العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

جبهة الحرب المفتوحة في لبنان

بقلم: حسام كنفاني

الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

فيما‭ ‬يترقب‭ ‬العالم‭ ‬تفاصيل‭ ‬المفاوضات‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬ستصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب،‭ ‬فإن‭ ‬القناعة‭ ‬باتت‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬لن‭ ‬يشمل‭ ‬الساحة‭ ‬اللبنانية،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬أصرَّت‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬شاملا‭ ‬كل‭ ‬الجبهات‭.‬

وضع‭ ‬الجبهة‭ ‬اللبنانية‭ ‬مختلف‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬نظيرتها‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وأكثر‭ ‬تعقيداً‭. ‬والأمر‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بإسرائيل‭ ‬فقط،‭ ‬إذ‭ ‬يضاف‭ ‬إليها‭ ‬الانقسام‭ ‬الداخلي‭ ‬اللبناني‭ ‬الذي‭ ‬ينذر‭ ‬بانفجار‭ ‬وتداعيات‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المفاوضات‭ ‬التي‭ ‬دخلتها‭ ‬السلطة‭ ‬اللبنانية‭ ‬مع‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ووصلت‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬صياغة‭ ‬تفاهم‭ ‬ربما‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬انقلاب‭ ‬في‭ ‬صيغة‭ ‬التعايش‭ ‬اللبنانية‭ ‬برمتها‭.‬

منذ‭ ‬إعلان‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬المؤقت‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران،‭ ‬كان‭ ‬الخلاف‭ ‬قائماً‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان‭ ‬شاملاً‭ ‬الساحة‭ ‬اللبنانية‭. ‬خرجت‭ ‬تأويلاتٌ‭ ‬كثيرة،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أو‭ ‬إيران،‭ ‬لتشير‭ ‬إلى‭ ‬سوء‭ ‬تفاهم‭ ‬بشأن‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الرفض‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المطلق‭ ‬لوقف‭ ‬القتال‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬الشمالية‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬اللبنانية‭ ‬لن‭ ‬تتوقف،‭ ‬وإن‭ ‬جرى‭ ‬وضع‭ ‬قيود‭ ‬أمريكية‭ ‬على‭ ‬‮«‬حرية‭ ‬الحركة‮»‬‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬ومنها‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬استهداف‭ ‬العاصمة‭ ‬بيروت‭. ‬لكن‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يستمر‭ ‬طويلاً،‭ ‬فالغارات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬العاصمة‭ ‬اللبنانية‭ ‬استمرّت،‭ ‬ولكن‭ ‬بوتيرة‭ ‬أقل،‭ ‬وتركزت‭ ‬على‭ ‬اغتيال‭ ‬من‭ ‬تقول‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬إنهم‭ ‬قيادات‭ ‬في‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭.‬

من‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬المواجهات‭ ‬أخيراً،‭ ‬وتحديداً‭ ‬بعد‭ ‬بدء‭ ‬الهجوم‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يمتلك‭ ‬عناصر‭ ‬قوة‭ ‬لم‭ ‬تتوقعها‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬التي‭ ‬اعتقدت‭ ‬أن‭ ‬الحزب‭ ‬فقد‭ ‬قدراته‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬2024،‭ ‬والتي‭ ‬اغتالت‭ ‬في‭ ‬أثنائها‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬السابق‭ ‬للحزب‭ ‬حسن‭ ‬نصرالله‭. ‬لكن‭ ‬الوقائع‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يمتلك‭ ‬سلاح‭ ‬المسيّرات‭ ‬الذي‭ ‬مازالت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭.‬

ترى‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬تهديداً‭ ‬وجودياً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬وجوده‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة،‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬الوضع‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬الإيرانية‭. ‬

ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بهذا‭ ‬الواقع،‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬‮«‬7‭ ‬أكتوبر‮»‬‭ (‬2023‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬تكرارها‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬الشمالية‭.‬

ولنكن‭ ‬واقعيين،‭ ‬لا‭ ‬يأبه‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬كثيراً‭ ‬بالوضع‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬اللبنانية،‭ ‬فاهتمامه‭ ‬منصبٌّ‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬الخروج‭ ‬منها‭ ‬بأقل‭ ‬الخسائر،‭ ‬وربما‭ ‬ببعض‭ ‬المكاسب‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬إيران‭ ‬رافضة‭ ‬منحه‭ ‬إياها‭.‬

وبالتالي،‭ ‬مجمل‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬الجبهة‭ ‬اللبنانية‭ ‬هو‭ ‬على‭ ‬المفاوضات‭ ‬التي‭ ‬تستضيفها‭ ‬واشنطن،‭ ‬ويظن‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬سيحيد‭ ‬لبنان‭ ‬عن‭ ‬المواجهة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭. ‬وهذا‭ ‬التفكير‭ ‬الأمريكي‭ ‬قاصر‭ ‬جداً‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬تعقيدات‭ ‬الساحة‭ ‬اللبنانية،‭ ‬فالاعتقاد‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬إعلان‭ ‬النيات‭ ‬أو‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تسمّى‭ ‬‮«‬الترتيبات‭ ‬الأمنية‮»‬،‭ ‬إنهاء‭ ‬القتال‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬اللبنانية‭ ‬وهم‭ ‬مطلق،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬شرارة‭ ‬لإشعال‭ ‬جبهة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭.‬

شهدت‭ ‬الأيام‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬رسائل‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬اللبناني‭ ‬تنذر‭ ‬بأن‭ ‬الآتي‭ ‬سيكون‭ ‬أسوأ‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬مضي‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬المفاوضات‭ ‬المباشرة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وكانت‭ ‬رسائل‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬مضامينها،‭ ‬فالاتفاق‭ ‬المقرّر‭ ‬التوصل‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬الترتيبات‭ ‬الأمنية،‭ ‬لن‭ ‬يراه‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬إلا‭ ‬تحالفاً‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وإسرائيل‭ ‬لتحقيق‭ ‬هدف‭ ‬نزع‭ ‬سلاح‭ ‬الحزب،‭ ‬أي‭ ‬سلاح‭ ‬المقاومة‭ ‬كما‭ ‬يراه‭ ‬كثيرون‭ ‬داخل‭ ‬لبنان‭ ‬وخارجه‭. ‬ولن‭ ‬تكون‭ ‬مواجهة‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬اللبناني‭ ‬ببيانات‭ ‬أو‭ ‬خطابات،‭ ‬فكل‭ ‬المؤشرات‭ ‬تدلّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬استعدادات‭ ‬من‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬وحلفائه‭ ‬باتجاه‭ ‬الانقضاض‭ ‬كلياً‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬اللبنانية،‭ ‬فيما‭ ‬يشبه‭ ‬الانقلاب‭ ‬على‭ ‬صيغة‭ ‬الحكم‭ ‬التي‭ ‬اتفق‭ ‬عليها‭ ‬بعد‭ ‬اتفاق‭ ‬الطائف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬مقالاتٍ‭ ‬كثيرة‭ ‬كتبها‭ ‬إعلاميون‭ ‬يدورون‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬الحزب،‭ ‬ويحذرون‭ ‬خلالها‭ ‬من‭ ‬المضي‭ ‬في‭ ‬التفاهم‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭.‬

على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬وضع‭ ‬الجبهة‭ ‬اللبنانية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الجبهات،‭ ‬فإن‭ ‬استطاعت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وقف‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وهذا‭ ‬مستبعد،‭ ‬فلن‭ ‬تستطيع‭ ‬وقف‭ ‬المواجهة‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬تطبيع‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬صحفي‭ ‬من‭ ‬لبنان

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا