يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
إعادة تأهيل النظام الإيراني
الاتفاق يترك دول مجلس التعاون وحدها في مواجهة العدو الإيراني
الحرب أنقذت النظام الإيراني وجعلته أكثر عدوانية وخطورة
دولنا يجب أن تخطط لردع التهديد الإيراني بقدراتها الذاتية دون انتظار مساعدة أحد
أمريكا وإيران ستعلنان النصر ونبقى نحن العرب الخاسر الأكبر
انتظروا حديث ترامب عن «عودة إيران العظيمة مرة أخرى»

هذه مفارقة تاريخية غريبة حقا
الحرب التي تم شنها على إيران والتي كان من المفترض أن تدمر قواها العسكرية وتضعف النظام أو حتى تقود إلى سقوطه، والتي كان المفترض أن تحجم الخطر الإرهابي الإيراني على دول المنطقة.. هذه الحرب انتهت بما لم يكن يتوقعه أحد.. انتهت بإنقاذ النظام، بل وجعله أكثر قوة وعدوانية وخطورة.
ومع الاتفاق بين أمريكا وإيران الذي من المتوقع التوصل إليه في أي وقت، وبالبنود المعلنة التي يتضمنها، نشهد عملية إعادة تأهيل للنظام الإيراني.. عملية إعادة تقديمه في صورة جديدة تخالف حقيقته كنظام إرهابي يهدد دولنا العربية.
يحدث هذا في ظل تجاهل كامل للعدوان الإرهابي الذي تشنه إيران على دولنا ودون أي ضمانات بألا يتكرر في المستقبل الأمر الذي يترك دول مجلس التعاون وحدها في مواجهة عدو غاشم ويضعها أمام قرارات حاسمة يجب أن تتخذها.
من المهم أن نفهم ما يجري بالضبط.
الحرب أنقذت النظام
هناك شبه إجماع بين المحللين في العالم على أن الحرب على إيران انتهت عمليا بإنقاذ النظام الإيراني وليس إضعافه كما كان متصورا.
أهم التحليلات التي نشرت في هذا الخصوص تحليل مطول نشرته مجلة «فورين افيرز» الأمريكية الشهيرة تحت عنوان «كيف أنقذت الحرب النظام الإيراني؟»
لنتأمل ماذا جاء بالتحليل
يقول التحليل إنه بحسب ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» ومصادر أخرى، في مطلع شهر فبراير نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في إقناع ترامب بأن شن ضربات عنيفة على إيران سوف يساعد على اندلاع انتفاضة ضد النظام، وقد يقود إلى سقوطه. لكن ما حدث أنه بعد شن الحرب واغتيال المرشد وعديد من القادة الآخرين لم تسقط الجمهورية الإسلامية بل أصبحت أكثر قوة.
بدلا من أن تسرع الحرب واغتيال القادة عملية التغيير فإنها فعلت العكس تماما وأنقذت النظام وقوت صفوفه.
قبل الحرب كان النظام الإيراني يعاني من أزمة شرعية ومن أزمات خانقة. وأجمع المحللون والخبراء في ذلك الوقت على أن النظام كان يفكر في تغيير سياساته كي يتجنب انفجار الغضب الشعبي على نطاق واسع. بعبارة أخرى كانت الضغوط من أجل التغيير قوية لدرجة أنها أجبرت النظام على التفكير في تغيير تكتيكاته. ولم يكن هذا كافيا لتجنب اندلاع الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت فعلا في ديسمبر عام 2025. وبلغت الأزمة الاقتصادية حدودا غير مسبوقة.
في ظل هذه الظروف، بالإضافة إلى ضغوط نتنياهو على ترامب، فإن الدائرة المحيطة بترامب أقنعته أنه من الممكن معاملة النظام الإيراني بنفس الطريقة التي عامل بها فنزويلا، وأن الضغوط الشديدة يمكن أن تقود إلى تغيير النظام.
لكن هؤلاء لم يفهموا أن النظام بنى مؤسسات دينية وعسكرية قوية وصمم بنية النظام عموما بحيث يستطيع الاستمرار في العمل تحت الضغط.
الذي حدث أنه بسبب الحرب حدث تحول كبير في ميزان القوة الداخلي لصالح الحرس الثوري وعلى حساب كل المؤسسات الأخرى لصنع السياسة واتخاذ القرار بما في ذلك الرئاسة ومجلس الأمن القومي. أصبحت السلطة مركزة بيد الحرس الثوري وتراجع تأثير الخلافات بين مختلف أجهزة صنع السيادة. وأصبح النظام أكثر عدوانية بدليل العدوان الذي شنه على دول مجلس التعاون. والحرب حجمت القوى المعارضة للنظام بحيث أصبح أكثر صلابة وتماسكا على الرغم من أنه يبدو أكثر ضعفا في الظاهر.
يقول البعض إنه بعد أن تنتهي الحرب وتحت وطأة الظروف الاقتصادية والاجتماعية سيعود الغضب الشعبي إلى التفجر ضد النظام. لكن يجب أن نلاحظ أن اتفاق ما بعد الحرب سيتضمن رفعا للعقوبات بما يتيح للنظام تحسين الأوضاع. كما أن الحرب أدت إلى الاتصال المباشر بين أمريكا وإيران وإلى أشكال جديدة من الاعتراف الدولي بما سيتيح للنظام الاستفادة من هذا الوضع لتحسين أوضاعه.
جانب آخر مهم هو أن سيطرة الحرس الثوري وتراجع نفوذ رجال الدين من الممكن أن يؤدي إلى أن يصبح النظام أكثر استعدادا لتخفيف القيود الدينية المتشددة في الحياة العامة.
الخلاصة إن من أكثر نتائج الحرب سوءا وكآبة أنها خنقت احتمالات التغيير الداخلي.
استراتيجيات تغيير النظم تفشل عادة ليس بسبب أن النظم قوية داخليا بالضرورة ولكن بسبب قدرتها على التكيف مع الأوضاع والتطورات. وفي حالة إيران فإن الضغوط الخارجية لم تؤد إلى كسر النظام أو شق صفوفه وإضعافه، بل أدت إلى تقويتيه وتقوية موقف أكثر العناصر تطرفا وتشددا في النظام.
والنتيجة النهائية أنه بعد الحرب سنكون أمام نظام إيراني أكثر انفلاتا وأكثر خطورة.
كما نرى، هذا تحليل منطقي مقنع قدمته الفورين افيرز تترتب عليه تبعات كثيرة.
◾ ◾ ◾
ما يقوله ترامب
علينا أن نتوقف مليا عند التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي ترامب في الفترة الماضية عن إيران وما تعنيه بالضبط. في كل تصريحاته في الفترة الماضية توقف ترامب عند أمرين أساسيين كلاهما غير صحيح:
الأول: قوله إن النظام الإيراني تغير فعلا وإن هناك نظاما جديدا الآن في إيران، وإن القيادات الجديدة التي تتفاوض معها أمريكا مختلفة تماما عن القيادات السابقة.
يقول ترامب باستمرار إن القيادات الجديدة في إيران معتدلة وتفكر وتقرر وتتصرف بشكل عقلاني مسئول.. وهكذا.
ما يقوله ترامب بهذا الشأن ليس صحيحا. كل القيادات الجديدة التي يتحدث عنها ترامب ليست جديدة أبدا. كلهم من أركان النظام منذ سنوات طويلة ويتبنون بداهة كل معتقداته وأفكاره وخططه واستراتيجياته وكانوا دائما مدافعين شرسين عن النظام.
أن يكون هؤلاء قد أبدوا مرونة في مواقفهم من أجل التوصل إلى اتفاق مع أمريكا، فلم يكن هذا بسبب تغير في عقيدتهم أو أفكارهم أو مواقفهم وقناعاتهم، وإنما فعلوا هذا مضطرين تحت الضغط بعد الهجوم الذي شنته أمريكا وإسرائيل وما أحدثه من دمار.
بل إن سعي هؤلاء إلى التوصل إلى اتفاق مع أمريكا يؤكد عكس ما يقوله ترامب. يؤكد ولاءهم وحرصهم على النظام كما هو، فكل ما يحرصون عليه هو إنقاذ النظام وبقاؤه كما هو لا أي شيء آخر. هم يفكرون بمنطق، دعنا نتوصل إلى اتفاق ونحفظ بقاء النظام وليكن بعد هذا ما يكون.
الأمر الثاني: يؤكد ترامب في كل تصريحاته أنه تم تدمير قدرات إيران العسكرية بالكامل. يقول باستمرار إن كل قدرات إيران النووية تدمرت ولم يعد لديها بحرية أو طيران أو مخزون للصواريخ.. وهكذا.
بالطبع هذه مبالغة كبيرة. بالتأكيد ألحق الهجوم دمارا كبيرا بإيران وقدراتها ولكن القول بإن كل قدراتها العسكرية تم القضاء عليه ليس صحيحا ولا يمكن أن يعكس الحقيقة.
من المفهوم أن ترامب حرص على ترديد هذا الكلام في الفترة الماضية عن النظام الجديد وعن قدرات إيران في إطار سعيه لدفع الإيرانيين إلى قبول التوصل إلى اتفاق هو يريده بإلحاح بالنظر إلى الأوضاع الداخلية في أمريكا.
الخطورة في تصريحات ترامب أنها تندرج في إطار التمهيد لإعادة تقديم النظام الإيراني في صورة جديدة بعد أن يتم التوصل إلى اتفاق كما سنرى.
◾ ◾ ◾
عن الاتفاق
كل يوم نسمع أخبارا وتقارير مختلفة عن الاتفاق الذي يجري التفاوض حوله بين أمريكا وإيران لإنهاء الحرب والبنود التي يتضمنها. لكن من واقع المعلومات المتوفرة والتقارير المختلفة حول الاتفاق الذي من المفترض أن يرتب لأوضاع جديدة هناك ثلاث ملاحظات كبرى يجب أن نتوقف عندها.
أولا: من الواضح أن الخلاف بين أمريكا وإيران يدور أساسا حول قضيتين كبيرتين. القضية الأولى هي قدرات إيران النووية وضمانات بألا تمتلك السلاح النووي وما يرتبط بهذا من مسألة التخصيب، والمخزون الذي تمتلكه إيران من اليورانيوم المخصب. والقضية الثانية هي مضيق هرمز ومسالة أن يفتح أمام الملاحة، ومن يتحكم أو لا يتحكم فيه.
الاتفاق أو الوصول إلى تفاهم حول المسألتين هو المعيار الأساسي بالنسبة إلى أمريكا للتوصل إلى اتفاق ليس أي شيء آخر.
ثانيا: إنه في حال التوصل إلى اتفاق سيتم رفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران. وغير هذا يتم الإفراج عن أرصدة إيران المجمدة.
وتتفاوت التقديرات حول حجم الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، تقول بعض المصادر إنها تصل إلى أكثر من 100 مليار دولار بينما تتحدث بعض التقارير أنها لا تتجاوز 27 ملياراً.
صندوق النقد الدولي مثلا، ذكر في تقرير صدر في أبريل 2022 إلى أن قيمة الأرصدة الإيرانية بلغت 115.4 مليار دولار. في كل الأحوال ستحصل إيران على عشرات المليارات.
ثالثا: في نفس الوقت طوال الفترة الماضية والحديث عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية وتفاصيلها لم نسمع إطلاقا من جانب أمريكا أي اهتمام في المفاوضات أو خارجها بالعدوان الإرهابي الإيراني الذي تعرضت له دول مجلس التعاون وما يعنيه من تهديد جسيم لأمنها واستقرارها وسلامة شعوبها. الموضوع ببساطة ليس مطروحا في المفاوضات.
ولا يقل أهمية عن هذا أننا لم نلمس أي اهتمام جدي في المفاوضات بالقضايا الكبرى التي تهم دول مجلس التعاون ولا بأن تكون مطروحة أصلا على مائدة التفاوض.
حتى القضية الوحيدة التي أدرجتها أمريكا في البداية على قائمة مطالبها من الواضح أنه تم تجاوزها وتجاهلها.
نعني قضية المليشيات والجماعات الإرهابية التابعة لإيران في الدول العربية والمطالبة بأن توقف إيران تمويل ودعم هذه القوى والمليشيات.
طوال الفترة الماضية لم نسمع عن أي اهتمام أمريكي بأن تكون هذه مسألة حاسمة في المفاوضات أو معيارا لنجاحها أو فشلها على الرغم مما تمثله من أهمية حاسمة للدول العربية.
وبشكل عام العدوان الإرهابي الإيراني على دولنا وما يتعلق بأمنها واستقرارها ليست من ضمن حسابات الاتفاق بين أمريكا وإيران ولا تحظى بالاهتمام.
◾ ◾ ◾
ما ذا يعني هذا؟
ما معنى كل ما ذكرناه وما الذي يقود إليه من نتائج بالنسبة إلى دول مجلس التعاون بالذات؟
أول وأكبر هذه النتائج كما ذكرنا أن النظام الإيراني سيخرج من الحرب أكثر قوة وعدوانية.
على الرغم من الضربات التي تم توجيهها لإيران وقدراتها، إلا أنه من الواضح أن قدراتها العسكرية ما زالت كبيرة حتى أن المخابرات الأمريكية نفسها قدرت أن قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيرة لم تتأثر كثيرا بسبب الحرب.
وبالإضافة إلى هذا يعتبر النظام الإيراني أنه استطاع فرض شروطه على أمريكا، وذلك عبر استغلال مضيق هرمز كأداة ضغط، وعبر استغلال الأوضاع الداخلية في أمريكا التي تحجم الرئيس ترامب.
وأي اتفاق يتم التوصل إليه سوف يمد النظام الإيراني بموارد مالية تقدر بعشرات المليارات مما سيمكنه من حل بعض أزماته وتقوية قدراته أكثر، وأيضا تقوية المليشيات العميلة له في الدول العربية وتعزيز دورها الإرهابي الذي تلعبه.
يترتب على هذا أن النظام الإيراني سوف يعتبر أنه أصبح في موقع يتيح له تصعيد سياسته العدوانية تجاه دول مجلس التعاون.
ونلاحظ أن قادة النظام الإيراني يعلنون بالفعل الانتصار على أمريكا وفرض شروطهم، ويتحدثون عن أن إيران خرجت من الحرب قوة عظمى إقليمية ودولية يمكنها فرض شروطها في المستقبل. كما يتحدث قادة النظام عن نظام إقليمي جديد في المنطقة يريدون فرضه على دولها وشعوبها.
يبقى أن النتيجة الأخطر لكل ما يجري أن أي اتفاق بين أمريكا وإيران يترك دول مجلس التعاون بلا أي ضمانات ولا تعهدات من أي نوع تتعلق بالعدوان الإرهابي الإيراني على دول وشعوب المجلس حاليا ومستقبلا ولا بأمن واستقرار دول المجلس. كما قلنا القضية ليست مطروحة أصلا ولا تحظى بأي اهتمام أمريكي.
مع أي اتفاق سوف تعلن أمريكا النصر، وإيران سوف تعلن النصر، وستبقى دولنا العربية هي الخاسر الأكبر.
◾ ◾ ◾
كما نرى، إنه بعد الحرب ومع الاتفاق الأمريكي الإيراني فإننا نشهد عملية إعادة تأهيل للنظام الإيراني... نشهد إعادة تقديمه للعالم على اعتبار أنه نظام قوي يجنح للسلام والاتفاق ومستعد للتفاهم مع أمريكا وجدير بالاندماج في المجتمع الدولي.. وهكذا. وقد نشهد عهدا جديدا من العلاقات الإيرانية الأمريكية بصور مختلفة.
ولنا أن نتوقع بعد الاتفاق حديث الرئيس الأمريكي عن «عودة إيران العظيمة مرة أخرى».
كل هذا سيقود إلى نتيجة واحدة هي نظام إيراني أكثر عدوانية في مواجهة دولنا العربية وأكثر إصرارا على مواصلة استراتيجيته الطائفية التوسعية.
في المحصلة النهائية، أي اتفاق بين أمريكا وإيران سوف يترك دول مجلس التعاون وحدها وجها لوجه أمام العدو الإيراني. وحين نقول العدو فلأن النظام الإيراني بعدوانه الإرهابي على دولنا هو الذي اختار عن عمد وأصر أن يكون عدوا لدولنا.
دول مجلس التعاون يجب أن تبني استراتيجيتها على هذا الأساس. على أساس أنها وحدها التي يجب أن تخطط لمواجهة العدو الإيراني وتحمي أمن واستقرار دولها وشعوبها. وهذا موضوع يستحق حديثا تفصيليا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك