يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
كلمة الملك.. حكمة التاريخ والحضارة

الكلمة التي ألقاها جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، لدى حضور جلالته التمرين المشترك «درع البحرين»، كلمة استثنائية بكل معنى الكلمة.
كلمة جلالة الملك لم تكن مجرد تعبير عن مواقف أو آراء في التطورات والأحداث التي تشهدها المنطقة.. كانت تلخيصا مكثفا ومدهشا لدروس التاريخ والحضارة الكبرى.. حضارة البحرين وتاريخها والتاريخ العربي والحضارة الإسلامية.
الكلمة بعبارة أدق، استخلاص لحكمة التاريخ والحضارة الكبرى التي على ضوئها يجب أن نحدد مواقفنا وسياساتنا واستراتيجيتنا الكبرى، سواء فيما يتعلق بدول مجلس التعاون ومستقبلها، أو فيما يتعلق بالعدوان الإيراني على دولنا والتحديات التي نواجهها بشكل عام.
فيا يتعلق بدول مجلس التعاون، القارئ لكلمة جلالته يجد أنه حدد ثلاثة دروس تاريخية وحضارية كبرى يجب أن نعيها ونتصرف على أساسها.
الدرس الأول: أننا في البحرين وكل دول مجلس التعاون مهمتنا الحضارية الكبرى هي «حماية العمران التنموي والحضاري». هذا تعبير جميل لجلالة الملك يلخص الهدف الاستراتيجي الأكبر لدول مجلس التعاون وللمجلس ككيان موحد.
مهمتنا بحسب تعبير جلالة الملك هي البناء لا الهدم.. هي التنمية والتقدم، والعمل على ازدهار الشعوب وضمان الحياة الكريمة لها.
هذا بالفعل من أكبر دروس التاريخ. لم تكن البحرين وكل دول مجلس التعاون في يوم من الأيام دولا معتدية ولا تضمر شرا أو سوءا لأحد. لم يكن هذا من أولوياتها ولا اهتماماتها أصلا، فكل اهتمامها منصب في بناء خير ومستقبل دولها وشعوبها.
وهذا الدرس التاريخي ينطبق أكثر ما ينطبق على الظروف الحالية المرتبطة بالعدوان الإيراني. لم تبادر دولنا يوما برفع راية العداء لإيران، ولم تستهدفها بأي عمل عدواني على الرغم من تاريخ إيران الطويل باستهداف دولنا وعلى الرغم من أطماعها وخططها العدوانية.
الدرس الثاني: أننا في دول مجلس التعاون يجمعنا مصير واحد.. يجمعنا وحدة الهدف والمصير.
هذا درس لطالما أكده جلالة الملك في كل أحاديث وخطابات جلالته.
وفي كلمة جلالته عبر عن هذا المعنى بشكل بليغ معبر حين قال: «دماؤنا واحدة على كل الجبهات، وتلاحم الصفوف الميدانية هو صورة مشرفة من صور الذود عن وحدة الهدف والمصير في خليج الرفعة والعزة»
هذا درس التاريخ الكبير بالفعل. على امتداد تاريخنا كانت التهديدات التي نواجهها واحدة، والتحديات التي تواجهنا واحدة. وقد جاء العدوان الإرهابي الايراني الذي تعرضت له دولنا ليجسد هذه الحقيقة. العدوان استهدف دولنا وشعوبنا كلها معا ويريد الشر بنا جميعا من دون تفريق.
مصيرنا الواحد الذي تحدث عنه جلالة الملك ليس مجرد درس من تاريخ مضى، وانما هو درس للمستقبل يجب أن نتصرف على أساسه. وهذا هو ما أراد جلالته تأكيده بلا شك.
بمعنى أن وحدة المصير تحتم بالضرورة وحدة المواقف والسياسات نظريا وفي الواقع العملي.
الدرس الثالث: أنه ولأن مصيرنا واحد، فليس أمامنا من سبيل سوى الوحدة والتكاتف والتلاحم على كل المستويات.
هذا أمر بديهي، فجلالة الملك يدرك أن حشد القوى والإمكانات المشتركة لدول مجلس التعاون في إطار موحد من شأنه تمكينها من مواجهة كل التحديات وتحقيق ما تصبو إليه.
لهذا نجد أن جلالته في الكلمة أكد أكثر من مرة ضرورة تعزيز القوة المشتركة وبالأخص في المجال الدفاعي والعسكري، بحكم المناسبة التي تحدث فيها جلالته أي تمرين درع البحرين. وكما قال جلالته: يأتي تمرين «درع البحرين» امتدادًا عملياً لجهود المجلس في تعزيز أمنه الجماعي واستكمال منظومة التكامل الدفاعي ضمن برامج الردع المشترك».
وعلى العموم معروف أن جلالة الملك كان دوما في طليعة الداعين إلى وحدة دول مجلس التعاون.
أما فيما يتعلق بالعدوان الإيراني الغادر وما يمثله من تهديد جسيم لدولنا وشعوبنا، فقد تطرق إليه جلالة الملك من زاوية تاريخية وحضارية تطرح لأول مرة.
جلالته اعتبر أن إيران بعدوانها غير المبرر على دولنا تنكرت للرابطة الدينية التي من المفترض أن تجمعنا بها، كما تناست «فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية، التي أكسبت حضارتها عمقًا روحيًّا وإنسانيًّا ومعرفيًّا بعد عصور من الضلال».
هذا يعني أن العدوان الإيراني على دولنا هو في جوهره عدوان على روابط الدين وعلى الحضارة والقيم الإنسانية.
ومع ذلك أعرب جلالة الملك عن الأمل في أن «تعود الأمور إلى نصابها الصحيح بترجيح كفة الأخوة الإسلامية، بشرط الالتزام بقيم الشريعة السمحاء القائمة على العيش المشترك واحترام عهود حسن الجوار».
لو أن في إيران قيادة عاقلة لاعتبرت أن ما قاله جلالة الملك «يد ممدودة للسلام» بالشروط التي حددها جلالته.
هكذا إذن، استخلص جلالة الملك في كلمته دروس التاريخ الكبرى، وحكمة التاريخ والحضارة، كي يوجه رسالة إلى دول وشعوب مجلس التعاون الخليجي في وقت نشهد فيه أحداثا جساما.
رسالة جلالة الملك مؤداها أننا أقوياء وقادرون على حماية أمننا ومواجهة التهديدات والتحديات بكفاءة، وتحقيق ما تتطلع إليه شعوبنا من استقرار ونهضة وتقدم.
نحن أقوياء بتاريخنا وحضارتنا وبقيمنا ومبادئنا الإنسانية وأهدافنا وغاياتنا النبيلة.
نحن أقوياء بقدراتنا وإمكاناتنا الهائلة في كل المجالات.
نحن أقوياء بعلاقاتنا وروابطنا العالمية وبدعم أشقائنا وأصدقائنا في العالم.
لكن قوتنا يجب أن تتجسد في تكاتفنا وتلاحمنا ووحدة صفنا.. في وحدتنا وحشد قوانا المشتركة بشكل جماعي.
هذه هي رسالة جلالة الملك.. رسالة البحرين.. بحرين التاريخ والحضارة والإنسانية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك