إسرائيل، المنبوذة اليوم من أغلب شعوب العالم، تعمل بشراسة في الولايات المتحدة وخارجها لرأب صدع جدار الصمت الذي طالما حجب جرائمها عن العالم. والحملة الإسرائيلية تستهدف من يجرؤ على فضح الجرائم أو التضامن مع الفلسطينيين ورفع الثمن الذي يدفعه للحد الأقصى لردع غيره.
في الأسبوع الماضي، أعلنت إسرائيل الحرب على صحيفة النيويورك تايمز، التي لم يُعرف عنها يوما معاداة إسرائيل، لأنها نشرت مقالا يوثق تعذيب الفلسطينيين بسجون الاحتلال. ورغم أن الجريدة حرصت على نشر «نيكولاس كريستوف» لتحقيقه «كمقال للرأي»، لا كتحقيق تتحمل تبعاته الصحيفة، اتهمت إسرائيل النيويورك تايمز «بمعاداة السامية». وبعد أن أنكرت الاتهامات ولعبت دور الضحية، أعلنت أنها ستقاضي الصحيفة. ورغم أن مقال كريستوف أول مقال ينشر بصحيفة أمريكية كبرى، إلا أن التعذيب وخصوصا التعذيب الجنسي موثق منذ عام 2024 حين تسرب فيديو يوثق لجنود إسرائيليين يعذبون جنسيا معتقلا فلسطينيا.
وقتها اندلعت مظاهرات في إسرائيل ليس رفضا للجريمة وإنما احتجاجا على القبض على الجنود، فتم الإفراج عنهم وأعيدوا إلى مواقعهم بالجيش الإسرائيلي بينما احتفى بهم نتنياهو ووصفهم «بالأبطال». وإسرائيل تغتال مئات الصحفيين في فلسطين ولبنان لإسكاتهم وردع غيرهم لأنهم يوثقون جرائمها.
وجرائم إسرائيل عابرة للحدود! وكان آخر تلك الجرائم في المياه الدولية حيث اختطفت عددا من أصحاب الضمائر الحية في العالم ممن كانوا على متن سفن قافلة الصمود التي لا تزال باقي سفنها تحاول استكمال الرحلة إلى غزة. وهي حين أودعت أولئك المتطوعين سجونها قامت بتعذيبهم.
أما أقصى مدة للاعتقال وأسوأ أشكال التعذيب، فقد ادخرتها لأولئك الأكثر جرأة في اتهامهم لإسرائيل، مثل البرازيلي ثياجو أفيلا الذي حين أُفرج عنه، قبل أيام، رفض أن يستطرد في الحديث عن التعذيب الذي تعرض له وأصر على الموضوع الأصلي، إذ قال إن ما تعرض له يظل نقطة في بحر ما يتعرض له الفلسطينيون «منذ ثمانية عقود». والأسبوع الماضي أيضا، تم توقيف مسؤول رفيع بالأمم المتحدة ومصادرة جواز سفره الدبلوماسي والتحقيق معه في مطار بن جوريون حول زيارة قام بها لغزة، بصفته الرسمية، عام 2025! والمفارقة أنه حين تم توقيفه كان هدف زيارته بحث التزامات إسرائيل إزاء سلامة مسؤولي الأمم المتحدة!
ان المسؤولين الأمريكيين لا يدخرون وسعا في مساعدة إسرائيل لاستعادة جدار الصمت. ففضلا عن معاقبة الأكاديميين والطلاب والمؤسسات التعليمية ذاتها، لا يسلم مسؤولو الأمم المتحدة داخل أمريكا. ففرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة لشؤون الأراضي الفلسطينية المحتلة، تتعرض لشتى أنواع التنكيل لأنها، منذ بدأت إبادة غزة، لعبت دورا بالغا في تسليط الضوء على جريمة الإبادة وتوثيقها، وكانت من أول المطالبين للمحكمة الجنائية الدولية بملاحقة مجرمي الحرب من المسؤولين الإسرائيليين، بمن فيهم بن غفير وسموتريتش، بتوثيقها لجرائمهم التي ارتكبوها من التعذيب والعقاب الجماعي للإبادة. وقد قامت إدارة ترامب بمساعدة إسرائيل للتنكيل بألبانيزي.
فبناء على أمر تنفيذي أصدره ترامب لاستهداف كل من أسهم في تحقيقات المحكمة الجنائية ضد المسؤولين الإسرائيليين، فرض وزير الخارجية روبيو عقوبات على ألبانيزي تضمنت مصادرة شقتها التي تعيش فيها بالعاصمة واشنطن وتم منعها هي وأسرتها من العودة إلى الولايات المتحدة، فضلا عن نفيها بالمطلق من النظام البنكي والمالي الدولي، إذ يستحيل عليها اليوم فتح حسابات بنكية أو تحويل أموال.
وفرضت إدارة ترامب غرامة تصل إلى مليون دولار على كل من يوفر لها أي خدمات أو يبيعها بضاعة! لكن ذلك كله، كما قال ثياجو أفيلا، يستحيل أن يوقف «ما أدركه العالم بالفعل»!
{ باحثة في العلوم السياسية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك