كنت أبحث عن موقف لسيارتي قرب أحد المحلات التجارية، حين لفت نظري مشهدا في زاوية الطريق أربكني. أطفال لا يتجاوز عمر أكبرهم الخامسة عشرة، يمسكون بأعواد التدخين، يتوارون عن الأنظار، وفي عيونهم ذلك الخليط الغريب من الجرأة والخوف في آنٍ واحد.
توقفت لحظة. كنت أفكر: من أين جاء هؤلاء بهذه السيجارة؟ وهل يعرف آباؤهم ما يفعلون؟ وهل يكفي أن يعرف الطفل أنه يخطئ حتى يتوقف؟ أم أن ثمة شيئاً أكبر من المعرفة يحتاجه؟
المشهد مألوف أكثر مما نتمنى. تدخين المراهقين سلوك يتسلل إلى مجتمعاتنا في صمت، ولا يظهر على السطح إلا حين نصطدم به في مكان لم نتوقعه. ما يزيد الأمر تعقيداً أن هؤلاء الأطفال يختبئون لأنهم يعرفون أن ما يفعلونه خطأ، لكن المعرفة وحدها لم تحمِ يوما طفلا من نفسه.
هنا تحديدا يكمن السؤال الذي يؤرق كل أب وأم، وكل من يعنيه أمر هذا الجيل: هل تكفي الأسرة وحدها لحماية أطفالها، أم أن ثمة دورا لا غنى عنه للقانون؟
في أبريل الماضي أصبح قانون التبغ والسجائر البريطاني رسميا، ليجعل بيع التبغ لكل من وُلد في الأول من يناير 2009 أو بعده أمراً غير قانوني إلى الأبد، وسيدخل التطبيق الفعلي حيز التنفيذ مطلع عام 2027. الطفل الذي يبلغ اليوم خمس عشرة سنة لن يتمكن من شراء سيجارة واحدة طوال حياته، مهما بلغ من العمر. بريطانيا قررت أن تحمي جيلاً كاملاً من نفسه.
ثمة قرار بريطاني ثانٍ يأتي من الباب ذاته. نقاش حاد يدور في البرلمان حول حظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون السادسة عشرة، لأن ما يراه الطفل على شاشته يشكّله قبل أن تشكّله المدرسة والبيت.
طفل في الثالثة عشرة يقضي ساعات يومه في عوالم لم يُصمَّم أي منها لحمايته، يتلقى صوراً ورسائل وأفكاراً لم يطلبها ولم يكن مستعداً لها. جيل كامل ينمو وعقله مفتوح على عالم لا يعرف سنّه ولا يبالي بسلامته. بريطانيا قررت ألا تتركه وحده أمام هذا.
وبريطانيا ليست وحدها في هذا الطريق. أستراليا سبقتها بتشريع يمنع من هم دون السادسة عشرة من فتح حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، وفرنسا تسير في الاتجاه ذاته. العالم بات يتعامل مع حماية الطفل الرقمي كما يتعامل مع حماية الطفل من التبغ، حقاً لا تملك الأسرة وحدها أدواته.
ما تفعله بريطانيا يعيدنا إلى سؤال أقرب، سؤال عن أطفالنا نحن وعن الأسرة البحرينية في مواجهة هذا العالم المتسارع. الأسرة البحرينية تحب أبناءها وتخاف عليهم، وهذا الحب حقيقي وعميق لا شك فيه. لكن الطفل اليوم يعيش في عالمين متوازيين، عالم البيت الذي يعرفه أهله، وعالم الشاشة الذي لا يراه أحد. والحب وحده لم يكن يوماً سياجا كافيا أمام ما لا يُرى.
البحرين أصدرت قانون مكافحة التدخين عام 2009، ويحظر صراحةً بيع التبغ لمن هم دون الثامنة عشرة. القانون موجود منذ سنوات والنص لا يحتمل التأويل. لكن الأطفال الذين رأيتهم في تلك الزاوية حصلوا على سجائرهم بطريقة ما.
الفجوة بين النص القانوني والواقع المعاش هي المسافة التي يضيع فيها أطفالنا. أما الشاشة وما تحمله، فثمة وعي متنامٍ في البحرين بضرورة حماية الطفل من مخاطرها، ونأمل أن يتحول هذا الوعي قريباً إلى تشريعات أكثر صرامة تحمي أبناء مرحلة كاملة.
الطفل يبحث دائماً عن زاوية. إما زاوية في الشارع يختبئ فيها عن الأنظار، أو زاوية في البيت يشعر فيها بالأمان. والفرق بين الزاويتين يصنعه الوالدان.
من يجد في بيته أذنا تسمعه، ومن يسأله عن يومه، وأسرة تجلس معه بقلب حاضر وعين ترى ما لا يقوله، يجد زاويته حيث ينبغي أن تكون، وتبني من حوله جداراً لا تستطيع أي شاشة أو زاوية في الطريق أن تهدمه.
القانون يحمي من الخارج، والأسرة تحمي من الداخل، وما أن يغيب أحدهما حتى يملأ الشارع الفراغ.
في زحمة الحياة اليومية، يظن كثير من الآباء أن توفير المسكن والمدرسة والهاتف يكفي. لكن الطفل لا يحفظ ما أُعطي له، يحفظ من جلس معه. يحفظ الصوت الذي سأله كيف حاله دون أن ينتظر إجابة سريعة، واليد التي أغلقت الشاشة لتراه لا لتعاقبه. الأطفال الذين يجدون هذا في بيوتهم لا يبحثون عنه في الشارع.
من وصل إلى تلك الزاوية لم يصلها دفعة واحدة. خطوة خطوة وصل، وربما كانت إحدى تلك الخطوات فراغاً في البيت لم يملأه أحد.
بريطانيا تحمي أطفالها بالقانون، ونحن نحمي أطفالنا بالقانون والأسرة معاً. والأسرة الحاضرة حقا هي التي تصنع الفارق.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك