حين تُستهدف الإمارات بالصواريخ والمسيّرات، فليست المسألة حادثًا أمنيًا عابرًا، ولا خبرًا يمرّ في شريط عاجل ثم يختفي. إنها لحظة اختبار: اختبار للسيادة، ولأمن الخليج، ولصدق كل من يتحدث عن حسن الجوار ثم يترك النار تتكلم بدل السياسة.
الإمارات ليست ساحة رسائل لمن أراد أن يبعث تهديدًا إلى العالم. وليست دولة تُختبر سماؤها كلما ضاقت خيارات الآخرين. ومن يظن أن ضرب الإمارات يمكن أن يمرّ كتكتيك عابر، فلنجعله في دعثور ما يثور؛ لأنه أخطأ في قراءة الدولة، وأخطأ في قراءة الخليج، وأخطأ قبل ذلك في فهم معنى السيادة.
حين تتغير مسارات الطيران بسبب صاروخ، فهذه ليست مسألة ملاحة فقط؛ هذه شهادة بأن الخطر دخل المجال الذي لا يُفترض أن يدخله. وحين تتعامل الدفاعات الجوية مع مسيّرات وصواريخ، فهذه ليست تفاصيل عسكرية مجردة؛ هذه صورة واضحة لدولة تحمي سماءها ومدنييها ومنشآتها من سلوك عدواني مباشر.
وهنا يجب أن تُقال الكلمة بلا تردد: من يهدد الإمارات لا يهدد جغرافيا وحدها، بل يهدد نموذجًا كاملًا. نموذج الدولة التي بنت مكانتها بالموانئ، والمطارات، والطاقة، والاقتصاد، والدبلوماسية، والانفتاح، والاستثمار في الإنسان. الإمارات لم تصنع حضورها بالصراخ، بل بالإنجاز. لذلك فإن استهدافها ليس استهدافًا لدولة فقط؛ بل استهدافا لفكرة أن القوة يمكن أن تكون طاقة بناء لا هدمًا، ونفوذًا لا فوضى، وحضورًا لا ابتزازًا.
والأخطر أن التصعيد لم يعد يلامس حدود السياسة وحدها، بل اقترب من محيط منشآت حساسة لا يجوز العبث بجوارها تحت أي ذريعة. الاقتراب من محيط منشأة نووية سلمية معروفة للعالم كله، ولو لم ينتج عنه تسرّب أو كارثة، ليس رسالة سياسية عابرة؛ بل عبث بحافة خطر لا يخص الإمارات وحدها. المنشآت النووية السلمية ليست ورقة تفاوض، ولا منصة ضغط، ولا مساحة استعراض. من يجرّ النار إلى جوارها يهدد منطق الأمن الإقليمي كله.
إيران تقول إنها تريد الاستقرار، ثم تتحرك بما يهدمه. تقول إنها تحترم السيادة، ثم تُختبر سيادة دولة خليجية بالصواريخ والمسيّرات. تقول إنها ضد التهديد، ثم يصبح التهديد جزءًا من لغتها السياسية. هذا هو التناقض العاري: لا يمكنك أن تطلب احترام حدودك وأنت تختبر حدود غيرك. ولا يمكنك أن ترفع شعار حسن الجوار بينما تجعل الجار يعيش تحت ظل القلق.
الإنكار لا يمحو الفعل، واللغة الدبلوماسية لا تغسل أثر الصاروخ. السياسة لا تُقاس بما يقال بعد الانفجار، بل بما يحدث قبله وأثناءه وبعده. ومن يريد أن يكون جارًا محترمًا فعليه أن يثبت ذلك بكفّ الأذى، لا بتجميل الخطاب.
هنا تظهر المفارقة الكبرى: من يملك مشروع دولة يحمي الاستقرار، ومن يملك مشروع ضغط يهدد الاستقرار. الإمارات اختارت أن تكون منصة تجارة وطاقة وتنمية. أما من يرسل الصواريخ والمسيّرات أو يغذي أدواتها فقد اختار أن يجعل الفوضى لغة سياسية. والفرق بين النموذجين واضح: واحد يبني، وآخر يختبر قدرة الآخرين على منع الهدم.
الوقوف مع الإمارات ليس مجاملة سياسية، ولا انفعالًا عاطفيًا، ولا حماسًا عابرًا. هو موقف عقلاني قبل أن يكون وجدانيًا. أمن الإمارات جزء من أمن الخليج. وأمن الخليج جزء من أمن الطاقة والملاحة والتجارة الدولية. وحين تُهدد أجواء الإمارات أو منشآتها أو محيطها الحيوي، فالضرر لا يقف عند حدود الدولة؛ بل يمتد إلى ثقة العالم في منطقة تعد شريانًا اقتصاديًا حيويًا.
لذلك فالحزم هنا ليس تصعيدًا غير مبرر. الحزم هو أن نسمّي الاعتداء باسمه. أن نقول إن الصاروخ او الاعتداء بمسيرة متفجرة ليس رسالة سياسية مشروعة. هنا نقول إن المسيّرة ليست أداة تفاوض. ونقول إن استهداف المدنيين أو المنشآت الحيوية أو الاقتراب من محيط المنشآت الحساسة ليس بطولة، بل تهورا سياسيا وأخلاقيا.
ومن يريد أن يبرر فليجب عن سؤال واحد: ماذا لو حدث العكس؟ ماذا لو كانت الصواريخ والمسيّرات تتجه إلى دولة أخرى، ثم خرج الطرف المستهدف ليقول إن المسألة «سياق» و«رد» و«حسابات إقليمية»؟ هل كان التبرير سيبقى هادئًا؟ أم أن العالم كان سيطالب فورًا بالمحاسبة؟ العدالة لا تكون عدالة إذا تغيّر اسمها بحسب الجهة التي تطلق النار.
أما من يطالب الإمارات بضبط النفس فقط، من دون أن يطالب المعتدي بالتوقف، فهو لا يدعو إلى السلام؛ بل يطلب من المعتدى عليه ضبط النفس أمام الخطر.
هذه ليست حكمة. هذه مساواة زائفة بين من يحمي بيته ومن يهدده.
الإمارات أثبتت أن ضبط النفس لا يعني الضعف. الدولة الواثقة لا تنجرّ إلى فوضى مفتوحة لمجرد أن غيرها يريد ذلك. لكنها في الوقت نفسه ليست مطالبة بأن تقبل الخطر بصمت، أو أن تعامل الاعتداء كأنه سوء فهم. حماية السيادة واجب. حماية المدنيين واجب. وردع تكرار التهديد واجب.
وهنا يعود المثل إلى موضعه: جعله في دعثور ما يثور.
نقول ذلك حكمًا سياسيًا على منطق العدوان نفسه: من يحفر للمنطقة حفرة الفوضى فليكن أول من يدفع ثمن ذلك، ومن يظن أن أمن الإمارات ورقة ضغط، فذلك هو الدعثور الذي لا يثور منه صاحبه: دعثور العزلة، وفقدان الثقة، وانكشاف التناقض بين القول والفعل.
المعادلة اليوم واضحة: الإمارات دولة ذات سيادة، ومن حقها أن تحمي أرضها وسماءها ومنشآتها. ومن واجب كل صوت عاقل أن يقف معها ضد هذا العدوان الآثم ضد منشآتها النووية السلمية، لأن السكوت عن هذا النوع من الاعتداء يفتح الباب لتكراره. ومن يترك الباب مفتوحًا أمام المسيرات اليوم لا يملك أن يستغرب إن وصلت الفوضى إلى عتبات أخرى غدًا.
إننا تقف مع سيادة الإمارات وأمن الخليج وحق أهل المنطقة في الطمأنينة، ويجب عدم إعطاء الفرصة للمعتدي للتبرير. لا يكفي أن تقول إنك ضد الحرب؛ قل بوضوح إنك ضد من يهدد بها، ومن يحاول تحويل الخليج إلى ساحة اختبار.
في لحظات كهذه، لا تكون الكلمات حيادًا بريئًا. الكلمة موقف. الصمت موقف. والتبرير موقف. فمن يرى الاعتداء ثم يحاول تغطيته بلغة رمادية، فقد اختار موقعه. ومن أراد السلام حقا فليبدأ من وضع النقاط على الحروف، وتسمية الأشياء بمسمياتها بتحديد المعتدي والوقوف ضده، ورفض العبث بأمن الإمارات، وفضح كل من يظن أن إشعال النيران يمكن تبريره في منطقة تريد الحياة.
{ باحث دكتوراه في العلاقات الدولية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك