أيديولوجيًا، وهو ما يعتبره الشباب الإيراني اليوم تدخلًا خانقًا في تفاصيل حياتهم.
ولا يمكن فهم التوتر والترهل الاجتماعي في إيران بمعزل عن النظر إلى الاقتصاد المنهك. وليست مشكلة الاقتصاد الإيراني متعلقة بالعقوبات الغربية بالدرجة الأولى، وإنما هناك أزمة فساد إداري وهيمنة لمؤسسات عسكرية وشبه عسكرية على قطاعات واسعة من الاقتصاد، إضافة إلى أن الدولة تنفق عشرات المليارات سنويًا على المشاريع الإقليمية والصراعات الخارجية وتمويل أذرعها في المنطقة لتخريب الدول العربية، في الوقت الذي يعاني المواطن الإيراني البطالة والتضخم وتراجع قدراته الشرائية، ما جعل الشرعية الرمزية للنظام تتآكل لدى قطاعات واسعة من الجماهير.
لقد عمل النظام في السابق على ربط الأزمات الاقتصادية بقضية المؤامرات الخارجية، وقد نجح في ذلك في العقود السابقة إلى حد كبير، إلا أن الأجيال الحالية باتت أكثر وعيًا وأكثر ميلًا لتحميل النظام المسؤولية المباشرة عن هذه الأزمات.
وما يشير بقوة إلى ترهل المجتمع واضطرابه هو ذلك الشعور بالاستبداد والاضطهاد لدى إثنيات وقوميات غير فارسية، كالعرب والأكراد والبلوش وغيرهم، الذين يعانون التهميش السياسي والاقتصادي إضافة إلى الأساليب القمعية التي يمارسها ضدهم النظام، فهذه التوترات تعكس مشكلة أوسع تتعلق بطبيعة العلاقة بين المركز ومجتمع متعدد في الداخل الإيراني.
النظام لم يسقط رغم الغضب الداخلي، بسبب بنية هذا النظام الذي صمم ليحمي نفسه بنفسه، فتبرز هنا مؤسسة الولي الفقيه صاحب الكلمة العليا في جميع الملفات، وحرس ثوري تم إنشاؤه منذ البداية لحماية النظام، وله قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة، ويدير حروب الوكالة التي تخوضها الأذرع الإيرانية، إضافة إلى قوات الباسيج التي تضم ملايين المتطوعين الذين ينتظمون في تلك المؤسسة الشعبية العقائدية التي تعمل كأداة للنظام في مراقبة وضبط الشارع الإيراني.
إن المعضلة الأساسية في إيران اليوم ليست فقط سياسية، وإنما وجودية أيضًا، فالنظام على الرغم من أنه يبدو بعيدًا نسبيًا عن السقوط الفوري، لكنه يواجه مشكلة أعمق، هي تراجع قدرته على إنتاج الحماس الاجتماعي والتعبئة على أيديولوجيا الثورة.
يصعب القول في ظل انخراط النظام في مشروعه الإقليمي أن ينجح في بناء عقد اجتماعي أكثر مرونة وانفتاحًا وانكفاءً على مصالح الداخل، ما يهدد باتساع الفجوة بين النظام والمجتمع، وهو ما يمكن أن يأكل بشكل تراكمي في دعائم النظام الإيراني.
{ كاتبة من الأردن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك