عاد المشهد الأمريكي - الإيراني إلى الواجهة بعد تقديم إيران نسخة معدلة من مقترحاتها السابقة إلى الوسيط الباكستاني، التي تضمنت أربعة عشر بنداً هدفها وقف الحرب نهائياً على جميع الجبهات، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي، إضافة إلى انسحاب القوات الأمريكية من المناطق القريبة من إيران ودفع تعويضات عن أضرار الحرب. وقد جاء الرد سريعاً من الرئيس ترامب، حيث صرح بأن أمام إيران «يومين أو ثلاثة أيام» لتفادي ضربة عسكرية جديدة، قائلاً إنه كان على بعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار بالمضي في الهجوم قبل أن يؤجلها لإفساح المجال أمام مسار تفاوضي. وشدد ترامب على أن المهلة «محدودة»؛ لأن واشنطن لا تستطيع السماح لطهران بامتلاك «سلاح نووي جديد»، مضيفاً أن قادة إيران «يتوسلون» للتوصل إلى اتفاق.
إن المتابع لهذا المشهد يقف حائراً أمام التجاذبات والتصريحات المتناقضة بين طرفي النزاع حول حل الإشكاليات بينهما، حيث يتمسك كل طرف بموقفه من دون التنازل عن أي بند من البنود التي يقدمها كل طرف للآخر، وهذا ما جعل المفاوضات بينهما تراوح مكانها.
فبعد تقديم طهران النسخة المنقحة لمقترحاتها الجديدة أبدت واشنطن امتعاضها من هذه النسخة المعدلة، وراح ترامب كعادته يهدد باستئناف القتال، ونتيجة لذلك لم تتردد إيران في الرد عليه مباشرة؛ فجاءه الرد على لسان المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا الذي حذر من فتح «جبهات جديدة» إذا استؤنفت الهجمات.
من جهته، كرر قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر ما قاله سابقاً، بأن الحرب أضعفت بدرجة كبيرة الصواريخ الباليستية والمسيرات الإيرانية، ودمرت 90 في المائة من القاعدة الصناعية الدفاعية لإيران.
نفهم مما تقدم أن الإيرانيين لا يزالون متمسكين بموقفهم الثابت حول أحقيتهم في الاحتفاظ ببرنامجهم النووي، وأن جل همهم الآن هو وقف القتال نهائياً، وعدم العودة إلى القتال، وأن تتعهد الولايات المتحدة بعدم شن حرب جديدة عليهم، وهذا ما أكده الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي في تصريحاتهما الأخيرة.
أما على صعيد الجانب العسكري فلا تزال لغة التصعيد والوعيد هي السائدة عند كبار العسكريين في الحرس الثوري، ويظهر ذلك بوضوح في تصريحاتهم النارية، وآخرها ردهم العنيف على تهديدات ترامب الأخيرة بقولهم إن الرد سيكون هذه المرة قاسياً، وسيشهد تغيرا نوعياً.
في المقابل، لا يزال الأمريكيون يرفضون أن تكون إيران دولة نووية، وأن تحقيق هذا الهدف هو ما تسعى إليه واشنطن، سواء عن طريق المفاوضات أو عن طريق الحرب، وهذا ما قاله جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي للصحفيين في البيت الأبيض، من أن ترامب لا يزال يسعى إلى اتفاق دبلوماسي مع إيران لكنه يبقى «مستعداً تماماً» لاستئناف الحملة العسكرية إذا انهارت المفاوضات. وقال: «التانجو لا يرقصه شخص واحد»، وأضاف: «لن نقبل بأي اتفاق يسمح للإيرانيين بحيازة سلاح نووي».
في اعتقادي، إن المسألة الخلافية الرئيسة التي تقف حجر عثرة في وجه سير المفاوضات بين الأمريكيين والإيرانيين هي مسألة السلاح النووي؛ فالإيرانيون مصرون على تأجيل بحث هذه المسألة إلى وقت لاحق، والبدء برفع العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة. في حين يصر الأمريكيون على إدراج مسألة البرنامج النووي في المفاوضات الحالية، ويمثل هذا الموضوع بالنسبة إليهم أولوية، وهذا ما بدا في تصريحات ترامب ونائبه فانس. إذن فإن عقدة الخلاف تكمن في ترتيب بنود الاتفاق.
السؤال الجوهري الآن هو: هل تكون هذه النقطة الخلافية بينهما الشرارة التي تشعل الحرب مجدداً في المنطقة؟
واقع الأمر يقول لا، وبحسب رأي أغلب المحللين هناك أكثر من سبب يحول دون العودة إلى الحرب، أولها أن طرفي النزاع لا يرغبان في استئناف القتال بينهما بالرغم من التصريحات النارية المتبادلة التي يطلِقانها بين الفينة والأخرى؛ فترامب وكذلك بعض أعضاء فريق إدارته لا يفضلون خيار الحرب لحسابات داخلية؛ لأنهم يدركون الآن أن هذا الخيار يكلفهم أثماناً باهظة في الداخل الأمريكي وخارجه، وخاصة في هذا التوقيت؛ فانتخابات التجديد النصفي للكونجرس على الأبواب، وترامب شخصياً لا يريد أن يكون سبباً في خسارة تلك الانتخابات، وهي جداً مهمة بالنسبة إليه، ويعول عليها كثيراً في المدة المتبقية من فترته الرئاسية.
لهذا فإن ترامب حريص كل الحرص على تحقيق إنجاز عظيم في إيران يخلد اسمه في التاريخ الأمريكي، وهذه مسالة مهمة بالنسبة إليه تنسجم مع طبيعة شخصية ترامب؛ فإذا كان يستطيع أن يجلب هذا الانجاز عن طريق المفاوضات وبأقل الخسائر، فلماذا يلجأ إلى خيار الحرب التي لا يعرف تداعياتها، التي قد تطول، ويتورط في مستنقعها، ومن ثم لا يستطيع الخروج منها إلا من خلال تقديم تنازلات، وهو بالتأكيد لا يحبذ الوصول إلى هذه الحالة.
على الجانب الآخر، فالإيرانيون مثلهم مثل الأمريكيين يؤْثرون أيضاً خيار المفاوضات بالرغم من الصراخ والضجيج الذي يطلقه بين حين وآخر كبار جنرالات الحرس الثوري حول استعداداتهم للحرب، وتضخيمهم قوتهم العسكرية، وأنهم سيلقنون الأمريكيين درساً لن ينسوه إذا ما استأنف ترامب القتال.
لكن السياسيين والعقلاء منهم يرون في المفاوضات سفينة النجاة لنظامهم السياسي من الانهيار. ولذلك فهم لا يريدون دخول الحرب مجدداً؛ لأنها إذا وقعت فستقضي على الجزء المتبقي من إيران. ومن هنا، فهم يدركون قبل غيرهم أن الانتصار على الولايات المتحدة أمر مستحيل لسبب بسيط هو الفرق الكبير بينهم وبين الأمريكيين في ميزان القوة العسكرية، وإذا كان البعض منهم يؤمن بنظرية أن الصمود في وجه أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم يُعد انتصاراً فهو واهم؛ لأن هذا شعور مؤقت سرعان ما يزول بعد سكوت المدافع، وذهاب نشوة الانتصار الكاذبة، ويبدأ الحساب الحقيقي لنتائج الحرب من خلال تحديد الخسائر والأرباح، ساعتها سيدرك أصحاب الانتصار الكاذب أنهم كانوا يعيشون في وهم كبير حين يرون بأم أعينهم ما نزل بإيران من دمار شامل، وترد اقتصادي هائل، ومصرع عدد من القادة العسكريين والسياسيين، وإلى غير ذلك من تداعيات ستظهر بعد أن تضع الحرب أوزارها.
كل هذه المتغيرات تجعل كفة المنادين بالحل السلمي للأزمة في صالحهم ويكون صوتهم هو الأعلى، ونتيجة لذلك فإن إيران تسير على طريق المفاوضات، وهو ما عبر عنه ترامب أكثر من مرة حين قال: «إنهم يريدون التفاوض».
في اعتقادي، أن مشهد اللاحرب واللاسلم في المنطقة لن يدوم طويلاً؛ لأن الطرفين لا يريدان استئناف القتال للأسباب التي ذكرناها قبل قليل، كما أن تداعيات هذه الحرب لم تعد محصورة في الطرفين المتصارعين (أمريكا وإيران) فحسب، بل على جميع دول العالم، ولذلك فإن استمرار هذا المشهد من دون التحرك جدياً لكتابة فصله الأخير سيؤدي حتماً إلى أضرار كبيرة على حركة الملاحة الدولية وعلى الاقتصاد العالمي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك