العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مستقبل النظام الإقليمي العربي بعد حرب إيران

بقلم: د. حسن نافعة

الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

يهتم‭ ‬حقل‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬بدراسة‭ ‬‮«‬النظم‭ ‬الإقليمية‮»‬،‭ ‬باعتبارها‭ ‬نظما‭ ‬فرعيةً‭ ‬لنظام‭ ‬عالمي‭ ‬تضمّ‭ ‬دولا‭ ‬ترتبط‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬بنمط‭ ‬خاصّ‭ ‬من‭ ‬التفاعلات‭. ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام،‭ ‬ثار‭ ‬جدل‭ ‬واسع‭ ‬بين‭ ‬المتخصّصين‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬يشكّل‭ ‬نظاماً‭ ‬إقليميًّا‭ ‬بالمعنى‭ ‬المتعارف‭ ‬عليه‭ ‬لهذا‭ ‬المفهوم‭. ‬وقد‭ ‬انقسم‭ ‬المنخرطون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬إلى‭ ‬فريقَين‭ ‬يقفان‭ ‬في‭ ‬طرفي‭ ‬نقيض‭: ‬ينفي‭ ‬الأول‭ ‬وجود‭ ‬‮«‬نظام‭ ‬شرق‭ ‬أوسطي‮»‬‭ ‬من‭ ‬الأساس،‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬مصطلح‭ ‬غامض‭ ‬جغرافياً‭ ‬ومشبوه‭ ‬سياسياً،‭ ‬وأنّ‭ ‬الروابط‭ ‬القوية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬وحدها‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬حقيقي‭.‬

أمّا‭ ‬الفريق‭ ‬الثاني،‭ ‬فيرى‭ ‬أنّ‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬برمّتها‭ ‬ترتبط‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬بنمط‭ ‬خاصّ‭ ‬من‭ ‬التفاعلات‭ ‬يساعد‭ ‬في‭ ‬قيام‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬مستقلّ‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬قد‭ ‬توارى‭ ‬فترةً‭ ‬طويلةً،‭ ‬ساد‭ ‬خلالها‭ ‬اعتقاد‭ ‬بأنّه‭ ‬حُسم‭ ‬لمصلحة‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تزايد‭ ‬استخدامه‭ ‬في‭ ‬الأدبيات‭ ‬العربية‭ ‬والأجنبية‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬عوامل‭ ‬كثيرة‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أعقبته‭ ‬سلسلة‭ ‬حروب‭ ‬كان‭ ‬آخرها‭ ‬حرب‭ ‬أمريكية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬مشتركة‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬يُعتقد‭ ‬أنّها‭ ‬ستفضي‭ ‬إلى‭ ‬تغييرات‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وموازينها‭.‬

قبل‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة،‭ ‬نظّم‭ ‬قسم‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬بجامعة‭ ‬القاهرة‭ ‬ندوةً‭ ‬لمناقشة‭ ‬التقرير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬العربي،‭ ‬الذي‭ ‬يصدره‭ ‬مركز‭ ‬الدراسات‭ ‬السياسية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬الأهرام‭. ‬وقد‭ ‬شهدت‭ ‬إحدى‭ ‬الجلسات‭ ‬جدلاً‭ ‬واسعاً‭ ‬بشأن‭ ‬شكل‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بمقدور‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬أن‭ ‬يصمد‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأحداث‭ ‬الجسام‭ ‬التي‭ ‬تعصف‭ ‬بالمنطقة‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭. ‬وقبل‭ ‬أيّام،‭ ‬التقيت،‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬أصدقاء‭ ‬منهم‭ ‬دبلوماسيون‭ ‬وأساتذة‭ ‬جامعيون‭ ‬وشخصيات‭ ‬عامّة،‭ ‬ودار‭ ‬بيننا‭ ‬نقاش‭ ‬تمحور،‭ ‬في‭ ‬معظمه،‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬التحوّلات‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وفي‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬وضع‭ ‬النقاط‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الحروف‭.‬

‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬مصطلح‭ ‬يثير‭ ‬التباساً‭ ‬كبيراً،‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬جغرافي‭. ‬فقد‭ ‬صُكّ‭ ‬للإشارة‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬شرق‭ ‬قريب‭ ‬وآخر‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية،‭ ‬لكن‭ ‬المنطقة‭ ‬نفسها‭ ‬ليست‭ ‬شرقاً‭ ‬أو‭ ‬وسطاً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬كاليابان‭ ‬والصين،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬يُطلق‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬غرب‭ ‬آسيا‮»‬‭. ‬أي‭ ‬أنّنا‭ ‬إزاء‭ ‬مصطلح‭ ‬جغرافي‭ ‬صُكّ‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية،‭ ‬ولا‭ ‬يصح‭ ‬إلا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليها‭.‬

أمّا‭ ‬إذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬سياسي،‭ ‬فسنلاحظ‭ ‬أنّ‭ ‬الدول‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطية،‭ ‬أيّاً‭ ‬كان‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي،‭ ‬لا‭ ‬تشكّل‭ ‬كلّاً‭ ‬متجانساً‭ ‬على‭ ‬أيّ‭ ‬صعيد،‭ ‬ولا‭ ‬يجمعها‭ ‬إطار‭ ‬مؤسّسي‭ ‬واحد،‭ ‬بعكس‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬العالم‭ ‬العربي‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬جغرافية‭ ‬تقطنها‭ ‬شعوب‭ ‬ترتبط‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬بروابط‭ ‬ثقافية‭ ‬وتاريخية‭ ‬مشتركة،‭ ‬ويجمعها‭ ‬إطار‭ ‬مؤسّسي‭ ‬تجسّده‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭. ‬ومن‭ ‬الطبيعي،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬كهذا،‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬شعوب‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬ودولها‭ ‬مؤهّلةً‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ ‬لتأسيس‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬خاصّ‭ ‬بها‭.‬

يعتقد‭ ‬بعضهم‭ ‬أنّ‭ ‬التفاعلات‭ ‬التعاونية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬وحدها‭ ‬التي‭ ‬تبرّر‭ ‬قيام‭ ‬النظم‭ ‬الإقليمية‭. ‬ولأنّ‭ ‬كفّة‭ ‬التفاعلات‭ ‬الصراعية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬ترجح‭ ‬على‭ ‬كفّة‭ ‬التفاعلات‭ ‬التعاونية،‭ ‬يرى‭ ‬هؤلاء‭ ‬أنّ‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‭ ‬محكوم‭ ‬عليه‭ ‬بالفشل،‭ ‬وهو‭ ‬استنتاج‭ ‬غير‭ ‬دقيق‭. ‬فالعبرة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬بنوع‭ ‬التفاعلات،‭ ‬وإنّما‭ ‬بكثافتها‭ ‬ودرجة‭ ‬حدّتها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬ولأنّ‭ ‬مجمل‭ ‬التفاعلات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬التعاونية‭ ‬منها‭ ‬والصراعية،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تتسم‭ ‬بالكثافة‭ ‬والحدّة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬

يرى‭ ‬كثيرون،‭ ‬ومنهم‭ ‬كاتب‭ ‬هذه‭ ‬السطور،‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬السمة‭ ‬تقف‭ ‬وحدها‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬تواجه‭ ‬مصيراً‭ ‬واحداً،‭ ‬ما‭ ‬يؤكّد‭ ‬أنّها‭ ‬مؤهّلة‭ ‬لإقامة‭ ‬أكثر‭ ‬النظم‭ ‬الإقليمية‭ ‬تماسكاً‭ ‬ورقياً‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬فحين‭ ‬تصل‭ ‬التفاعلات‭ ‬التعاونية‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الاندماج‭ ‬الكامل‭ ‬بين‭ ‬دولتَين‭ ‬مستقلّتَين،‭ ‬مثلما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬الوحدة‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وسورية،‭ ‬والتفاعلات‭ ‬الصراعية‭ ‬مع‭ ‬إحداها‭ ‬حدّ‭ ‬القطيعة،‭ ‬ثمّ‭ ‬تعود‭ ‬مجمل‭ ‬التفاعلات‭ ‬لتعكس‭ ‬اتجاهها‭ ‬فجأة،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬تضامن‭ ‬قومي‭ ‬أو‭ ‬لحظة‭ ‬غضب‭ ‬عارم،‭ ‬فمن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬نستنتج‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التقلّبات‭ ‬غير‭ ‬المتوقّعة‭ ‬أنّ‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ترتبط‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬بنمط‭ ‬فريد‭ ‬من‭ ‬التفاعلات‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬آخر،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أنّ‭ ‬الروابط‭ ‬الثقافية‭ ‬والتاريخية‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬بالتقادم‭.‬

يمرّ‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‭ ‬حالياً‭ ‬بمرحلة،‭ ‬ربّما‭ ‬تكون‭ ‬الأسوأ‭ ‬في‭ ‬تاريخه‭. ‬

فعلى‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬عجز‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬العلاقات‭ ‬العربية‭ ‬البينية‭ ‬بطريقة‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬التوصّل‭ ‬إلى‭ ‬تسويات‭ ‬سلمية‭ ‬عادلة‭ ‬لما‭ ‬قد‭ ‬يندلع‭ ‬بينها‭ ‬من‭ ‬منازعات،‭ ‬وعجز‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬درجة‭ ‬معقولة‭ ‬من‭ ‬درجات‭ ‬التكامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بين‭ ‬دوله‭ ‬متباينة‭ ‬الموارد‭ ‬والقدرات،‭ ‬وعجز‭ ‬عن‭ ‬إقامة‭ ‬مشروعات‭ ‬مشتركة‭ ‬كُبرى‭ ‬تساعد‭ ‬في‭ ‬توليد‭ ‬الإحساس‭ ‬بالانتماء‭ ‬لدى‭ ‬المواطنين‭ ‬العرب‭ ‬يشعرهم‭ ‬بوجود‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬يهتم‭ ‬بهم‭ ‬ويعنى‭ ‬بتحسين‭ ‬أحوالهم‭ ‬المعيشية‭. ‬

ولأنّ‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تسمح‭ ‬لنفسها‭ ‬بالتدخّل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يؤدّي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الصراعات‭ ‬والأزمات،‭ ‬وأن‭ ‬تندلع‭ ‬حروب‭ ‬أهلية‭ ‬داخل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭. ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬غريباً،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬كهذا،‭ ‬أن‭ ‬يعجز‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الذي‭ ‬تعرّض‭ ‬لحرب‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬استمرّت‭ ‬قرابة‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يعجز‭ ‬حتّى‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬معونات‭ ‬إنسانية‭ ‬لإنقاذه‭ ‬من‭ ‬مجاعة‭ ‬قاسية‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يتعرّض‭ ‬لها،‭ ‬ومن‭ ‬أمراض‭ ‬وأوبئة‭ ‬تكاد‭ ‬تفتك‭ ‬بأطفاله‭ ‬ونسائه‭. ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريباً‭ ‬أن‭ ‬تزداد‭ ‬إسرائيل‭ ‬توحّشاً‭ ‬وإجراماً،‭ ‬وأن‭ ‬تطاول‭ ‬ضرباتها‭ ‬الانتقامية‭ ‬كلّاً‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬وسورية‭ ‬والعراق‭ ‬واليمن‭ ‬وقطر،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة‭ ‬الذي‭ ‬دُمّر‭ ‬بالكامل،‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬تُستباح‭ ‬مدنها‭ ‬ومخيّماتها‭ ‬ومقدّساتها‭ ‬يومياً‭.‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬لم‭ ‬تنته‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بعد،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الدلائل‭ ‬كافّة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬لم‭ ‬يسقط‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬هدفا‭ ‬أساسيا‭ ‬للحرب‭.‬،‭ ‬ولم‭ ‬تنجح‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬نزع‭ ‬سلاح‭ ‬أيّ‭ ‬من‭ ‬حلفاء‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬وسوف‭ ‬تعمل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬على‭ ‬الأرجح،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التوصّل‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬تنهي‭ ‬الحرب،‭ ‬وتضمن‭ ‬سلمية‭ ‬برنامج‭ ‬إيران‭ ‬النووي‭ ‬مقابل‭ ‬رفع‭ ‬العقوبات‭ ‬وإنهاء‭ ‬الحصار‭ ‬وضمان‭ ‬حرّية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬وإذا‭ ‬صحّ‭ ‬هذا‭ ‬الاستنتاج،‭ ‬فستتحوّل‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬لاعب‭ ‬إقليمي‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬الملفّات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬ولكن‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬اعتادت‭ ‬ممارستها‭ ‬منذ‭ ‬وصول‭ ‬الخميني‭ ‬للسلطة‭ ‬وإسقاط‭ ‬الشاه‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬ومن‭ ‬المحتمل‭ ‬حدوث‭ ‬تراجعٌ‭ ‬في‭ ‬الدورين‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬والأمريكي‭. ‬وتلك‭ ‬عوامل‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬التأثير‭ ‬بشدّة‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬عربي،‭ ‬سيجد‭ ‬نفسه‭ ‬مضطراً‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬مؤسّساته‭ ‬وأهدافه‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬متطلّبات‭ ‬المرحلة‭ ‬الجديدة‭.‬

لا‭ ‬يتّسع‭ ‬المُقام‭ ‬هنا‭ ‬لحديث‭ ‬مفصّل‭ ‬عن‭ ‬مستقبل‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‭ ‬بعد‭ ‬توقّف‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬وما‭ ‬سيعقب‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تحوّلات‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬القوى‭ ‬وتوازناتها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬لذا‭ ‬أكتفي‭ ‬بالقول‭ ‬إنّ‭ ‬المهمّة‭ ‬العاجلة‭ ‬التي‭ ‬يتعيّن‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يشرع‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬هي‭ ‬تنسيق‭ ‬المواقف‭ ‬والتحرك‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحصار‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة،‭ ‬وإعادة‭ ‬توحيد‭ ‬الصفوف‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬والتمهيد‭ ‬لقيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلّة‭ ‬عاصمتها‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية،‭ ‬ثمّ‭ ‬التفرّغ‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬لصياغة‭ ‬مشروع‭ ‬للتكامل‭ ‬العربي،‭ ‬ولإعادة‭ ‬بناء‭ ‬مؤسّسات‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬العملية‭ ‬التكاملية،‭ ‬ويحقّق‭ ‬التوازن‭ ‬مع‭ ‬المشروعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬المتنافسة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وللحيلولة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬دون‭ ‬قيام‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا