العدد : ١٧٦٠٣ - الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٣ - الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

كيف نحمي الهوية الوطنية وعمقها الإنساني؟

بقلم: د. طارق عباس

الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

تعلمنا‭ ‬منذ‭ ‬الصغر‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬الإنسان‭ ‬الحقيقية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬هويته،‭ ‬في‭ ‬وطنه‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليه،‭ ‬وفي‭ ‬لغته‭ ‬التي‭ ‬يعبر‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬ذاته،‭ ‬وفي‭ ‬ثقافته‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬وعيه،‭ ‬وفي‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تربى‭ ‬عليها،‭ ‬فالهوية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬بطاقة‭ ‬تعريف‭ ‬أو‭ ‬انتماء‭ ‬جغرافي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬الذاكرة‭ ‬التي‭ ‬تحفظ‭ ‬ملامحنا‭ ‬والجذور‭ ‬التي‭ ‬تمنحنا‭ ‬الثبات،‭ ‬والحكايات‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬وجداننا،‭ ‬والأماكن‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬خطواتنا‭ ‬الأولى،‭ ‬والقدوة‭ ‬التي‭ ‬تعلمنا‭ ‬منها‭ ‬معنى‭ ‬الحياة‭.‬

إنها‭ ‬العنوان‭ ‬الأعمق‭ ‬لوجود‭ ‬الإنسان‭ ‬والسياج‭ ‬الذي‭ ‬يحميه‭ ‬من‭ ‬الذوبان‭ ‬وسط‭ ‬العواصف‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية‭ ‬المتلاحقة‭. ‬ولأن‭ ‬الهوية‭ ‬تمثل‭ ‬جوهر‭ ‬الإنسان‭ ‬وروحه،‭ ‬فإن‭ ‬التفريط‭ ‬فيها‭ ‬يعني‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬الذات‭ ‬نفسها،‭ ‬لكونها‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تُبنى‭ ‬عليه‭ ‬المجتمعات‭ ‬والنواة‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬منها‭ ‬شخصية‭ ‬الأمم‭ ‬وخصوصيتها‭ ‬الحضارية،‭ ‬ومن‭ ‬خلالها‭ ‬يشعر‭ ‬الإنسان‭ ‬بالأمان‭ ‬والانتماء،‭ ‬ويستطيع‭ ‬أن‭ ‬يواجه‭ ‬تغيرات‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬ملامحه‭ ‬الأصلية،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الهوية‭ ‬ليس‭ ‬انغلاقًا‭ ‬أو‭ ‬تعصبًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حفاظ‭ ‬على‭ ‬الجذور‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬توازنه‭ ‬واستمراره‭.‬

لقد‭ ‬عرفت‭ ‬البشرية‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬أشكالًا‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬الثقافي‭ ‬وخاصة‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬الإذاعة‭ ‬ثم‭ ‬التلفزيون‭ ‬والقنوات‭ ‬الفضائية،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬الثقافات‭ ‬تتقارب‭ ‬وتتفاعل،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الأخطر‭ ‬جاء‭ ‬مع‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬العالم‭ ‬بسرعة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬فغيّرت‭ ‬شكل‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬وعلاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬بنفسه‭ ‬وبالآخرين‭. ‬ومع‭ ‬دخول‭ ‬الإنترنت‭ ‬والهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬ومنصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الهوية‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بالمكان‭ ‬والتاريخ،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تتشكل‭ ‬أيضًا‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬افتراضي‭ ‬واسع‭ ‬لا‭ ‬تحده‭ ‬حدود‭.‬

وهنا‭ ‬بدأ‭ ‬الصراع‭ ‬الحقيقي‭ ‬بين‭ ‬الهوية‭ ‬الإنسانية‭ ‬الأصيلة‭ ‬والهوية‭ ‬الرقمية‭ ‬المصنوعة،‭ ‬ففي‭ ‬الماضي‭ ‬كانت‭ ‬هوية‭ ‬الإنسان‭ ‬تُبنى‭ ‬عبر‭ ‬التجربة‭ ‬الحياتية،‭ ‬والعلاقات‭ ‬الواقعية‭ ‬والارتباط‭ ‬بالمجتمع‭ ‬والتاريخ،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬تُصاغ‭ ‬عبر‭ ‬الصور‭ ‬والمنشورات‭ ‬والتعليقات‭ ‬وعدد‭ ‬الإعجابات‭ ‬والمتابعين،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الإنسان‭ ‬يرى‭ ‬نفسه‭ ‬بعينيه‭ ‬بل‭ ‬بعيون‭ ‬الآخرين‭ ‬عبر‭ ‬الشاشات‭. ‬وهكذا‭ ‬تحولت‭ ‬الهوية‭ ‬تدريجيًا‭ ‬من‭ ‬حقيقة‭ ‬متجذرة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬رقمية‭ ‬قابلة‭ ‬للتعديل‭ ‬والتزييف‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭.‬

إن‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬وفره‭ ‬من‭ ‬سرعة‭ ‬في‭ ‬التواصل‭ ‬وتبادل‭ ‬المعرفة‭ ‬خلق‭ ‬نوعًا‭ ‬جديدًا‭ ‬من‭ ‬الاغتراب‭ ‬الإنساني،‭ ‬فأصبح‭ ‬الإنسان‭ ‬حاضرًا‭ ‬جسديًا‭ ‬في‭ ‬واقعه‭ ‬لكنه‭ ‬يعيش‭ ‬نفسيًا‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬افتراضي‭ ‬منفصل‭ ‬عنه‭ ‬يحمل‭ ‬داخله‭ ‬هويتين‭ ‬متناقضتين‭: ‬هوية‭ ‬حقيقية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بجذوره‭ ‬وتاريخه،‭ ‬وأخرى‭ ‬رقمية‭ ‬تتشكل‭ ‬وفق‭ ‬متطلبات‭ ‬العالم‭ ‬الافتراضي،‭ ‬ومع‭ ‬الوقت‭ ‬بدأ‭ ‬كثيرون‭ ‬يفقدون‭ ‬شعورهم‭ ‬بالأصالة‭ ‬والانتماء،‭ ‬وكأنهم‭ ‬يسبحون‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬بلا‭ ‬ملامح‭ ‬واضحة‭ ‬ولا‭ ‬مرجعية‭ ‬ثابتة‭.‬

وتزداد‭ ‬خطورة‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬واقع‭ ‬مزيف‭ ‬يصعب‭ ‬التمييز‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الحقيقة،‭ ‬فالخوارزميات‭ ‬تستطيع‭ ‬إنتاج‭ ‬صور‭ ‬ووجوه‭ ‬وأصوات‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬كما‭ ‬يمكنها‭ ‬تزوير‭ ‬مقاطع‭ ‬الفيديو‭ ‬وصناعة‭ ‬أخبار‭ ‬ووثائق‭ ‬كاذبة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يهدد‭ ‬الثقة‭ ‬الإنسانية‭ ‬ذاتها،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الخطر‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬التزييف‭ ‬الإعلامي‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬والثقافات‭ ‬والاتجاهات‭ ‬الفكرية‭.‬

إن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يسلب‭ ‬الإنسان‭ ‬وقته‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يسلبه‭ ‬ذاته‭ ‬أيضًا،‭ ‬فعندما‭ ‬ينفصل‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬جذوره‭ ‬الثقافية‭ ‬والتاريخية‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للذوبان‭ ‬داخل‭ ‬ثقافة‭ ‬عالمية‭ ‬تفرضها‭ ‬القوى‭ ‬الأكثر‭ ‬نفوذًا‭ ‬وانتشارًا،‭ ‬وهنا‭ ‬تتحول‭ ‬الهوية‭ ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬قوة‭ ‬إلى‭ ‬كيان‭ ‬هش‭ ‬قابل‭ ‬للاختراق،‭ ‬وتصبح‭ ‬المجتمعات‭ ‬مهددة‭ ‬بفقدان‭ ‬خصوصيتها‭ ‬الثقافية‭ ‬واللغوية‭ ‬والقيمية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬بوصفها‭ ‬شرًا‭ ‬مطلقًا،‭ ‬فالمشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الوسائل‭ ‬الحديثة‭ ‬ذاتها‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬استخدامها،‭ ‬فالهوية‭ ‬القوية‭ ‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تنغلق‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬وترفض‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬الواعي‭ ‬مع‭ ‬العصر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬أصالتها،‭ ‬ويمكن‭ ‬للفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬وسيلة‭ ‬لحماية‭ ‬الهوية‭ ‬ونشر‭ ‬الثقافة‭ ‬والقيم‭ ‬إذا‭ ‬أُحسن‭ ‬استثماره‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لطمس‭ ‬الشخصية‭ ‬الإنسانية‭ ‬وتسطيحها‭.‬

إن‭ ‬معركتنا‭ ‬الحقيقية‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬ضد‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬بل‭ ‬ضد‭ ‬فقدان‭ ‬الإنسان‭ ‬لوعيه‭ ‬بذاته؛‭ ‬فالحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬يتطلب‭ ‬ترسيخ‭ ‬القيم،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الثقافة،‭ ‬والاعتزاز‭ ‬باللغة‭ ‬والتاريخ،‭ ‬وتربية‭ ‬الأجيال‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬الذي‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والزيف‭. ‬فالأمم‭ ‬التي‭ ‬تفقد‭ ‬هويتها‭ ‬تفقد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬البقاء،‭ ‬أما‭ ‬الأمم‭ ‬التي‭ ‬تتمسك‭ ‬بجذورها‭ ‬وتواكب‭ ‬العصر‭ ‬بوعي‭ ‬فهي‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬مستقبلها‭ ‬مهما‭ ‬تغيرت‭ ‬أدوات‭ ‬العالم‭ ‬ووسائله‭.‬

{ كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬أكاديمي‭.‬

‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا