العدد : ١٧٥٩٩ - السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٩ - السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ماذا بعد تكرار العدوان الإسرائيلي على «قوافل الصمود»؟

بقلم: د. منار الشوربجي

السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

الفضيحة‭ ‬التي‭ ‬فجرتها‭ ‬قافلة‭ ‬الصمود‭ ‬المتجهة‭ ‬إلى‭ ‬غزة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬التنكيل‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بمن‭ ‬كانوا‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬سفنها،‭ ‬وإنما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الغضب‭ ‬الغربي‭ ‬تجاهه‭!‬

‭ ‬ففي‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي،‭ ‬شاهد‭ ‬العالم‭ ‬مجرم‭ ‬الحرب‭ ‬إيتمار‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬وهو‭ ‬يحتفى،‭ ‬بصفته‭ ‬الرسمية،‭ ‬باعتقال‭ ‬المتطوعين‭ ‬في‭ ‬قافلة‭ ‬الصمود‭ ‬الذين‭ ‬شاهدهم‭ ‬القاصي‭ ‬والداني‭ ‬مقيدين‭ ‬ومجبرين‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬السجود‭ ‬للنشيد‭ ‬الوطني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بينما‭ ‬يسخر‭ ‬منهم‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬بسادية‭ ‬مريضة،‭ ‬ويقول‭ ‬لمن‭ ‬حوله‭: ‬‮«‬لا‭ ‬تلتفتوا‭ ‬لصرخاتهم‮»‬‭.‬

‭ ‬وتلك‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬ليست‭ ‬الفضيحة،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الإجرام،‭ ‬فإسرائيل‭ ‬تنكل‭ ‬بالمعتقلين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬بل‭ ‬وبغيرهم‭ ‬من‭ ‬الأجانب‭ ‬ممن‭ ‬يحيدون‭ ‬عن‭ ‬تأييد‭ ‬جرائمها‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬عشرات‭ ‬الأجانب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الجنسيات،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الغربية،‭ ‬على‭ ‬‮«‬قوافل‭ ‬الصمود‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تبحر‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬عقدين‭ ‬تقريبًا‭ ‬منذ‭ ‬فرض‭ ‬الحصار‭ ‬على‭ ‬غزة‭.‬

كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬التنكيل‭ ‬يحدث‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬أمام‭ ‬الكاميرات‭. ‬والفضيحة‭ ‬الحقيقية‭ ‬هي‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬علا‭ ‬صوتها‭ ‬الغاضب‭ ‬إزاء‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬لمواطنيها‭.‬

‭ ‬فوزيرة‭ ‬الخارجية‭ ‬البريطانية،‭ ‬مثلًا،‭ ‬أعربت‭ ‬عن‭ ‬‮«‬صدمتها‮»‬‭ ‬واعتبرت‭ ‬الواقعة‭ ‬‮«‬انتهاكًا‭ ‬لأبسط‭ ‬معايير‭ ‬الاحترام‭ ‬والكرامة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يعامل‭ ‬بها‭ ‬الإنسان‮»‬‭. ‬

والحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬الأخرى‭ ‬أطلقت‭ ‬تصريحات‭ ‬حملت‭ ‬مفردات‭ ‬مشابهة‭. ‬وهي‭ ‬مفردات‭ ‬تفضح‭ ‬العنصرية‭ ‬المقيتة‭. ‬فتلك‭ ‬الحكومات‭ ‬ذاتها‭ ‬لم‭ ‬تهتز‭ ‬لها‭ ‬شعرة‭ ‬حينما‭ ‬أبيدت‭ ‬غزة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتعرض‭ ‬للتجويع‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬ومسمع‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬ولم‭ ‬تنبس‭ ‬ببنت‭ ‬شفة‭ ‬حين‭ ‬تُنتزع‭ ‬الحياة‭ ‬ذاتها،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬الاحترام‭ ‬والكرامة،‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬واللبنانيين‭. ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الجرائم‭ ‬بالدعم‭ ‬وبالسلاح‭. ‬والفضيحة‭ ‬الكبرى‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الغضب‭ ‬مقطوع‭ ‬الصلة‭ ‬تمامًا‭ ‬بسياقه‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أصلًا‭.‬

وتلك‭ ‬الحكومات‭ ‬لم‭ ‬تنتفض‭ ‬حتى‭ ‬لمواطنيها‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬فأثناء‭ ‬القوافل‭ ‬السابقة،‭ ‬لم‭ ‬تنطق‭ ‬بحرف‭ ‬حين‭ ‬اختطفت‭ ‬إسرائيل‭ ‬مواطنيها‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬الدولية‭ ‬واعتقلتهم،‭ ‬ولم‭ ‬تحتج‭ ‬لدى‭ ‬إسرائيل‭ ‬ولا‭ ‬استدعت‭ ‬سفراءها‭ ‬وطالبتهم‭ ‬باعتذار،‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭.‬

القصة‭ ‬ببساطة،‭ ‬إذن،‭ ‬أن‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬أحرجهم‭ ‬عندما‭ ‬نقل‭ ‬بالصوت‭ ‬والصورة‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬إسرائيل‭ ‬دومًا‭ ‬بمواطنيهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قافلة‭. ‬عندئذٍ،‭ ‬وعندئذٍ‭ ‬فقط،‭ ‬اضطرت‭ ‬الحكومات‭ ‬اضطرارًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬شيئًا‭ ‬لأن‭ ‬جمهورها‭ ‬شاهد‭ ‬مواطنيهم‭ ‬يتعرضون‭ ‬لما‭ ‬تعرضوا‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬حكومة‭ ‬أجنبية‭. ‬

ولم‭ ‬يشفع‭ ‬لنتنياهو‭ ‬لدى‭ ‬هذا‭ ‬الجمهور‭ ‬أنه‭ ‬وصف‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الإسرائيلية‮»‬‭. ‬فهو‭ ‬شوهد‭ ‬قبلها‭ ‬بساعات‭ ‬يحتفى‭ ‬باختطاف‭ ‬المتطوعين‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬الدولية‭ ‬واعتقالهم‭.‬

أما‭ ‬الحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬فكانت‭ ‬الأكثر‭ ‬اتساقًا‭ ‬مع‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬تأييدها‭ ‬الأعمى‭. ‬فبينما‭ ‬شخصنت‭ ‬الموضوع‭ ‬فألقت‭ ‬باللوم‭ ‬على‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬وحده،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حكومته،‭ ‬فرضت‭ ‬وزارة‭ ‬المالية‭ ‬الأمريكية‭ ‬عقوبات‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬القافلة‭ ‬بعدما‭ ‬وصفتها‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬تدعم‭ ‬حماس‮»‬‭!‬

أما‭ ‬قافلة‭ ‬الصمود‭ ‬نفسها،‭ ‬فالذين‭ ‬تطوعوا‭ ‬على‭ ‬متنها‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬بحرية‭ ‬طويلة‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬كانوا،‭ ‬مثلهم‭ ‬مثل‭ ‬من‭ ‬سبقوهم،‭ ‬يعرفون‭ ‬جيدًا‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يلاقون‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬إسرائيل،‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البحر‭ ‬أو‭ ‬رهن‭ ‬الاعتقال،‭ ‬ولكن‭ ‬هدفهم‭ ‬الرئيسي‭ ‬كان‭ ‬عدم‭ ‬السماح‭ ‬للعالم‭ ‬بأن‭ ‬يشيح‭ ‬ببصره‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬غزة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أعلن‭ ‬ترامب‭ ‬ما‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬زورًا‭ ‬اتفاق‭ ‬‮«‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‮»‬‭ ‬برعاية‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭. ‬

فإسرائيل‭ ‬قتلت‭ ‬من‭ ‬وقتها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثمانمائة‭ ‬فلسطيني‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تمنع‭ ‬الأغلبية‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬غزة‭. ‬

لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الأهم‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬جرى،‭ ‬ورغم‭ ‬التنكيل‭ ‬الذي‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬أصحاب‭ ‬الضمائر‭ ‬الحية‭ ‬أنهم‭ ‬نجحوا‭ ‬بجدارة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬هدفهم‭! ‬وبن‭ ‬غفير‭ ‬ساعدهم‭ ‬بنفسه‭ ‬حين‭ ‬نجح‭ ‬وحده‭ ‬في‭ ‬تبديد‭ ‬ملايين‭ ‬الدولارات‭ ‬التي‭ ‬تنفقها‭ ‬حكومته‭ ‬على‭ ‬الدعاية‭ ‬في‭ ‬الغرب‭!‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا