الخطة الصهيونية لتهويد المسجد الأقصى ورفع الوصاية الأردنية عنه وإنهاء الإشراف الإداري للأوقاف الإسلامية عليه، تسير وفق خطة أمريكية يتبناها صهر الرئيس الأمريكي ترامب كوشنير، تاجر العقارات والصفقات وصاحب مشاريع السلام الاقتصادي والأمني بالإضافة إلى السفير الأمريكي المتصهين في تل أبيب مايك هاكابي، والخطة تنص على إنهاء الدور الأردني على الأقصى، الوصاية المتوارثة منذ عام 1924، وتأسيس إدارة إسرائيلية له، وتحويله إلى مقدس مشترك للديانات الثلاث.
وقد أشار موقع ميدل ايست أي، إلى أن الخطة تتضمن إلغاء الإشراف الإداري للأوقاف على الأقصى، وتشكيل إدارة إسرائيلية له، يكون لها الحق في تعيين الأئمة والخطباء وكبار المسؤولين، ولها الحق أيضاً في الموافقة على مضمون خطب الجمعة والخطباء، وبموجب الخطة سيسمح للمستوطنين بالوصول إلى المسجد الأقصى، وإقامة صلواتهم علانية في ساحاته، وسيتم تحويله إلى مقدس مشترك لأتباع الديانات الثلاث.
وقد استبقت إسرائيل تلك الخطة بإصرار قائد شرطة القدس الإسرائيلي على أن تجري اجتماعات من قبل إدارة الأوقاف مع الشرطة الإسرائيلية في مركز الشرطة الإسرائيلي في البلدة القديمة، حيث رفضت الأوقاف التعاطي مع هذا الطلب، لأنه يعني بأن دولة الاحتلال، هي مرجعية الأقصى والسيادة عليه، ولكن هناك إصرار من قائد شرطة الاحتلال على عقد لقاءات بين إدارة الأوقاف والشرطة الإسرائيلية في مركز الشرطة في الأقصى.
ولعل هذه الخطة جرى التمهيد لها بخطوات تهويدية تمثلت في، القيام بإدخال أوراق وكتب الصلاة للأقصى، والقراءة منها علناً في صلوات جماعية، وإقرار مشروعي قرارين تهويديين بالقراءة التمهيدية في الكنيست، الأول ينزع القدسية عن ساحات المسجد الأقصى، ويحولها إلى ساحات بلدية عامة، وحصر المسجد الأقصى فقط بالمسقوف من مساحة الأقصى الـ144 دونما، وهذا يعني بأنه يحق لأتباع الديانات الأخرى أداء طقوسهم وصلواتهم التلمودية والتوراتية في ساحات الأقصى، دون أن يكون بوسع دائرة الأوقاف، أو حراس المسجد الأقصى منعهم عن القيام بتلك الصلوات والطقوس التلمودية، فهم سيتعرضون للاعتقال والمحاكمة والإبعاد عن الأقصى والإقامة الجبرية والحبس المنزلي.
أما مشروع القانون الثاني المعروف بقانون «إنقاذ حائط المبكى»، فهو ينطوي على تغيرات كبيرة على وضع المسجد الأقصى، بحيث ينزع الطابع التعليمي والاجتماعي عنه، ويجري إغلاق مدارس الأقصى فيه، وكذلك منع المناسبات الاجتماعية، لقاء العائلات وممارسة الأطفال للعبة كرة القدم وغيرها من الألعاب في ساحات الأقصى.
بعد ذلك عمد الاحتلال إلى استهداف البنيتين الإدارية والإعلامية، معتقداُ بأن عملية التهويد، لن تكون بشكل مجرد من دون موافقة الأوقاف الإسلامية نفسها، فعمد إلى استهداف دائرة الأوقاف مباشرة، لإضعاف دورها في البداية، ومن ثم إنهائه بشكل نهائي تمهيداً لإلغاء الوصاية الأردنية على الأقصى.
فقد جرى استدعاء الشيخ عزام الخطيب رئيس دائرة ومجلس الأوقاف الإسلامية ومعه الشيخ عمر الكسواني إلى مقر شرطة الاحتلال الرئيسي في البلدة القديمة، وقد رفضا الذهاب، حيث إن ذلك يشكل سابقة سياسية خطيرة، والاعتراف بأن مرجعية الأقصى هي دولة الاحتلال، وكذلك يعني ذلك فرض السيادة الإسرائيلية عليه.
رِفض الشيخ عزام ومعه الشيخ عمر الكسواني كان متوقعاً، ولذلك صعدت إسرائيل من هجمتها على الأوقاف الإسلامية، لإضعاف قدرتها الإدارية على إدارة شهر رمضان المبارك، حيث عمدت إلى استهداف الدائرة المحيطة بالشيخ عزام، خاصة حراس الأقصى، والذين هم موظفون أردنيون تدفع رواتبهم الأردن، وقد جرى إبعاد واعتقال أكثر من 49 منهم عن الأقصى، وترافق ذلك من منع الأوقاف من تركيب المظلات في ساحات الأقصى للحماية من البرد وأيضاً عدم إدخال الوجبات للصائمين على الإفطار، ووجبات السحور للحراس، وكذلك منع الترتيبات اللوجستية المتعلقة باستقبال المصلين.
الاحتلال يدرك أن وسائل الإعلام، هي الخطر على صورته وعلى ما يقوم به من إجراءات وممارسات بحق الأقصى والمصلين وغيرهم، ولذلك عمد إلى شن حملة إبعادات واسعة بحق الصحفيين عن الأقصى، والتنكيل بهم، واعتقال العديد منهم، ولم يكتف الاحتلال بذلك، بل قام بحظر العديد من المنصات الإعلامية الكبرى، وهي التي تتمتع بحضور كبير وواسع عربياً وإسلامياُ، في نقل ما يجري بحق الأقصى من اقتحامات وممارسات واستفزازات بحق المصلين والمرابطين وغيرهم. حيث أصدر وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، قراراً بحظر منصات قدس بلس والمعراج والعاصمة.
إسرائيل في سياق استراتيجيتها لتهويد الأقصى، لجأت إلى استراتيجية أكثر عمقاً وخطراً، وتقلل من مخاطر خروج الأوضاع عن السيطرة، والذهاب إلى مواجهات واسعة مع العالمين العربي والإسلامي، ضمن ما يعرف بإستراتيجية «التفكيك الصامت» للوضع القانوني والديني والتاريخي والدولي للأقصى، من خلال إعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزية عليه، بالانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه عبر وسائل قانونية وأمنية.
فالاحتلال يرى في هذه الأيام فرصته الذهبية التاريخية لتحقيق طموحاته في المسجد الأقصى بالكامل، ووضعه تحت السيطرة الإسرائيلية التامة كما فعل في المسجد الإبراهيمي في الخليل. خاصة أن إسرائيل قد شكلت بالفعل ما يسمى: «إدارة جبل المعبد المكونة من عدد من أبناء تيار الصهيونية الدينية المتطرف، وتتعامل معه وكأنه أمر واقع.
لذا يمكن أن تعلن إسرائيل نقل إدارة المسجد الأقصى إلى ما يسمى: «إدارة جبل المعبد»، كما فعلت عندما نقلت الإدارة الدينية للمسجد الإبراهيمي مطلع هذا العام إلى المجلس الديني لمستوطنة كريات أربع، وليس حتى إلى وزارة الأديان.
إن إسرائيل اليوم في ذروة الغرور والعنجهية لم تعد تفكر بعقلها كما كانت إبان فترة حكومات اليسار واليمين القومي قبل حكومة 2022 الحالية ذات التوجهات الصهيونية الدينية المسيحانية. وهذه مسألة حاسمة في فهم تصرفات إسرائيل الحالية. فهي لا تضع في الاعتبار حسابات سياسية أصلا.
{ كاتب ومحلل فلسطيني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك