يشهد الشرق الأوسط اليوم لحظة تاريخية فارقة تتداخل فيها الحروب الإقليمية مع التحولات الدولية الكبرى، وتتراجع خلالها اليقينيات الأمنية التي حكمت المنطقة عقودا طويلة. فمنذ نهاية الحرب الباردة، اعتمدت دول الشرق الأوسط، بدرجات متفاوتة، على ترتيبات أمنية غير متوازنة قامت إما على الهيمنة العسكرية الخارجية أو على تحالفات ثنائية مؤقتة أو على سياسات الردع التقليدية. إلا أن السنوات الأخيرة، وخاصة مع تصاعد الحروب الممتدة من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، كشفت حدود هذه الترتيبات وعجزها عن إنتاج الأمن والاستقرار المستدامين. كما أظهرت أن غياب مفهوم الأمن الجماعي في الشرق الأوسط قد تحول إلى أحد أهم مصادر عدم الاستقرار المزمن وإلى سبب مباشر في استنزاف الدول والمجتمعات وتفكيك المجال الإقليمي العربي.
لقد بات واضحًا أن استمرار الاعتماد على التدخلات الخارجية أو على موازين القوة العسكرية وحدها لم يعد كافيًا لحماية الأمن الوطني أو الإقليمي. فالولايات المتحدة، التي مثلت لعقود الضامن الرئيسي للأمن في الخليج والشرق الأوسط، تواجه اليوم حدود قدرتها على فرض الاستقرار في عالم يتجه نحو التعددية القطبية. كما أن القوى الدولية الأخرى، سواء كانت روسيا أو الصين أو الاتحاد الأوروبي، لا تملك الإرادة أو القدرة على بناء نظام أمنى متكامل للمنطقة. وفي المقابل، تستمر القوى الإقليمية غير العربية في توسيع نفوذها السياسي والعسكري والأيديولوجي داخل المجال العربي، مستفيدة من الانقسامات العربية ومن هشاشة الدولة الوطنية في بعض البلدان.
من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة إحياء مفاهيم الأمن الجماعي والدفاع المشترك بين الدول العربية بوصفها المدخل الأكثر واقعية لحماية الاستقرار الإقليمي. والمقصود هنا ليس العودة الشكلية إلى الاتفاقات القديمة أو إلى الخطابات التقليدية التي ميزت النظام العربي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وإنما تطوير مفهوم جديد للأمن الجماعي يقوم على المصالح المشتركة وعلى إدراك أن أمن الدول العربية أصبح مترابطًا بصورة غير مسبوقة. فما يحدث في الخليج يؤثر مباشرة في مصر والأردن والمغرب العربي، وما يجري في البحر الأحمر أو شرق المتوسط أو السودان أو سوريا لم يعد شأنًا محليًّا أو ثانويًّا بالنسبة إلى بقية الدول العربية.
ويفترض هذا التصور الجديد للأمن الجماعي العربي أن يتم الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق بناء المؤسسات الإقليمية القادرة على إدارة الأزمات ومنع الحروب وتسوية النزاعات. فالمنطقة تحتاج إلى آليات دائمة للتنسيق الأمني والعسكري والاستخباراتي، وإلى منظومات مشتركة لحماية الممرات البحرية وأمن الطاقة والأمن السيبراني، كما تحتاج إلى تطوير صناعات دفاعية مشتركة تقلل من الاعتماد الكامل على الخارج. كذلك فإن مفهوم الأمن الجماعي ينبغي ألا يقتصر على الجوانب العسكرية، بل يجب أن يمتد إلى الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي، لأن التهديدات الجديدة لم تعد تنحصر في الجيوش والأسلحة، وإنما تشمل أيضًا الأزمات الاقتصادية والهجرات القسرية والتغير المناخي والانهيارات المجتمعية.
غير أن أي تصور واقعي للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتجاهل الدور التركي. فتركيا اليوم ليست مجرد دولة مجاورة للعالم العربي، بل هي قوة إقليمية كبرى ترتبط بمصالح استراتيجية عميقة مع دول المنطقة في ملفات الأمن والطاقة والتجارة والهجرة. كما أن السنوات الأخيرة أظهرت، رغم التوترات السابقة، إمكانية بناء مساحات واسعة من التعاون بين تركيا وعدد من الدول العربية، خاصة في الخليج ومصر. ولهذا فإن أي مشروع مستقبلي للأمن الجماعي ينبغي أن يدمج تركيا كشريك إقليمي أساسي، لا باعتبارها بديلًا عن النظام العربي أو قوة مهيمنة عليه، وإنما باعتبارها طرفًا يمكن أن يسهم في تحقيق التوازن الإقليمي وفي منع الانزلاق نحو مزيد من الحروب المفتوحة.
إن إدماج تركيا في ترتيبات الأمن الإقليمي يمكن أن يفتح الباب أمام بناء نموذج شبيه، ولو جزئيًا، بالتجربة الأوروبية التي قادت في سبعينيات القرن الماضي إلى عملية هلسنكي ثم إلى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. والمقصود هنا ليس استنساخ النموذج الأوروبي بصورة ميكانيكية، فلكل منطقة خصوصياتها التاريخية والسياسية، وإنما الاستفادة من الفكرة الأساسية التي قامت عليها عملية هلسنكي، أي تحويل التنافس والصراعات إلى قواعد مؤسسية للحوار وإدارة الأزمات وبناء الثقة التدريجية بين الدول.
في المقابل، فإن الحديث عن الأمن الجماعي في الشرق الأوسط لا يمكن أن ينجح دون معالجة أدوار كل من إسرائيل وإيران، باعتبارهما القوتين الأكثر تأثيرًا في معادلات الصراع الإقليمي. غير أن دمجهما الكامل والفوري في أي نظام أمنى إقليمي يبدو أمرًا غير واقعي في ظل السياسات الحالية لكل منهما. ولهذا فإن المقاربة الأكثر عقلانية تتمثل في ربط أي انخراط إسرائيلي أو إيراني بتقديم ضمانات واضحة ومحددة لتغيير السلوك الإقليمي.
بالنسبة إلى إيران، فإن المطلوب لا يقتصر على العودة إلى التفاهمات النووية أو تخفيض مستويات التخصيب، وإنما يمتد إلى الالتزام الصريح بعدم استخدام المليشيات المسلحة كأدوات للنفوذ الإقليمي، واحترام سيادة الدول العربية، ووقف التدخلات العسكرية والأمنية المباشرة وغير المباشرة في بلدان مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن. كما أن بناء الثقة مع دول الخليج والعالم العربي يتطلب من طهران تبني سياسة تقوم على التعاون الاقتصادي والأمني بدلًا من تصدير الصراعات الأيديولوجية والجيوسياسية.
أما إسرائيل، فإن أي حديث عن إدماجها في ترتيبات الأمن الإقليمي يجب أن يرتبط بوقف سياسات الاحتلال والاستيطان وبالالتزام الواضح بحل عادل للقضية الفلسطينية يضمن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. فاستمرار الحرب المفتوحة في غزة، وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، واستخدام القوة العسكرية بصورة مفرطة، كلها عوامل تجعل من الصعب تصور نظام أمنى إقليمي مستقر تشارك فيه إسرائيل دون تغيير جوهري في سياساتها. كما أن المطلوب من إسرائيل لا يتعلق فقط بالفلسطينيين، وإنما أيضًا بالامتناع عن استخدام التفوق العسكري كوسيلة دائمة لإدارة العلاقات الإقليمية.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام خيارين متناقضين. الخيار الأول هو استمرار منطق الصراعات المفتوحة والتحالفات المؤقتة والتدخلات الخارجية، وهو منطق يقود إلى مزيد من التفكك وإلى تحويل المنطقة إلى ساحة دائمة للحروب بالوكالة وللتنافس الدولي. أما الخيار الثاني فهو الشروع التدريجي في بناء نظام إقليمي جديد يقوم على الأمن الجماعي والتعاون المشترك وإدارة التوازنات عبر المؤسسات والحوار لا عبر القوة العسكرية وحدها.
ولا شك أن الطريق نحو هذا الهدف سيكون طويلًا ومعقدًا، لأن المنطقة تعاني من انقسامات عميقة ومن إرث ثقيل من الحروب وعدم الثقة. إلا أن البديل عن محاولة بناء نظام أمنى إقليمي جديد هو استمرار الفوضى وتكرار الحروب وتآكل الدولة الوطنية. ولهذا فإن إعادة الاعتبار لفكرة الدفاع المشترك العربي، وتوسيعها لتشمل شراكات إقليمية عقلانية مع تركيا، وربط أي انفتاح على إسرائيل وإيران بضمانات حقيقية لتغيير السلوك، قد يمثل المدخل الأكثر واقعية لإنقاذ الشرق الأوسط من دوامة الصراعات المستمرة.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الأمن لا يُصنع بالقوة العسكرية وحدها، وأن الهيمنة مهما بلغت لا تستطيع إنتاج الاستقرار الدائم. كما أثبتت أن غياب الرؤية الإقليمية المشتركة يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية وأمام تصاعد النزعات العدوانية. ومن ثم فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى ترتيبات سياسية أو عسكرية جديدة، بل إلى تصور مختلف لمعنى الأمن ذاته.
{ مدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك