ورد ذكر الحيوان في القرآن الكريم كثيرًا في معرض الذم والثناء، وذكر أيضًا وهم يقومون بمهمات، وهذه المهمات بعضها لإثبات ما أوحى الله تعالى به، وبعضها مما تبرع به الحيوان بنفسه في أدائها من دون تكليف، وهذه الحيوانات لها في القرآن الكريم، مقام كريم، فهدهد نبي الله سليمان عليه السلام الذي تبرع من تلقاء نفسه ومن دون تكليف من نبي الله سليمان بتوصيل المراسلات التي تمت بين ملكة سبأ والملك سليمان، والسياق القرآني يشير إلى ذلك.
و»جاء» فعل ماضٍ حدث وانتهى، فكيف يتفق الفعل الماضي والفعل الحاضر والمستقبل؟! لا شك أن هناك فهما خاصا يجب علينا إدراكه والغوص في أعماقه! الفعل الماضي يفيد معنى التحقق، والفعل في المستقبل يفيد عدم التحقق ولكنه وعد بأن يتحقق، وإذا كان الفعل صادر عن الحق سبحانه، فضمان التحقق واجب لا يمكن أن يتخلف لكن وروده بصيغة الماضي يفيد حتمية التحقق، فكأن الماضي بوروده في صيغة الماضي لا بد وأن يتحقق دون ريب، والضمان الذي لا مجال لرده أو الشك فيه، ومجيء اللفظ «سبحانه» هو تنزيه الخالق عن كل ما قد يوجه إلى الخالق من شك أو ريبة، وأنه جل جلاله، في ذاته وفي صفاته وأفعاله، فإذا قال سبحانه: (أتى أمر الله) فهذا يعني أنه قد أتى حتى ولو لم يأت حقًا.
ومعلوم أن كل الأقوال والأفعال التي تستهل بالتسبيح منها تنزيه للخالق من أن يعتري أفعاله بما يطرأ على البشر من أحوال، ولذلك حين يستهل الحق أحواله وما يجريه على عباده من أطوار يتقلبون فيها فيعني هذا أنهم أغيار أبناء أغيار، ويجوز عليهم ما يجوز على أمثالهم من البشر، فالله تعالى هو الخالق لا شريك له ولا ند له وله أن يعود فيما توعد أو وعد، ومن رحمة الله تعالى وكمال فضله أنه قد يعود فيما توعد لكنه لا يعود فيما وعد، وله سبحانه الفضل والمنة في ذلك كله، ولا يقدر على ذلك سواه فهو جل جلاله لن تغنيه طاعتنا، ولن تفقره معاصينا سبحانه، فهو غني في ذاته وأفعاله وصفاته فنحن المحتاجون إليه، ولقد ذكر القرآن الكريم مجموعة من الحدائق منها: حدائق الحيوان وحدائق الطيور وحدائق للحشرات، ومن حدائق الحيوان الحمير والجمال، ومن حدائق الطيور الهدهد الذي ألزم نفسه بأن يأتيه بالأخبار دون أن يكلفه أحد أن يتسلم تكليفًا من نبي الله سليمان، وهذا ما حكاه القرآن عن ملكة سبأ، دون أن يتسلم تكليفًا من نبي الله سليمان، فيشعر بالمسؤولية تجاه عقيدته، وهذا ما يوضحه لنا عن مملكة عظيمة الشأن، متماسكة البنيان، هذه المملكة تحكمها امرأة وهذه المرأة أوتيت وعيًا سياسيًا حيث تقوم أركان دولتها على نظام دستوري حيث تلزم نفسها بمجلس نيابي تعود إليه حين تتعرض دولتها إلى خطر محقق، فنراها حين أرادت اختبار الملك سليمان أرسلت إليه بهدية لتختبر نياته ولتتبين هل هو رجل حرب أم رجل سلام، فلما علمت منه صدق نيته أقبلت عليه مسلمة، ولقد جاء بيان ذلك في إجمال غير مخل فًي التقرير الذي قدمه الهدهد، قال تعالى: «قالت يا أيها الملأ إنّي ألقي إليّ كتاب كريم (29) إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30 )» النمل.
وتلت عليهم فحوى هذا الكتاب، وما يتضمنه من تهديد ووعيد واستشارت ملأها في اختيار الرد المناسب على هذا الكتاب، وكان رد مجلس الحكم في مملكتها هو اللجوء إلى القوة لكنها اختارت السلم، ولقد تبين لها أن سليمان ليس ملك دنيا بل ملك دين، وكان من شأنها معه ما قصه القرآن علينا.
هذا ما انتهى إليه أمر الهدهد حول السبب لتغيبه، وأن غياب الهدهد كان مثمرًا، وأن تغيبه لم يذهب سدى.
أما قصة الغراب فقد كان قابيل في حيرة من أمره كيف يواري سوأة أخيه المقتول في جريمة تحدث لأول مرة، ولم يكن هنالك عهد بمثلها وعندما شاهد غرابا يحمل على ظهره غرابًا ميتًا وشاهد فعل الغراب ذلك كيف يواري سوأة أخيه، فندم قابيل على ذلك أنه لم يكن مثل هذا الغراب فيواري سوأة أخيه فكان من النادمين.
هذه نماذج من حدائق الحيوانات في القرآن الكريم تلفت نظرنا إلى حكمة الخالق سبحانه من خلقه، وسر من أسراره فيما يجريه في كونه وأن الإنسان له أن يتعلم حتى من أصغر مخلوقات الله تعالى.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك