العدد : ١٧٥٩٠ - الخميس ٢١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٠ - الخميس ٢١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الحرب والحاجة إلى مشروع نهضوي عربي

بقلم: د. مروان المعشّر

الأربعاء ٢٠ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

يصعب‭ ‬على‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬يتذكّر‭ ‬حقبةً‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬كان‭ ‬فيها‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أكثر‭ ‬انقسامًا‭ ‬وأشدّ‭ ‬ضعفًا‭ ‬ممّا‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬اليوم،‭ ‬إذ‭ ‬تتنازعه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الخارجية‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قدرةٍ‭ ‬على‭ ‬مواجهةٍ‭ ‬فعّالة‭ ‬لما‭ ‬يتلقّى،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬امتلاك‭ ‬مشروعٍ‭ ‬مبادِر‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬الصعبة‭.‬

لقد‭ ‬علّمنا‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أمة‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬نفسها‭ ‬عبر‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالتصدّي‭ ‬لما‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬خارجية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬مشروعًا‭ ‬ذاتيًا‭ ‬للنهوض‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬غياب‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬اليوم‭ ‬يُعدّ‭ ‬صرخةً‭ ‬مدوّية‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬صدى‭ ‬مُقنعًا،‭ ‬ونجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬حالةٍ‭ ‬مُحزنة،‭ ‬نراقب‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬ونتمنّى‭ ‬أن‭ ‬تنقشع‭ ‬هذه‭ ‬الغمامة‭ ‬الجديدة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نطرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬الصعبة‭ ‬عمّا‭ ‬ينبغي‭ ‬علينا‭ ‬فعله‭ ‬مستقبلًا،‭ ‬كي‭ ‬نتعلّم‭ ‬من‭ ‬دروس‭ ‬الماضي‭ ‬ونواجه‭ ‬الأزمات‭ ‬المقبلة‭ ‬بغير‭ ‬الانتظار‭ ‬والترقّب‭.‬

مرّت‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬أزماتٌ‭ ‬كبرى،‭ ‬من‭ ‬نكبة‭ ‬1948،‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬السويس‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1956،‭ ‬وحرب‭ ‬يونيو‭ ‬1967،‭ ‬وحرب‭ ‬1973،‭ ‬والاجتياح‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬للبنان‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1982،‭ ‬وحربَي‭ ‬الخليج‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية،‭ ‬ثم‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬بمختلف‭ ‬تجلّياته،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬العربدة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الراهنة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬لها‭ ‬رادعٌ‭ ‬يُذكر‭.‬

‭ ‬لكن،‭ ‬هل‭ ‬وقفنا‭ ‬يومًا،‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬والحروب،‭ ‬لنسأل‭ ‬أنفسنا‭ ‬ماذا‭ ‬نحن‭ ‬فاعلون‭ ‬للتصدّي‭ ‬الفعّال‭ ‬لها،‭ ‬ولإحداث‭ ‬نهضة‭ ‬حقيقية‭ ‬وجادّة‭ ‬للمنطقة،‭ ‬مُستفيدين‭ ‬من‭ ‬مواردها‭ ‬المتعدّدة؟‭ ‬أم‭ ‬أننا‭ ‬سنواصل‭ ‬سياسة‭ ‬إلقاء‭ ‬اللوم‭ ‬كاملًا‭ ‬على‭ ‬الخارج،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬مساءلةٍ‭ ‬ذاتية؟‭ ‬إننا‭ ‬اليوم‭ ‬بأمسّ‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬وقفة‭ ‬تقييم‭ ‬جادّة،‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجرّد‭ ‬انتظار‭ ‬الأزمة‭ ‬المقبلة‭.‬

بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬اليوم؛‭ ‬تستبيح‭ ‬إسرائيل‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وقد‭ ‬دمّرت‭ ‬غزة،‭ ‬وتمضي‭ ‬في‭ ‬مشروعٍ‭ ‬استيطاني‭ ‬توسّعي‭ ‬لضمّ‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬كما‭ ‬تستبيح‭ ‬الأراضي‭ ‬اللبنانية،‭ ‬وتسعى‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬واقعٍ‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الجنوب،‭ ‬وتحاول‭ ‬إملاء‭ ‬معادلات‭ ‬قسرية‭ ‬على‭ ‬لبنان‭. ‬وفي‭ ‬سورية،‭ ‬تواصل‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬إبقاء‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬انقسام،‭ ‬عبر‭ ‬تدخّلات‭ ‬متعدّدة‭ ‬ودعم‭ ‬أطراف‭ ‬داخلية‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلك‭.‬

‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تُقدِم‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬منشآت‭ ‬مدنية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والأردن،‭ ‬متذرّعةً‭ ‬بحجج‭ ‬واهية،‭ ‬وتقوم‭ ‬بتوسيع‭ ‬دائرة‭ ‬الاستهداف‭ ‬بما‭ ‬يعمّق‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭.‬

كيف‭ ‬يتصدّى‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لكل‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم؟‭ ‬يبدو‭ ‬واضحًا‭ ‬استراتيجية‭ ‬السلام‭ ‬التي‭ ‬تبناها‭ ‬العرب،‭ ‬لا‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬سلامٍ‭ ‬إقليمي‭ ‬حقيقي‭ ‬يتناول‭ ‬جوهر‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭.‬

لذا،‭ ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬جديدة‭ ‬تُعنى‭ ‬بنهضة‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬شاملة،‭ ‬ولا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬أو‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالدفاع،‭ ‬بل‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬مشروعٍ‭ ‬إيجابي‭ ‬لنقل‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬التحوّلات‭ ‬السياسية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬والمعرفية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬إن‭ ‬بناء‭ ‬عالمٍ‭ ‬عربي‭ ‬أكثر‭ ‬منعة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المستويات‭ ‬كفيلٌ‭ ‬بأن‭ ‬يحوّل‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬قوّة‭ ‬دفع‭ ‬إيجابية،‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بمواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬الخارجية،‭ ‬بل‭ ‬تتبنّى‭ ‬أيضًا‭ ‬علاقةً‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا‭ ‬وندّية‭ ‬مع‭ ‬العالم‭.‬

لقد‭ ‬قُدّمت‭ ‬حججٌ‭ ‬كثيرة‭ ‬لمعارضة‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه،‭ ‬قوامها‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬أفضل‭ ‬ممّا‭ ‬هو‭ ‬قائم،‭ ‬وأن‭ ‬التوقيت‭ ‬غير‭ ‬مناسب‭. ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بسياسات‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل،‭ ‬غير‭ ‬المصحوبة‭ ‬بمشاريع‭ ‬وطنية‭ ‬جادّة،‭ ‬لم‭ ‬يؤدِّ‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬مزيدٍ‭ ‬من‭ ‬التراجع‭ ‬والانكشاف‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬كتب‭ ‬الكثيرون‭ ‬عن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬ووُضعت‭ ‬خططٌ‭ ‬جادّة‭ ‬لتحقيقه،‭ ‬ومنها‭ ‬في‭ ‬وطني‭ ‬الأردن‭. ‬لكن‭ ‬معظم‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬لم‭ ‬ترَ‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬النور‭. ‬وقد‭ ‬استندت‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬إلى‭ ‬التعدّدية‭ ‬السياسية،‭ ‬وتنويع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الاعتماد‭ ‬الأُحادي‭ ‬على‭ ‬النفط،‭ ‬وبناء‭ ‬اقتصادات‭ ‬إنتاجية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الواسطة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬النساء‭ ‬والرجال،‭ ‬وترسيخ‭ ‬مبدأ‭ ‬المواطنة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬جرى‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬شأنها،‭ ‬وتسفيهها،‭ ‬ووصمها‭ ‬بالمثالية‭ ‬المفرطة،‭ ‬أو‭ ‬ربطها‭ ‬بأجندات‭ ‬خارجية‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬واقع‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬اليوم‭: ‬نزعة‭ ‬دفاعية‭ ‬هشّة،‭ ‬وإصرار‭ ‬على‭ ‬أدواتٍ‭ ‬تقليدية‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬تعثُّرها‭ ‬المتكرّر،‭ ‬وتردّد‭ ‬في‭ ‬تبنّي‭ ‬مسارات‭ ‬حديثة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬نهضة‭ ‬حقيقية‭. ‬وفي‭ ‬ظلّ‭ ‬ذلك،‭ ‬يستمر‭ ‬انتظار‭ ‬الأزمات،‭ ‬والتعويل‭ ‬على‭ ‬انحسارها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬فعلٍ‭ ‬مبادِر‭.‬

 

{ وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأردني‭ ‬الأسبق‭.‬‭           ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا