الفضيحة التي فجرتها قافلة الصمود المتجهة إلى غزة لم تكن التنكيل الإسرائيلي بمن كانوا على متن سفنها، وإنما كانت في الغضب الغربي تجاهه!
ففي الأسبوع الماضي، شاهد العالم مجرم الحرب إيتمار بن غفير وهو يحتفى، بصفته الرسمية، باعتقال المتطوعين في قافلة الصمود الذين شاهدهم القاصي والداني مقيدين ومجبرين على وضع السجود للنشيد الوطني الإسرائيلي بينما يسخر منهم بن غفير بسادية مريضة، ويقول لمن حوله: «لا تلتفتوا لصرخاتهم».
وتلك في تقديري ليست الفضيحة، إذ لا جديد في ذلك الإجرام، فإسرائيل تنكل بالمعتقلين الفلسطينيين منذ عقود طويلة بل وبغيرهم من الأجانب ممن يحيدون عن تأييد جرائمها.
إن هذا بالضبط ما حدث مع عشرات الأجانب من كل الجنسيات، بما فيها الغربية، على «قوافل الصمود» التي تبحر على مدار عقدين تقريبًا منذ فرض الحصار على غزة.
كل ما في الأمر أن التنكيل يحدث هذه المرة أمام الكاميرات. والفضيحة الحقيقية هي رد فعل الحكومات الغربية التي علا صوتها الغاضب إزاء ما جرى لمواطنيها.
فوزيرة الخارجية البريطانية، مثلًا، أعربت عن «صدمتها» واعتبرت الواقعة «انتهاكًا لأبسط معايير الاحترام والكرامة التي ينبغي أن يعامل بها الإنسان».
والحكومات الغربية الأخرى أطلقت تصريحات حملت مفردات مشابهة. وهي مفردات تفضح العنصرية المقيتة. فتلك الحكومات ذاتها لم تهتز لها شعرة حينما أبيدت غزة التي لا تزال تتعرض للتجويع على مرأى ومسمع من العالم، ولم تنبس ببنت شفة حين تُنتزع الحياة ذاتها، لا مجرد الاحترام والكرامة، من الفلسطينيين واللبنانيين. بل إنها شاركت في تلك الجرائم بالدعم وبالسلاح. والفضيحة الكبرى هي أن ذلك الغضب مقطوع الصلة تمامًا بسياقه الفلسطيني أصلًا.
وتلك الحكومات لم تنتفض حتى لمواطنيها من قبل. فأثناء القوافل السابقة، لم تنطق بحرف حين اختطفت إسرائيل مواطنيها في المياه الدولية واعتقلتهم، ولم تحتج لدى إسرائيل ولا استدعت سفراءها وطالبتهم باعتذار، كما فعلت هذه المرة.
القصة ببساطة، إذن، أن بن غفير أحرجهم عندما نقل بالصوت والصورة ما تفعله إسرائيل دومًا بمواطنيهم في كل قافلة. عندئذٍ، وعندئذٍ فقط، اضطرت الحكومات اضطرارًا إلى أن تفعل شيئًا لأن جمهورها شاهد مواطنيهم يتعرضون لما تعرضوا له من جانب حكومة أجنبية.
ولم يشفع لنتنياهو لدى هذا الجمهور أنه وصف ما فعله بن غفير بأنه «لا يعبر عن القيم الإسرائيلية». فهو شوهد قبلها بساعات يحتفى باختطاف المتطوعين في المياه الدولية واعتقالهم.
أما الحكومة الأمريكية فكانت الأكثر اتساقًا مع نفسها في تأييدها الأعمى. فبينما شخصنت الموضوع فألقت باللوم على بن غفير وحده، من دون حكومته، فرضت وزارة المالية الأمريكية عقوبات على بعض المشاركين في القافلة بعدما وصفتها بأنها «تدعم حماس»!
أما قافلة الصمود نفسها، فالذين تطوعوا على متنها في رحلة بحرية طويلة محفوفة بالمخاطر، كانوا، مثلهم مثل من سبقوهم، يعرفون جيدًا ما قد يلاقون على يد إسرائيل، في عرض البحر أو رهن الاعتقال، ولكن هدفهم الرئيسي كان عدم السماح للعالم بأن يشيح ببصره بعيدًا عن غزة بعد أن أعلن ترامب ما يطلق عليه زورًا اتفاق «وقف إطلاق النار» برعاية مجلس السلام.
فإسرائيل قتلت من وقتها أكثر من ثمانمائة فلسطيني ولا تزال تمنع الأغلبية الساحقة من المساعدات الإنسانية من دخول غزة.
لذلك، فإن الأهم على الإطلاق في كل ما جرى، ورغم التنكيل الذي تعرض له أصحاب الضمائر الحية أنهم نجحوا بجدارة في تحقيق هدفهم! وبن غفير ساعدهم بنفسه حين نجح وحده في تبديد ملايين الدولارات التي تنفقها حكومته على الدعاية في الغرب!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك