العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة التدخين ..
بريطانيا تحمي أطفالها من السيجارة والشاشة

بقلم: نبيلة رجب

الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

كنت‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬لسيارتي‭ ‬قرب‭ ‬أحد‭ ‬المحلات‭ ‬التجارية،‭ ‬حين‭ ‬لفت‭ ‬نظري‭ ‬مشهدا‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬الطريق‭ ‬أربكني‭. ‬أطفال‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬عمر‭ ‬أكبرهم‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة،‭ ‬يمسكون‭ ‬بأعواد‭ ‬التدخين،‭ ‬يتوارون‭ ‬عن‭ ‬الأنظار،‭ ‬وفي‭ ‬عيونهم‭ ‬ذلك‭ ‬الخليط‭ ‬الغريب‭ ‬من‭ ‬الجرأة‭ ‬والخوف‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭.‬

توقفت‭ ‬لحظة‭. ‬كنت‭ ‬أفكر‭: ‬من‭ ‬أين‭ ‬جاء‭ ‬هؤلاء‭ ‬بهذه‭ ‬السيجارة؟‭ ‬وهل‭ ‬يعرف‭ ‬آباؤهم‭ ‬ما‭ ‬يفعلون؟‭ ‬وهل‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬الطفل‭ ‬أنه‭ ‬يخطئ‭ ‬حتى‭ ‬يتوقف؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬شيئاً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬يحتاجه؟

المشهد‭ ‬مألوف‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬نتمنى‭. ‬تدخين‭ ‬المراهقين‭ ‬سلوك‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬ولا‭ ‬يظهر‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬نصطدم‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬لم‭ ‬نتوقعه‭. ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬الأمر‭ ‬تعقيداً‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬يختبئون‭ ‬لأنهم‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يفعلونه‭ ‬خطأ،‭ ‬لكن‭ ‬المعرفة‭ ‬وحدها‭ ‬لم‭ ‬تحمِ‭ ‬يوما‭ ‬طفلا‭ ‬من‭ ‬نفسه‭.‬

هنا‭ ‬تحديدا‭ ‬يكمن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يؤرق‭ ‬كل‭ ‬أب‭ ‬وأم،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬يعنيه‭ ‬أمر‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭: ‬هل‭ ‬تكفي‭ ‬الأسرة‭ ‬وحدها‭ ‬لحماية‭ ‬أطفالها،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬دورا‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬للقانون؟

في‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي‭ ‬أصبح‭ ‬قانون‭ ‬التبغ‭ ‬والسجائر‭ ‬البريطاني‭ ‬رسميا،‭ ‬ليجعل‭ ‬بيع‭ ‬التبغ‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬وُلد‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬يناير‭ ‬2009‭ ‬أو‭ ‬بعده‭ ‬أمراً‭ ‬غير‭ ‬قانوني‭ ‬إلى‭ ‬الأبد،‭ ‬وسيدخل‭ ‬التطبيق‭ ‬الفعلي‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬مطلع‭ ‬عام‭ ‬2027‭. ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬يبلغ‭ ‬اليوم‭ ‬خمس‭ ‬عشرة‭ ‬سنة‭ ‬لن‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬شراء‭ ‬سيجارة‭ ‬واحدة‭ ‬طوال‭ ‬حياته،‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭. ‬بريطانيا‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬تحمي‭ ‬جيلاً‭ ‬كاملاً‭ ‬من‭ ‬نفسه‭.‬

ثمة‭ ‬قرار‭ ‬بريطاني‭ ‬ثانٍ‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬الباب‭ ‬ذاته‭. ‬نقاش‭ ‬حاد‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬حول‭ ‬حظر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬دون‭ ‬السادسة‭ ‬عشرة،‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬الطفل‭ ‬على‭ ‬شاشته‭ ‬يشكّله‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تشكّله‭ ‬المدرسة‭ ‬والبيت‭.‬

طفل‭ ‬في‭ ‬الثالثة‭ ‬عشرة‭ ‬يقضي‭ ‬ساعات‭ ‬يومه‭ ‬في‭ ‬عوالم‭ ‬لم‭ ‬يُصمَّم‭ ‬أي‭ ‬منها‭ ‬لحمايته،‭ ‬يتلقى‭ ‬صوراً‭ ‬ورسائل‭ ‬وأفكاراً‭ ‬لم‭ ‬يطلبها‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬مستعداً‭ ‬لها‭. ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬ينمو‭ ‬وعقله‭ ‬مفتوح‭ ‬على‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬سنّه‭ ‬ولا‭ ‬يبالي‭ ‬بسلامته‭. ‬بريطانيا‭ ‬قررت‭ ‬ألا‭ ‬تتركه‭ ‬وحده‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭.‬

وبريطانيا‭ ‬ليست‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭. ‬أستراليا‭ ‬سبقتها‭ ‬بتشريع‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬دون‭ ‬السادسة‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬حسابات‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وفرنسا‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬ذاته‭. ‬العالم‭ ‬بات‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬حماية‭ ‬الطفل‭ ‬الرقمي‭ ‬كما‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬حماية‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬التبغ،‭ ‬حقاً‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬الأسرة‭ ‬وحدها‭ ‬أدواته‭.‬

ما‭ ‬تفعله‭ ‬بريطانيا‭ ‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬أقرب،‭ ‬سؤال‭ ‬عن‭ ‬أطفالنا‭ ‬نحن‭ ‬وعن‭ ‬الأسرة‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المتسارع‭. ‬الأسرة‭ ‬البحرينية‭ ‬تحب‭ ‬أبناءها‭ ‬وتخاف‭ ‬عليهم،‭ ‬وهذا‭ ‬الحب‭ ‬حقيقي‭ ‬وعميق‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭. ‬لكن‭ ‬الطفل‭ ‬اليوم‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬عالمين‭ ‬متوازيين،‭ ‬عالم‭ ‬البيت‭ ‬الذي‭ ‬يعرفه‭ ‬أهله،‭ ‬وعالم‭ ‬الشاشة‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يراه‭ ‬أحد‭. ‬والحب‭ ‬وحده‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يوماً‭ ‬سياجا‭ ‬كافيا‭ ‬أمام‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭.‬

البحرين‭ ‬أصدرت‭ ‬قانون‭ ‬مكافحة‭ ‬التدخين‭ ‬عام‭ ‬2009،‭ ‬ويحظر‭ ‬صراحةً‭ ‬بيع‭ ‬التبغ‭ ‬لمن‭ ‬هم‭ ‬دون‭ ‬الثامنة‭ ‬عشرة‭. ‬القانون‭ ‬موجود‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬والنص‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬التأويل‭. ‬لكن‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬رأيتهم‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الزاوية‭ ‬حصلوا‭ ‬على‭ ‬سجائرهم‭ ‬بطريقة‭ ‬ما‭.‬

الفجوة‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬القانوني‭ ‬والواقع‭ ‬المعاش‭ ‬هي‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬يضيع‭ ‬فيها‭ ‬أطفالنا‭. ‬أما‭ ‬الشاشة‭ ‬وما‭ ‬تحمله،‭ ‬فثمة‭ ‬وعي‭ ‬متنامٍ‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬بضرورة‭ ‬حماية‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬مخاطرها،‭ ‬ونأمل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬قريباً‭ ‬إلى‭ ‬تشريعات‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة‭ ‬تحمي‭ ‬أبناء‭ ‬مرحلة‭ ‬كاملة‭.‬

الطفل‭ ‬يبحث‭ ‬دائماً‭ ‬عن‭ ‬زاوية‭. ‬إما‭ ‬زاوية‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬يختبئ‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬الأنظار،‭ ‬أو‭ ‬زاوية‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬يشعر‭ ‬فيها‭ ‬بالأمان‭. ‬والفرق‭ ‬بين‭ ‬الزاويتين‭ ‬يصنعه‭ ‬الوالدان‭.‬

من‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬أذنا‭ ‬تسمعه،‭ ‬ومن‭ ‬يسأله‭ ‬عن‭ ‬يومه،‭ ‬وأسرة‭ ‬تجلس‭ ‬معه‭ ‬بقلب‭ ‬حاضر‭ ‬وعين‭ ‬ترى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقوله،‭ ‬يجد‭ ‬زاويته‭ ‬حيث‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون،‭ ‬وتبني‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬جداراً‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أي‭ ‬شاشة‭ ‬أو‭ ‬زاوية‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬أن‭ ‬تهدمه‭.‬

القانون‭ ‬يحمي‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬والأسرة‭ ‬تحمي‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬وما‭ ‬أن‭ ‬يغيب‭ ‬أحدهما‭ ‬حتى‭ ‬يملأ‭ ‬الشارع‭ ‬الفراغ‭.‬

في‭ ‬زحمة‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬يظن‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬أن‭ ‬توفير‭ ‬المسكن‭ ‬والمدرسة‭ ‬والهاتف‭ ‬يكفي‭. ‬لكن‭ ‬الطفل‭ ‬لا‭ ‬يحفظ‭ ‬ما‭ ‬أُعطي‭ ‬له،‭ ‬يحفظ‭ ‬من‭ ‬جلس‭ ‬معه‭. ‬يحفظ‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬سأله‭ ‬كيف‭ ‬حاله‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينتظر‭ ‬إجابة‭ ‬سريعة،‭ ‬واليد‭ ‬التي‭ ‬أغلقت‭ ‬الشاشة‭ ‬لتراه‭ ‬لا‭ ‬لتعاقبه‭. ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬يجدون‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬بيوتهم‭ ‬لا‭ ‬يبحثون‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬الشارع‭.‬

من‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الزاوية‭ ‬لم‭ ‬يصلها‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭. ‬خطوة‭ ‬خطوة‭ ‬وصل،‭ ‬وربما‭ ‬كانت‭ ‬إحدى‭ ‬تلك‭ ‬الخطوات‭ ‬فراغاً‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬لم‭ ‬يملأه‭ ‬أحد‭.‬

بريطانيا‭ ‬تحمي‭ ‬أطفالها‭ ‬بالقانون،‭ ‬ونحن‭ ‬نحمي‭ ‬أطفالنا‭ ‬بالقانون‭ ‬والأسرة‭ ‬معاً‭. ‬والأسرة‭ ‬الحاضرة‭ ‬حقا‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬الفارق‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا