العدد : ١٧٦٠٥ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٥ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

متطلبات بناء نظام جديد للأمن الجماعي في المنطقة

بقلم: د. عمرو حمزاوي

الخميس ٠٤ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

يشهد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬اليوم‭ ‬لحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬فارقة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الحروب‭ ‬الإقليمية‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الدولية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وتتراجع‭ ‬خلالها‭ ‬اليقينيات‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬المنطقة‭ ‬عقودا‭ ‬طويلة‭. ‬فمنذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬اعتمدت‭ ‬دول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة،‭ ‬على‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬غير‭ ‬متوازنة‭ ‬قامت‭ ‬إما‭ ‬على‭ ‬الهيمنة‭ ‬العسكرية‭ ‬الخارجية‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬تحالفات‭ ‬ثنائية‭ ‬مؤقتة‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬الردع‭ ‬التقليدية‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وخاصة‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الحروب‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬لبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬واليمن،‭ ‬ومن‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬كشفت‭ ‬حدود‭ ‬هذه‭ ‬الترتيبات‭ ‬وعجزها‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬المستدامين‭. ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬قد‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬المزمن‭ ‬وإلى‭ ‬سبب‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬استنزاف‭ ‬الدول‭ ‬والمجتمعات‭ ‬وتفكيك‭ ‬المجال‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‭.‬

لقد‭ ‬بات‭ ‬واضحًا‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التدخلات‭ ‬الخارجية‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كافيًا‭ ‬لحماية‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬أو‭ ‬الإقليمي‭. ‬فالولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬مثلت‭ ‬لعقود‭ ‬الضامن‭ ‬الرئيسي‭ ‬للأمن‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬تواجه‭ ‬اليوم‭ ‬حدود‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬التعددية‭ ‬القطبية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬الأخرى،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬روسيا‭ ‬أو‭ ‬الصين‭ ‬أو‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬الإرادة‭ ‬أو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬أمنى‭ ‬متكامل‭ ‬للمنطقة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تستمر‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬غير‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬نفوذها‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬والأيديولوجي‭ ‬داخل‭ ‬المجال‭ ‬العربي،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬الانقسامات‭ ‬العربية‭ ‬ومن‭ ‬هشاشة‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬الملحة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬مفاهيم‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬والدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬بوصفها‭ ‬المدخل‭ ‬الأكثر‭ ‬واقعية‭ ‬لحماية‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي‭. ‬والمقصود‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬العودة‭ ‬الشكلية‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاقات‭ ‬القديمة‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬الخطابات‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬ميزت‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬خمسينيات‭ ‬وستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وإنما‭ ‬تطوير‭ ‬مفهوم‭ ‬جديد‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬وعلى‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬أصبح‭ ‬مترابطًا‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭. ‬فما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬يؤثر‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والأردن‭ ‬والمغرب‭ ‬العربي،‭ ‬وما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬أو‭ ‬شرق‭ ‬المتوسط‭ ‬أو‭ ‬السودان‭ ‬أو‭ ‬سوريا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬شأنًا‭ ‬محليًّا‭ ‬أو‭ ‬ثانويًّا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭.‬

ويفترض‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬الجديد‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬بناء‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإقليمية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬ومنع‭ ‬الحروب‭ ‬وتسوية‭ ‬النزاعات‭. ‬فالمنطقة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬آليات‭ ‬دائمة‭ ‬للتنسيق‭ ‬الأمني‭ ‬والعسكري‭ ‬والاستخباراتي،‭ ‬وإلى‭ ‬منظومات‭ ‬مشتركة‭ ‬لحماية‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬وأمن‭ ‬الطاقة‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬كما‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬صناعات‭ ‬دفاعية‭ ‬مشتركة‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬الخارج‭. ‬كذلك‭ ‬فإن‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬ينبغي‭ ‬ألا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والغذائي‭ ‬والمائي،‭ ‬لأن‭ ‬التهديدات‭ ‬الجديدة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬الجيوش‭ ‬والأسلحة،‭ ‬وإنما‭ ‬تشمل‭ ‬أيضًا‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والهجرات‭ ‬القسرية‭ ‬والتغير‭ ‬المناخي‭ ‬والانهيارات‭ ‬المجتمعية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تصور‭ ‬واقعي‭ ‬للأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتجاهل‭ ‬الدور‭ ‬التركي‭. ‬فتركيا‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬دولة‭ ‬مجاورة‭ ‬للعالم‭ ‬العربي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬كبرى‭ ‬ترتبط‭ ‬بمصالح‭ ‬استراتيجية‭ ‬عميقة‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬الأمن‭ ‬والطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬والهجرة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أظهرت،‭ ‬رغم‭ ‬التوترات‭ ‬السابقة،‭ ‬إمكانية‭ ‬بناء‭ ‬مساحات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬تركيا‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬ومصر‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬مستقبلي‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يدمج‭ ‬تركيا‭ ‬كشريك‭ ‬إقليمي‭ ‬أساسي،‭ ‬لا‭ ‬باعتبارها‭ ‬بديلًا‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬أو‭ ‬قوة‭ ‬مهيمنة‭ ‬عليه،‭ ‬وإنما‭ ‬باعتبارها‭ ‬طرفًا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬الإقليمي‭ ‬وفي‭ ‬منع‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬المفتوحة‭.‬

إن‭ ‬إدماج‭ ‬تركيا‭ ‬في‭ ‬ترتيبات‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬شبيه،‭ ‬ولو‭ ‬جزئيًا،‭ ‬بالتجربة‭ ‬الأوروبية‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬في‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬منظمة‭ ‬الأمن‭ ‬والتعاون‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭. ‬والمقصود‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬استنساخ‭ ‬النموذج‭ ‬الأوروبي‭ ‬بصورة‭ ‬ميكانيكية،‭ ‬فلكل‭ ‬منطقة‭ ‬خصوصياتها‭ ‬التاريخية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وإنما‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الفكرة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي،‭ ‬أي‭ ‬تحويل‭ ‬التنافس‭ ‬والصراعات‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬مؤسسية‭ ‬للحوار‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬وبناء‭ ‬الثقة‭ ‬التدريجية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينجح‭ ‬دون‭ ‬معالجة‭ ‬أدوار‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬وإيران،‭ ‬باعتبارهما‭ ‬القوتين‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬في‭ ‬معادلات‭ ‬الصراع‭ ‬الإقليمي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬دمجهما‭ ‬الكامل‭ ‬والفوري‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬أمنى‭ ‬إقليمي‭ ‬يبدو‭ ‬أمرًا‭ ‬غير‭ ‬واقعي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬السياسات‭ ‬الحالية‭ ‬لكل‭ ‬منهما‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬المقاربة‭ ‬الأكثر‭ ‬عقلانية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬ربط‭ ‬أي‭ ‬انخراط‭ ‬إسرائيلي‭ ‬أو‭ ‬إيراني‭ ‬بتقديم‭ ‬ضمانات‭ ‬واضحة‭ ‬ومحددة‭ ‬لتغيير‭ ‬السلوك‭ ‬الإقليمي‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إيران،‭ ‬فإن‭ ‬المطلوب‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬التفاهمات‭ ‬النووية‭ ‬أو‭ ‬تخفيض‭ ‬مستويات‭ ‬التخصيب،‭ ‬وإنما‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الالتزام‭ ‬الصريح‭ ‬بعدم‭ ‬استخدام‭ ‬المليشيات‭ ‬المسلحة‭ ‬كأدوات‭ ‬للنفوذ‭ ‬الإقليمي،‭ ‬واحترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬ووقف‭ ‬التدخلات‭ ‬العسكرية‭ ‬والأمنية‭ ‬المباشرة‭ ‬وغير‭ ‬المباشرة‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬مثل‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬واليمن‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬طهران‭ ‬تبني‭ ‬سياسة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والأمني‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬تصدير‭ ‬الصراعات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬والجيوسياسية‭.‬

أما‭ ‬إسرائيل،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬إدماجها‭ ‬في‭ ‬ترتيبات‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يرتبط‭ ‬بوقف‭ ‬سياسات‭ ‬الاحتلال‭ ‬والاستيطان‭ ‬وبالالتزام‭ ‬الواضح‭ ‬بحل‭ ‬عادل‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬يضمن‭ ‬الحقوق‭ ‬الوطنية‭ ‬المشروعة‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني‭. ‬فاستمرار‭ ‬الحرب‭ ‬المفتوحة‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬وتوسيع‭ ‬الاستيطان‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬واستخدام‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬بصورة‭ ‬مفرطة،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تصور‭ ‬نظام‭ ‬أمنى‭ ‬إقليمي‭ ‬مستقر‭ ‬تشارك‭ ‬فيه‭ ‬إسرائيل‭ ‬دون‭ ‬تغيير‭ ‬جوهري‭ ‬في‭ ‬سياساتها‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بالفلسطينيين،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضًا‭ ‬بالامتناع‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬كوسيلة‭ ‬دائمة‭ ‬لإدارة‭ ‬العلاقات‭ ‬الإقليمية‭.‬

إن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يقف‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬خيارين‭ ‬متناقضين‭. ‬الخيار‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬استمرار‭ ‬منطق‭ ‬الصراعات‭ ‬المفتوحة‭ ‬والتحالفات‭ ‬المؤقتة‭ ‬والتدخلات‭ ‬الخارجية،‭ ‬وهو‭ ‬منطق‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التفكك‭ ‬وإلى‭ ‬تحويل‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬دائمة‭ ‬للحروب‭ ‬بالوكالة‭ ‬وللتنافس‭ ‬الدولي‭. ‬أما‭ ‬الخيار‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬الشروع‭ ‬التدريجي‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬والتعاون‭ ‬المشترك‭ ‬وإدارة‭ ‬التوازنات‭ ‬عبر‭ ‬المؤسسات‭ ‬والحوار‭ ‬لا‭ ‬عبر‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬سيكون‭ ‬طويلًا‭ ‬ومعقدًا،‭ ‬لأن‭ ‬المنطقة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬انقسامات‭ ‬عميقة‭ ‬ومن‭ ‬إرث‭ ‬ثقيل‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬وعدم‭ ‬الثقة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬البديل‭ ‬عن‭ ‬محاولة‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬أمنى‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد‭ ‬هو‭ ‬استمرار‭ ‬الفوضى‭ ‬وتكرار‭ ‬الحروب‭ ‬وتآكل‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لفكرة‭ ‬الدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬العربي،‭ ‬وتوسيعها‭ ‬لتشمل‭ ‬شراكات‭ ‬إقليمية‭ ‬عقلانية‭ ‬مع‭ ‬تركيا،‭ ‬وربط‭ ‬أي‭ ‬انفتاح‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬وإيران‭ ‬بضمانات‭ ‬حقيقية‭ ‬لتغيير‭ ‬السلوك،‭ ‬قد‭ ‬يمثل‭ ‬المدخل‭ ‬الأكثر‭ ‬واقعية‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬دوامة‭ ‬الصراعات‭ ‬المستمرة‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬تجارب‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬لا‭ ‬يُصنع‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها،‭ ‬وأن‭ ‬الهيمنة‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬إنتاج‭ ‬الاستقرار‭ ‬الدائم‭. ‬كما‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الرؤية‭ ‬الإقليمية‭ ‬المشتركة‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬التدخلات‭ ‬الخارجية‭ ‬وأمام‭ ‬تصاعد‭ ‬النزعات‭ ‬العدوانية‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬الحاجة‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬ترتيبات‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬عسكرية‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬تصور‭ ‬مختلف‭ ‬لمعنى‭ ‬الأمن‭ ‬ذاته‭.‬

 

{ مدير‭ ‬برنامج‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬كارنيجي‭ ‬للسلام‭ ‬الدولي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا