لم تعد التوعية البيئية اليوم فقط مجرد أنشطة مؤقتة أو حملات موسمية تنفذ في اليوم العالمي للبيئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر كتابة المقالات التي حرص المختصون البيئيون في جميع أنحاء العالم على الاستمرار ومواصلة التوعية البيئية في مجتمعاتهم، بل أصبحت ضرورة وطنية وإنسانية وأخلاقية فرضتها التحديات البيئية المتسارعة؛ لذا هي من أهم القضايا التي يجب أن تحظى باهتمام الأفراد والمجتمعات والمؤسسات، وخاصة في ظل التحديدات البيئية المتزايدة التي يشهدها العالم في وقتنا هذا، حيُث تشير التقارير الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة (UNEP, 2023) إلى أن أكثر من 75% من سكان العالم يتأثرون بشكل مباشر أو غير مباشر بتدهور البيئة والتغيرات المناخية، ما يثبت ذلك أن البيئة لم تعد قضية تخص العلماء أو المختصين والمهتمين وإنما هي مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بصحة الإنسان، وجودة الحياة، واستدامة الأوطان ومواردها الطبيعية.
وانطلاقًا من الآثار الإيجابية للتوعية البيئية التي اتضحت نتائجها الملموسة في العديد من المجتمعات، برز مفهوم المواطنة البيئية كأحد المفاهيم الحديثة التي تضع أفراد المجتمع موقع المسؤولية تجاه بيئتهم وأوطانهم، وتتجه نحو تأكيد أن حماية البيئة وصون مواردها، واجب وطني وأخلاقي، وهي تقوم على أهمية إدراك الأفراد بأن الموارد الطبيعية والمياه والطاقة ليست ملكًا لجيلنا هذا فقط، وثرواتنا البيئية هذه هي أمانة يجب علينا الحفاظ عليها، والعمل على استثمارها بصورة رشيدة، وأكثر استدامة انطلاقًا من المواطنة الصالحة، فالمواطن الواعي لا يكتفي بحب وطنه بالكلمات، وإنما ترجمة ذلك الحب إلى سلوك ملموس وبشكل يومي بالمحافظة على مقدرات الدولة ومواردها وإمكانياتها، وخاصة في ظل الظروف الراهنة، التي أصبح فيها العالم يواجه تحديات تتعلق بالاضطرابات في إمدادات مصادر الطاقة والمياه، وما ينتج ذلك من آثار أسهمت في تدهور البيئة والاقتصاد والصحة. وهنا فقد أشارت منظمة الصحة العالمية في أكتوبر 2010 في تقرير لها بأن حوالي 39% من أطفال العالم يتنفسون هواء ساما كل يوم، ووفقًا للتقرير أيضا فإن 1.8 مليار طفل يتنفسون هواءً ملوثًا للغاية يعرض صحتهم ونموهم للأخطار الجسيمة، وقد قدرّت منظمة الصحة العالمية أنه في عام 2016، توفي ما يقارب 600000 طفل بسبب التهابات الجهاز التنفسي الناتج عن تلوث الهواء.
ومن هنا تبرز أهمية رفع مستويات الوعي البيئي وتعزيز أكبر للمسؤولية الوطنية لدى كل أفراد المجتمع، باعتبار أن حماية المقدرات مسؤولية مجتمعية ومؤسسية، وأي تخلف في ذلك يسهم في انعدام الأمن البيئي والاستقرار المجتمعي. كما أن حماية الموارد لا تتحقق عبر التشريعات والقوانين فقط، بل تبدأ من سلوكيات أفراد المجتمع اليومية، بدءا من ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه الذي يعُد من أبسط صور المواطنة البيئية الصالحة وأكثرها تأثيرًا. ووفقًا لدراسة تم نشرها حول استدامة السلوكيات الفردية المسؤولة (World Bank, 2023)، أشارت إلى أن السلوك الفردي المسؤول يمكن أن يقلل من استهلاك الطاقة المنزلي بنسبة تصل إلى ما بين 3%و15%عند العمل على تطبيق ممارسات الترشيد من قبل افراد المجتمع باعتبارهم العنصر الأكثر تأثيرًا في البيئة، ولذلك فإن بناء الوعي البيئي الحقيقي يبدأ من الإنسان نفسه، وكلما التزم الإنسان بالسلوك الواعي انخفض أثر الممارسات السلبية، واستهلاك الطاقة.
وهنا تتجلى حقيقة المواطنة الصادقة التي لا تقتصر فقط على مشاعر الانتماء أو ترديد الشعارات، وإنما تنعكس في سلوكٍ واع يحافظ على موارد الوطن وبيئته من التلوث والاستنزاف، من احترام الأنظمة والقوانين والتشريعات البيئية، والحفاظ على الموارد البحرية والهواء والغطاء النباتي، وترشيد استهلاك الكهرباء والماء. وهنا يتم ترجمة مفهوم المواطنة البيئية بشكل متزن يربط السلوك البيئي المسؤول بالانتماء الوطني، حيُث يدرك المواطن أن حماية البيئة تحمل دلالات حماية الوطن وصون مقدراته، وبذلك يمكننا القول إن هذا الفرد مواطن صالح يجُسد أسمى معاني حب الوطن والانتماء إليه، ويلتزم بتوجيهات قيادته الرشيدة تحت راية جلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين حفظه الله ورعاه، الذي أولى اهتمامًا ملكيًا كبيرًا لقضايا البيئة التي نشهدها في عصرنا هذا، وإيمانًا من جلالته بأهمية الحفاظ على موارد الوطن، وتعزيز جودة الحياة لأبنائه في الحاضر، وصون حقوق أجيال البحرين في المستقبل، وقد جاءت هذه الرؤية الملكية انسجاما مع مبادئ التنمية المستدامة التي تسعى المملكة إلى تحقيقها.
وفي هذا السياق، فإننا نقف على أعتاب فصل الصيف، الذي تزداد فيه الحاجة إلى تعزيز الوعي بأهمية ترشيد الاستهلاك، لما يمثله من مرحلة حرجة تزداد فيها معدلات استهلاك الأجهزة الكهربائية والتكييف والمياه بشكل كبير، ما يؤدي إلى ارتفاع نسب الضغط على شبكات المياه والكهرباء؛ وهنا لا بد لنا التصرف بشكل حقيقي وفعلي مع اتخاذ إجراءات صارمة للحد من استهلاك الموارد غير الضرورية، وخاصة في مواقع العمل، ومن الواجب الوطني فإنه يلزم على الموظفين التأكد من إطفاء جميع الأجهزة الكهربائية والإنارة ومصادر المياه قبل مغادرتهم مقر عملهم وخاصة في المدّة القادمة؛ لأن ذلك يعتبر استنزافا مباشرًا لموارد الوطن، وينطبق كذلك على منازل المواطنين. وقد عملت الحكومات جاهدة، والمؤسسات التعليمية والجامعات ووسائل الإعلام والجمعيات البيئية، على نشر هذه الثقافة، التي أصبحت جزءًا من المصطلحات المتداولة في المجتمع كالاستدامة والبصمة البيئية، وإعادة التدوير، ولكن المرحلة اليوم بحاجة إلى التطبيق الواقعي، وقطف ثمار التوعية البيئية التي تم تنفيذها عبر الحملات الوطنية والبرامج، وورش العمل التي لا حصر لها.
وقد قدمت بعض الدول العربية تجارب ملهمة في هذا المجال وخاصة في وقت أزمة الطاقة التي تأثرت بها عدة دول بالعالم، ومن أبرز هذه الدول جمهورية مصر العربية التي أطلقت مبادرات وطنية لترشيد استهلاك الكهرباء والطاقة، والدعوة إلى استخدام الطاقة البديلة والمتجددة، ما أسهم في تقليل الضغط على شبكات الكهرباء والمياه. وهنا نتساءل: ما الرابط بين المفاهيم التي تم تناولها في المقال، بدءا من مفهوم التوعية والمواطنة البيئية، والترشيد في استخدام موارد والاقتصاد في الطاقة والكهرباء والمياه؛ إذ إن جميع ما سبق يهدف إلى تعزيز وعي الأفراد بأهمية حماية البيئة، وترجمتها إلى سلوك مسؤول نتيجة لممارسات إيجابية بشكل مستدام، حيثُ يعُد ترشيد الكهرباء والماء من أبرز صور هذا الارتباط، وبذلك فإن نهاية المطاف تسهم ذلك في تقليل الانبعاثات الكربونية الضارة وتخفيف الضغط على المصادر وتقليل الأجر على الدولة والأفراد، ما يظهر بذلك سلوكًا لممارسات وطنية وحضارية.
ومن هنا فإن رسالتنا للمجتمع المحلي اليوم هي أن البيئة وحمايتها ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية وطن بِرُمَّته. إن الوطن النظيف لا يبنى بالشعارات والقوانين وحدها؛ لذا فإن الوقت قد حان لتحويل أفكارنا البيئية إلى سلوكيات نمارسها في حياتنا اليومية. فليس من المنطقي أن ننشر رسائل للتوعية حول النفايات وعدم إلقائها في الأماكن العامة، ثم نلقيها نحن بأيدينا!!!، أو نطالب بضرورة تعميم مفهوم الاستدامة والحفاظ على مقدرات البيئية للجيل القادم ونحن نستهلك الموارد من دون حساب ووعي أو إدراك لخطورة الاستنزاف على مستقبل هذه الموارد، فكل قطرة ماء نوفرها وكل جهاز نقوم بإطفائه وكل ممارسة أو سلوك بوقف هذا التدهور والتلوث الحاصل في هذا الكوكب هو مساهمة حقيقية فعلية في حفظ المقدرات البيئية.
ونختتم هذا المقال بأن تكريس جهودنا للتوعية البيئية اليوم لا يقتصر على التوعية النظرية التي تم الانتهاء منها كمرحلة من مراحل نشر التوعية، بل يجب علينا الانتقال إلى مرحلة التطبيق الحقيقي لجميع ما اكتسبناه من معارف ومهارات في الشأن البيئي ومفاهيم الاستدامة والترشيد في الموارد والمياه؛ لذا فإننا اليوم مسؤولون ويقع على عاتقنا البدء بتحويل ثقافة الوعي إلى واقع ملموس، ونجعل من المواطنة البيئية أسلوب حياة. ونثبت قوًلا وفعًلا أن حب الوطن يبدأ من حماية أرضه وموارده وبيئته الذي تجسد هويته وتضمن عطاءه لكل أبنائه ومن يسكن على هذه الأرض الطيبة المعطاءة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك