في أحد مجالس العزاء جلس بجانبي أحد المعزين، وتخيل أنه يعرفني؛ فبادرني بسؤال: كيف تقضي أوقات فراغك بعد التقاعد؟ وكانت اجابتي تتلخص في زيارة الأهل والأصحاب، وبعض المجالس، والقراءة والكتابة في جريدة «أخبار الخليج»، وممارسة رياضة المشي في بعض الأحيان.
أخونا الستيني استغرب من كلامي، ولم ينتظر لحظة واحدة حتى أكمل إجابتي؛ فأمطرني برد لم أكن أتوقعه، حيث قال بافتخار: «مجالس أنا لا أحب حضورها؛ لأن ما منها فائدة، وأن معظم روادها ليس لهم سوى القيل والقال، لذلك لا أحب ارتيادها»، ثم عرج بعد ذلك على القراءة والكتابة وقال: مستنكراً ومتعجباً «تقرأ» ماذا تقرأ، وماذا تكتب؟!
وواصل حديثه: أنا لا أحب قراءة الصحف، وهو في خضم حديثه سلم عليه أحد المعزين بحرارة، فأدركت أنه يعرفه جيداً، ولذك قطع الكلام معي، وانشغل بالحديث مع صاحبه، فقلت في نفسي أكيد من معارفه القدامى وهذه فرصة بالنسبة إليه؛ حيث باتت مجالس العزاء اليوم من الفرص التي يلتقي فيها المعارف والأصحاب والأصدقاء لتبادل الأحاديث واسترجاع ذكريات الزمن الجميل. أنا أيضاً وجدت في انشغاله بصاحبه فرصة للخروج من المجلس؛ لأن مثل هذه الشخصيات لا تتوافق مع العبد لله، ولا تتناغم معه، حيث لا تشاطرها في الأفكار، ولا في نظرتها للحياة والمجتمع.
لقد سردت هذه الحكاية التي دارت بيني وبين أحد الاشخاص في أحد مجالس العزاء بقصد تسليط الضوء على قضية أرى أنها مهمة، هي العزوف عن القراءة في زمن الحرب. ولكي أبين أن حالة ذلك الشخص ليست هي الحالة الوحيدة في مجتمعنا، وإنما هي سمة متفشية ليس في زمن الحرب ولكن في جميع الأوقات. ولكن شيوعها في هذا الوقت بالذات الذي تشهد فيه منطقتنا عدوانا سافرا وآثما من الجار المعتدي تصبح القراءة ومتابعة الأحداث ليست ترفاً بل ضرورة تحتمها الظروف التي نعيشها؛ لأن المعتدي لا يكتفي بعملياته العسكرية، وإنما يحاول اختراق جبهتنا الداخلية من خلال تحريك بيادقه التي تتماهى معه في أيديولوجيته للعبث بأمننا في الساحة المحلية.
فالموضوع مهم، واحسب أن الكثيرين من المهتمين يشاركونني الرأي في أنه يستحق الوقوف عنده وخاصة في هذه الظروف الحرجة التي نمر بها؛ حيث لا يمكن أن نتصور شخصا ما يريد أن يفهم الأحداث، ويتفاعل معها، ويكون اتجاهاً إزاء الأحداث وهو بعيد عن قراءة الصحف. مثل هؤلاء الأشخاص -وهم كثر- من أين يستقون معلوماتهم عن الأوضاع؟
في اعتقادي أن القراءة وريادة المجالس اليوم جداً مهمة، وهذا ما يؤكده الغالبية من الناس إلا ذلك الاخ الذي يغرد خارج السرب؛ حيث يرى معظم الناس أن المجالس تعزز اللحمة الوطنية وتسهم في توحيد الرأي العام إزاء القضايا الوطنية، كما يعتقدون أن المجالس تشكل أحد المصادر الأساسية للمعلومات التي تسهم في تشكيل وعي الفرد، وتساعد على بناء رأي عام مستنير إزاء القضايا الوطنية وخاصة في هذه الظروف التي يواجه فيها المجتمع البحريني تحديات جمة وغير مسبوقة، تتطلب من الجماهير أن تكون واعية، وحاضرة بقوة في المشهد عاطفياً وعقلياً لكي تمارس دورها بفعالية في الأحداث، وأن لا تكون متفرجة عليها من بعيد.
في ظني أن هذا الحضور المعرفي والوجداني لن يتأتى إليها إلا من خلال مشاركتها في المجالس وتفاعلها مع الأحداث الجارية، وبذلك يترجمون المقولة الشهيرة «المجالس مدراس» على أرض الواقع.
وإذا كانت المجالس كما يقول الأولون «مدارس»، فإن الفرد يستفيد من حضورها عبر احتكاكه بأصحاب الرأي الذين يثْرون المجالس بآرائهم حول قضايا المجتمع عبر أطروحاتهم التي تعتمد على التحليل العلمي الرصين.
لا شك أن مثل هذه الآراء تسهم في بناء الوعي الاجتماعي، وتساعد على تكوين رأي عام وطني مستنير يتناسب مع جسامة الأحداث التي يعيشها وطننا العزيز والمنطقة بأسرها؛ فالتحديات التي نواجهها اليوم ليست سهلة، فهي تتعلق بوجودنا، وتحتاج منا إلى أن نكون في مستوى الحدث من خلال الفهم والوعي، ومقاربة الأخطار التي تداهمنا، لكي نتمكن من مواجهتها ونقطع الطريق على كل من يتربص بوطننا العزيز داخلياً وخارجياً.
من هنا، تتعاظم أدوار المجالس وأهميتها وخاصة في زمن الحرب باعتبارها أحد المصادر التي تسهم في تشكيل وعي الأفراد، وخلق رأي عام وطني مناهض للعدوان الإيراني على دول الخليج العربية، إذ إن مواقف رواد هذه المجالس إزاء الحرب تتماهى مع السردية الوطنية.
أما قراءة الصحف ومطالعة آراء الكتاب والمحللين السياسيين فهي عملية ضرورية وليست ترفاً لكونها ركيزة أساسية لتوسيع المدارك المعرفية، وبناء وعي مجتمعي وسياسي عميق، حيث تمنح الفرد القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على أسس صحيحة وتجنب الوقوع في فخ الأخبار المضللة، كما أنها تساعد الفرد على المشاركة الفعالة في المناقشات العامة، وتكوين رأي عام مستنير حول ما يجري في المنطقة يرقى إلى مستوى الأحداث.
كما لا تقل القراءة في أهميتها عن دور المجالس في هذه الفترة التي نعيشها، إذ يتعاظم دورها في تشكيل وعي الناس وفعاليتهم المجتمعية، وهنا يستحضرني رأي الروائي الكبير علاء الأسواني صاحب رواية «عمارة يعقوبيان» الذي أوضح أن قراءة الأدب ليست مجرد ترفيه، بل أداة تحريرية ووعيا سياسيا، وهو يعتقد أن قراءة الأدب تمنح الإنسان القدرة على التفكير النقدي. وهنا أقول: إذا كان أي شخص لا يطيق القراءة، ولا يقوى على قراءة الأدب ونحن لا نطالبه بذلك، فعلى الأقل من باب التعرف على ما يجري حوله من أحداث في محيطه المحلي والإقليمي أن يكتفي بقراءة الصحف المحلية والإقليمية ليستطيع أن يشارك بفعالية في مناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية، وأن يكون رأيه مبنياً على معرفة ودراية، وهذا في اعتقادي أهون من أن يكون متفرجاً على الأحداث من بعيد كما يقول المثل: «زي الأطرش في الزفة».
الخلاصة، في هذا الزمن الذي باتت فيه السوشيال ميديا عبر منصاتها الرقمية هي المتحكمة في تشكيل الوعي الجمعي للناس؛ حيث تقوم بخلط الحقائق مع الأكاذيب، فإن ذلك يتطلب أن يكون فيه الإنسان أكثر وعياً من أي وقت مضى، وتصبح القراءة أكثر أهمية، وأكثر ضرورة، ولا يمكن للفرد أن يستغني عنها، فهي كالماء والهواء، لأنها تنير الطريق وتزيح الجهل.
وهنا نقول ليس المطلوب من الفرد في هذه المرحلة أن يكون سياسياً كما يعتقد البعض بقدر أن يكون واعياً ومتفاعلاً مع الأحداث، وأن يكون له رأي سياسي مبني على العلم والمعرفة بالمتغيرات الإقليمية والدولية، والقصد أن لا يكون جاهلاً.
يقول أبو العلاء المعري:
ولما رأيتُ الجهل في الناس فاشياً
تجاهلت حتى ظُنّ أنّي جاهل
فوا عَجباً كم يَدعي الفضل ناقصٌ
ووا أسَفاً كم يُظهِر النّقْصَ فاضلُ.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك