العدد : ١٧٦٠٣ - الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٣ - الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

قراءة في التحولات الجيوسياسية الكبرى في عالم اليوم

بقلم: عمرو حلمي

الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬يعد‭ ‬ممكناً‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬باعتبارها‭ ‬مجرد‭ ‬أزمة‭ ‬عابرة‭ ‬أو‭ ‬اضطراب‭ ‬مرحلي‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬التوازنات‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬والأحادية‭ ‬القطبية‭. ‬فالعالم‭ ‬يشهد‭ ‬اليوم‭ ‬تحولاً‭ ‬عميقاً‭ ‬يعيد‭ ‬صياغة‭ ‬أسس‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاستراتيجي‭ ‬الدولي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تراجع‭ ‬مسلمات‭ ‬العولمة‭ ‬التقليدية،‭ ‬وتصاعد‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬اعتبارات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والطاقة‭ ‬والتمويل‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬ترميم‭ ‬النظام‭ ‬القديم،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬تصور‭ ‬جديد‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬البنيوية‭ ‬الجارية‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكل‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭.‬

لقد‭ ‬كشفت‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬حدود‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬الاعتماد‭ ‬المتبادل‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬عقودا‭ ‬طويلة‭ ‬باعتباره‭ ‬ضمانة‭ ‬للاستقرار‭ ‬العالمي‭. ‬فالقوى‭ ‬الكبرى‭ ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬التشابك‭ ‬الاقتصادي‭ ‬قد‭ ‬يتحول،‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬التوتر،‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬هشاشة‭ ‬استراتيجية‭. ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أدركت‭ ‬خطورة‭ ‬اعتمادها‭ ‬الواسع‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬المعادن‭ ‬النادرة‭ ‬وسلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬الحيوية،‭ ‬بينما‭ ‬واجهت‭ ‬بكين‭ ‬قيوداً‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬وأشباه‭ ‬الموصلات‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬أوروبا،‭ ‬فقد‭ ‬دفعت‭ ‬ثمناً‭ ‬باهظاً‭ ‬لاعتمادها‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬الغاز‭ ‬الروسي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كشفت‭ ‬أزمات‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬من‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬إلى‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬حجم‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتركز‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة‭ ‬في‭ ‬نقاط‭ ‬اختناق‭ ‬استراتيجية‭ ‬محدودة‭.‬

وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬برز‭ ‬صعود‭ ‬الصين‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المتغيرات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭. ‬فالصين‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬مصنع‭ ‬العالم‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتكنولوجية‭ ‬وعسكرية‭ ‬تنافس‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬قدراتها‭ ‬الصناعية‭ ‬والمالية‭ ‬الهائلة،‭ ‬ومن‭ ‬توسع‭ ‬نفوذها‭ ‬عبر‭ ‬مبادرة‭ ‬‮«‬الحزام‭ ‬والطريق‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تقدمها‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬والاتصالات‭. ‬هذا‭ ‬الصعود‭ ‬لم‭ ‬يغير‭ ‬فقط‭ ‬توازنات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬بل‭ ‬دفع‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬الدولية‭ ‬المكثفة‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬برز‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الصمود‭ ‬الاستراتيجي‮»‬‭ ‬Strategic‭ ‬Resilience‭ ‬باعتباره‭ ‬العنوان‭ ‬الأبرز‭ ‬للمرحلة‭ ‬المقبلة‭. ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬الأولوية‭ ‬القصوى‭ ‬تحقيق‭ ‬أعلى‭ ‬معدلات‭ ‬الربح‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬بناء‭ ‬اقتصادات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬الاضطرابات‭ ‬المفاجئة‭. ‬ولهذا‭ ‬تتجه‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الإمداد،‭ ‬وإعادة‭ ‬توطين‭ ‬الصناعات‭ ‬الحساسة،‭ ‬وتقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الخصوم‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الحيوية‭.‬

وفي‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬تحول‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬للصراع‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬المكثف‭. ‬فالقوى‭ ‬الكبرى‭ ‬باتت‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬مثل‭ ‬العقوبات‭ ‬والقيود‭ ‬التجارية‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والأسواق‭ ‬المالية‭. ‬وقد‭ ‬استخدمت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع،‭ ‬فيما‭ ‬استخدمت‭ ‬روسيا‭ ‬الطاقة‭ ‬كسلاح‭ ‬جيوسياسي،‭ ‬بينما‭ ‬تدرك‭ ‬إيران‭ ‬أهمية‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬وتحكمها‭ ‬النسبي‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬العالمية‭.‬

كما‭ ‬تشهد‭ ‬خريطة‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬تحولات‭ ‬هيكلية‭ ‬عميقة‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬للبترول‭ ‬والغاز‭. ‬فالتوسع‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والهيدروجين‭ ‬الأخضر،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عودة‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬أصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬معادلات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬والتنافس‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬باتت‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬المعادن‭ ‬النادرة‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬البطاريات‭ ‬وشبكات‭ ‬الكهرباء‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬العالمي‭.‬

وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬تبرز‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬باعتبارها‭ ‬المحرك‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬فالتفوق‭ ‬التكنولوجي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مسألة‭ ‬اقتصادية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬القوة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬وخاصة‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬التقنيات‭ ‬‮«‬ثنائية‭ ‬الاستخدام‮»‬،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬متداخلاً‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة‭ ‬مع‭ ‬السياسات‭ ‬الصناعية‭ ‬والتكنولوجية‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬أسقط‭ ‬أيضًا‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الافتراضات‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭. ‬فالإيمان‭ ‬المطلق‭ ‬بقدرة‭ ‬الأسواق‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬نفسها‭ ‬يتراجع‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة،‭ ‬كما‭ ‬عاد‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬المشهد‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬الدعم‭ ‬الصناعي‭ ‬أو‭ ‬حماية‭ ‬القطاعات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أو‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬الاستثمارات‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمة،‭ ‬فإن‭ ‬مكانتها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬كما‭ ‬كانت،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬وتزايد‭ ‬الشكوك‭ ‬بشأن‭ ‬قدرة‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الدولي‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقراره‭ ‬السابق‭. ‬كما‭ ‬تتزايد‭ ‬التوقعات‭ ‬بتراجع‭ ‬الوزن‭ ‬النسبي‭ ‬للدولار‭ ‬الأمريكي‭ ‬تدريجياً،‭ ‬مع‭ ‬سعي‭ ‬عدد‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬احتياطاتها‭ ‬النقدية‭ ‬واستخدام‭ ‬عملات‭ ‬بديلة‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭.‬

ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬ستظل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتكنولوجية‭ ‬وعسكرية‭ ‬رئيسية‭ ‬خلال‭ ‬المستقبل‭ ‬المنظور،‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬ضخامة‭ ‬اقتصادها،‭ ‬وهيمنة‭ ‬الدولار،‭ ‬وعمق‭ ‬أسواقها‭ ‬المالية،‭ ‬وتفوقها‭ ‬الابتكاري‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المكانة‭ ‬سيعتمد‭ ‬على‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬عالم‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وتنافساً،‭ ‬تتعدد‭ ‬فيه‭ ‬مراكز‭ ‬القوة‭ ‬وتتغير‭ ‬فيه‭ ‬طبيعة‭ ‬النفوذ‭ ‬ذاته‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬العالم‭ ‬يقف‭ ‬بالفعل‭ ‬على‭ ‬أعتاب‭ ‬مرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬جديدة،‭ ‬بتوازنات‭ ‬مختلفة‭ ‬وتكنولوجيات‭ ‬قد‭ ‬تتجاوز‭ ‬في‭ ‬قدراتها‭ ‬حدود‭ ‬العقول‭ ‬البشرية،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬هائلة‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬أمام‭ ‬الدول‭ ‬والمجتمعات‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬والتنمية‭ ‬ومستقبل‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬ودبلوماسي‭ ‬سابق‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا