العدد : ١٧٦٠١ - الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠١ - الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

القرآن الكريم.. وحدائق الحيوان

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

ورد‭ ‬ذكر‭ ‬الحيوان‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬كثيرًا‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬الذم‭ ‬والثناء،‭ ‬وذكر‭ ‬أيضًا‭ ‬وهم‭ ‬يقومون‭ ‬بمهمات،‭ ‬وهذه‭ ‬المهمات‭ ‬بعضها‭ ‬لإثبات‭ ‬ما‭ ‬أوحى‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬به،‭ ‬وبعضها‭ ‬مما‭ ‬تبرع‭ ‬به‭ ‬الحيوان‭ ‬بنفسه‭ ‬في‭ ‬أدائها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تكليف،‭ ‬وهذه‭ ‬الحيوانات‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬مقام‭ ‬كريم،‭ ‬فهدهد‭ ‬نبي‭ ‬الله‭ ‬سليمان‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬تبرع‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬نفسه‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬تكليف‭ ‬من‭ ‬نبي‭ ‬الله‭ ‬سليمان‭ ‬بتوصيل‭ ‬المراسلات‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬بين‭ ‬ملكة‭ ‬سبأ‭ ‬والملك‭ ‬سليمان،‭ ‬والسياق‭ ‬القرآني‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭.‬

و»جاء‮»‬‭ ‬فعل‭ ‬ماضٍ‭ ‬حدث‭ ‬وانتهى،‭ ‬فكيف‭ ‬يتفق‭ ‬الفعل‭ ‬الماضي‭ ‬والفعل‭ ‬الحاضر‭ ‬والمستقبل؟‭! ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فهما‭ ‬خاصا‭ ‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬إدراكه‭ ‬والغوص‭ ‬في‭ ‬أعماقه‭! ‬الفعل‭ ‬الماضي‭ ‬يفيد‭ ‬معنى‭ ‬التحقق،‭ ‬والفعل‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬يفيد‭ ‬عدم‭ ‬التحقق‭ ‬ولكنه‭ ‬وعد‭ ‬بأن‭ ‬يتحقق،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الفعل‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه،‭ ‬فضمان‭ ‬التحقق‭ ‬واجب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتخلف‭ ‬لكن‭ ‬وروده‭ ‬بصيغة‭ ‬الماضي‭ ‬يفيد‭ ‬حتمية‭ ‬التحقق،‭ ‬فكأن‭ ‬الماضي‭ ‬بوروده‭ ‬في‭ ‬صيغة‭ ‬الماضي‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬وأن‭ ‬يتحقق‭ ‬دون‭ ‬ريب،‭ ‬والضمان‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬لرده‭ ‬أو‭ ‬الشك‭ ‬فيه،‭ ‬ومجيء‭ ‬اللفظ‭ ‬‮«‬سبحانه‮»‬‭ ‬هو‭ ‬تنزيه‭ ‬الخالق‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يوجه‭ ‬إلى‭ ‬الخالق‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬أو‭ ‬ريبة،‭ ‬وأنه‭ ‬جل‭ ‬جلاله،‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬وفي‭ ‬صفاته‭ ‬وأفعاله،‭ ‬فإذا‭ ‬قال‭ ‬سبحانه‭: (‬أتى‭ ‬أمر‭ ‬الله‭) ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬أتى‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬حقًا‭.‬

ومعلوم‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الأقوال‭ ‬والأفعال‭ ‬التي‭ ‬تستهل‭ ‬بالتسبيح‭ ‬منها‭ ‬تنزيه‭ ‬للخالق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يعتري‭ ‬أفعاله‭ ‬بما‭ ‬يطرأ‭ ‬على‭ ‬البشر‭ ‬من‭ ‬أحوال،‭ ‬ولذلك‭ ‬حين‭ ‬يستهل‭ ‬الحق‭ ‬أحواله‭ ‬وما‭ ‬يجريه‭ ‬على‭ ‬عباده‭ ‬من‭ ‬أطوار‭ ‬يتقلبون‭ ‬فيها‭ ‬فيعني‭ ‬هذا‭ ‬أنهم‭ ‬أغيار‭ ‬أبناء‭ ‬أغيار،‭ ‬ويجوز‭ ‬عليهم‭ ‬ما‭ ‬يجوز‭ ‬على‭ ‬أمثالهم‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬فالله‭ ‬تعالى‭ ‬هو‭ ‬الخالق‭ ‬لا‭ ‬شريك‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬ند‭ ‬له‭ ‬وله‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬فيما‭ ‬توعد‭ ‬أو‭ ‬وعد،‭ ‬ومن‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬وكمال‭ ‬فضله‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬يعود‭ ‬فيما‭ ‬توعد‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬فيما‭ ‬وعد،‭ ‬وله‭ ‬سبحانه‭ ‬الفضل‭ ‬والمنة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬ولا‭ ‬يقدر‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬سواه‭ ‬فهو‭ ‬جل‭ ‬جلاله‭ ‬لن‭ ‬تغنيه‭ ‬طاعتنا،‭ ‬ولن‭ ‬تفقره‭ ‬معاصينا‭ ‬سبحانه،‭ ‬فهو‭ ‬غني‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬وأفعاله‭ ‬وصفاته‭ ‬فنحن‭ ‬المحتاجون‭ ‬إليه،‭ ‬ولقد‭ ‬ذكر‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحدائق‭ ‬منها‭: ‬حدائق‭ ‬الحيوان‭ ‬وحدائق‭ ‬الطيور‭ ‬وحدائق‭ ‬للحشرات،‭ ‬ومن‭ ‬حدائق‭ ‬الحيوان‭ ‬الحمير‭ ‬والجمال،‭ ‬ومن‭ ‬حدائق‭ ‬الطيور‭ ‬الهدهد‭ ‬الذي‭ ‬ألزم‭ ‬نفسه‭ ‬بأن‭ ‬يأتيه‭ ‬بالأخبار‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكلفه‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يتسلم‭ ‬تكليفًا‭ ‬من‭ ‬نبي‭ ‬الله‭ ‬سليمان،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حكاه‭ ‬القرآن‭ ‬عن‭ ‬ملكة‭ ‬سبأ،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتسلم‭ ‬تكليفًا‭ ‬من‭ ‬نبي‭ ‬الله‭ ‬سليمان،‭ ‬فيشعر‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬تجاه‭ ‬عقيدته،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يوضحه‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬مملكة‭ ‬عظيمة‭ ‬الشأن،‭ ‬متماسكة‭ ‬البنيان،‭ ‬هذه‭ ‬المملكة‭ ‬تحكمها‭ ‬امرأة‭ ‬وهذه‭ ‬المرأة‭ ‬أوتيت‭ ‬وعيًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬حيث‭ ‬تقوم‭ ‬أركان‭ ‬دولتها‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬دستوري‭ ‬حيث‭ ‬تلزم‭ ‬نفسها‭ ‬بمجلس‭ ‬نيابي‭ ‬تعود‭ ‬إليه‭ ‬حين‭ ‬تتعرض‭ ‬دولتها‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭ ‬محقق،‭ ‬فنراها‭ ‬حين‭ ‬أرادت‭ ‬اختبار‭ ‬الملك‭ ‬سليمان‭ ‬أرسلت‭ ‬إليه‭ ‬بهدية‭ ‬لتختبر‭ ‬نياته‭ ‬ولتتبين‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬رجل‭ ‬حرب‭ ‬أم‭ ‬رجل‭ ‬سلام،‭ ‬فلما‭ ‬علمت‭ ‬منه‭ ‬صدق‭ ‬نيته‭ ‬أقبلت‭ ‬عليه‭ ‬مسلمة،‭ ‬ولقد‭ ‬جاء‭ ‬بيان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬إجمال‭ ‬غير‭ ‬مخل‭ ‬فًي‭ ‬التقرير‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬الهدهد،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬قالت‭ ‬يا‭ ‬أيها‭ ‬الملأ‭ ‬إنّي‭ ‬ألقي‭ ‬إليّ‭ ‬كتاب‭ ‬كريم‭ (‬29‭) ‬إنه‭ ‬من‭ ‬سليمان‭ ‬وإنه‭ ‬بسم‭ ‬الله‭ ‬الرحمن‭ ‬الرحيم‭ (‬30‭ )‬‮»‬‭ ‬النمل‭.‬

وتلت‭ ‬عليهم‭ ‬فحوى‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬وما‭ ‬يتضمنه‭ ‬من‭ ‬تهديد‭ ‬ووعيد‭ ‬واستشارت‭ ‬ملأها‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الرد‭ ‬المناسب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬وكان‭ ‬رد‭ ‬مجلس‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬مملكتها‭ ‬هو‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬لكنها‭ ‬اختارت‭ ‬السلم،‭ ‬ولقد‭ ‬تبين‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬سليمان‭ ‬ليس‭ ‬ملك‭ ‬دنيا‭ ‬بل‭ ‬ملك‭ ‬دين،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬معه‭ ‬ما‭ ‬قصه‭ ‬القرآن‭ ‬علينا‭.‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬انتهى‭ ‬إليه‭ ‬أمر‭ ‬الهدهد‭ ‬حول‭ ‬السبب‭ ‬لتغيبه،‭ ‬وأن‭ ‬غياب‭ ‬الهدهد‭ ‬كان‭ ‬مثمرًا،‭ ‬وأن‭ ‬تغيبه‭ ‬لم‭ ‬يذهب‭ ‬سدى‭.‬

أما‭ ‬قصة‭ ‬الغراب‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬قابيل‭ ‬في‭ ‬حيرة‭ ‬من‭ ‬أمره‭ ‬كيف‭ ‬يواري‭ ‬سوأة‭ ‬أخيه‭ ‬المقتول‭ ‬في‭ ‬جريمة‭ ‬تحدث‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هنالك‭ ‬عهد‭ ‬بمثلها‭ ‬وعندما‭ ‬شاهد‭ ‬غرابا‭ ‬يحمل‭ ‬على‭ ‬ظهره‭ ‬غرابًا‭ ‬ميتًا‭ ‬وشاهد‭ ‬فعل‭ ‬الغراب‭ ‬ذلك‭ ‬كيف‭ ‬يواري‭ ‬سوأة‭ ‬أخيه،‭ ‬فندم‭ ‬قابيل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الغراب‭ ‬فيواري‭ ‬سوأة‭ ‬أخيه‭ ‬فكان‭ ‬من‭ ‬النادمين‭.‬

هذه‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬حدائق‭ ‬الحيوانات‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬تلفت‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬حكمة‭ ‬الخالق‭ ‬سبحانه‭ ‬من‭ ‬خلقه،‭ ‬وسر‭ ‬من‭ ‬أسراره‭ ‬فيما‭ ‬يجريه‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬وأن‭ ‬الإنسان‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يتعلم‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬أصغر‭ ‬مخلوقات‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا