مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في الكونجرس الأمريكي في نوفمبر القادم، يسألني كثيرون عما قد تحمله من تأثير في إدارة ترامب وفي قضايا منطقتنا، خصوصًا لأن حزب الرئيس وهو هنا الحزب الجمهوري يخسر عادة بعض المقاعد في مثل تلك الانتخابات. لكنني أظن أن إعادة رسم الجمهوريين للدوائر الانتخابية ستؤثر سلبًا في فرص الديمقراطيين بشكل كبير.
لكن الأهم على الإطلاق، في تقديري، هي تلك المفارقة الواضحة. فبينما تتدنى شعبية ترامب فإن المشكلة الحقيقية هي الحالة البائسة للحزب الديمقراطي. أما السياسة الأمريكية تجاه المنطقة فلن تتغير، حتى لو فاز الديمقراطيون بالمجلسين.
وأزمة الحزب الديمقراطي ليست مجرد عجزه عن إقناع عموم الناخبين بجدارته، وإنما هي أزمة حقيقية مع جمهور الحزب ذاته، الذي وصلت الفجوة بينه وبين نخبة الحزب لهوة سحيقة ليس بمقدور الحزب، ما لم تحدث مفاجآت، أن يخرج منها قبل الانتخابات. ولعل الجدل الذي صاحب نشر تقرير الحزب حول أسباب خسارته الانتخابات الرئاسية 2024 هو أحدث تجليات الأزمة. فليس خافيًا أن الدعم غير المشروط الذي قدمته إدارة بايدن لإسرائيل لإبادة غزة تسبب في خسارة كاميلا هاريس لنسبة معتبرة من الأصوات، وهو ما جاء فعلًا بالتقرير.
لكن المفاجأة أن قيادات الحزب نشرت التقرير بعد أن حذفت منه الجزء الذي تناول تأثير غزة برمته، وهو ما فجّر غضبًا وصل إلى حد مطالبة رئيس أعلى لجنة بالحزب بالاستقالة.
والحقيقة أن حذف الجزء الخاص بغزة من تقرير هدفه الأساسي التعافي، بعد «تشريح» أسباب الهزيمة، يتسق مع سلوك نخبة الحزب. فإدارة ترامب ليست وحدها التي تعيش في عالم وردي مغاير للواقع، إذ تعيش نخبة الحزب الديمقراطي هي الأخرى في عالم موازٍ يكشف عنه ما لم يحذف من التقرير.
فهو مثلًا يتحدث بفخر عما حققه بيل كلينتون للحزب حين أحدث تغييرًا جوهريًا حوَّل بوصلة الحزب نحو الوسط، حيث يقع أغلب الأمريكيين، وبعد أن كان يخسر الانتخابات لتمركزه على اليسار، وهذا التشخيص هو بالضبط جوهر أزمة الحزب. فالحكاية أن ما فعله كلينتون وقتها كان أن سعى إلى اجتذاب أصحاب المصالح والأموال الكبرى للحزب. وهو ما كان يعني تجاهل مصالح قطاعات جوهرية من ناخبيه وفق فكرة انتهازية مؤداها أن أولئك الناخبين ليس أمامهم سوى التصويت للحزب لأن الجمهوريين أخطر على مصالحهم.
وقد نجحت تلك الفكرة أول الأمر لكن سرعان ما توقفت تلك القطاعات الواحدة تلو الأخرى عن دعم الديمقراطيين الذين يمثلون الوسط ويمين الوسط، عبر الامتناع عن التصويت أو عبر التصويت لمرشحين ديمقراطيين تقدميين أو لأحزاب صغيرة.
والأخطر كان انتقال العمال البيض بالكامل إلى خانة الحزب الجمهوري فصاروا جمهور ترامب! وتلاهم قطاع من الأمريكيين من أصول لاتينية.
لكل ذلك، فإن حذف صفحات التقرير التي أكدت أن غزة لعبت دورًا في الهزيمة معناه أن الحزب سيُمعن في المضي في المسار نفسه. ففي العالم الموازي الذي تعيش فيه نخبة الحزب، يمكن تبني خطاب انتخابي يتظاهر بالتعبير عن الناخب لكن الفوز سيتحقق عبر الأموال الهائلة التي سيتلقاها من أصحاب المصالح في الحملات الانتخابية.
وفي الحكم، يظل الفائز رهينة لدى من موَّل حملته، بما في ذلك الأموال التي تُنفَق لصالح إسرائيل. ولأن لوبي إسرائيل وإسرائيل نفسها باتا سُمًّا زعافًا بالنسبة إلى الناخب الديمقراطي، يتعهد اليوم عشرات المرشحين الديمقراطيين بعدم تلقي أموال من ذلك اللوبي.
لكن اللوبي الصهيوني ينشئ منظمات بأسماء خادعة لا علاقة لها بإسرائيل ليقدم الأموال لهؤلاء ذاتهم فيضمن ولاءهم، بينما يحتالون معًا على الناخب الذي لن يجد اسم إسرائيل في السجلات!.
{ باحثة مختصة في الشؤون الأمريكية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك