العدد : ١٧٦٧١ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧١ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

لماذا تستمر أزمة التنمية في العالم الثالث؟

بقلم: د. أحمد رفيق عوض

الأربعاء ٢٠ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

عندما‭ ‬نسمع‭ ‬عبارة‭ ‬العالم‭ ‬الثالث،‭ ‬تتبادر‭ ‬إلى‭ ‬أذهاننا‭ ‬صور‭ ‬الفقر‭ ‬والضعف‭ ‬والتبعية‭ ‬والجهل‭ ‬وغياب‭ ‬الحريات‭ ‬والحقوق‭ ‬والخدمات‭. ‬نتذكر‭ ‬العشوائية،‭ ‬والارتجال،‭ ‬والمدن‭ ‬المزدحمة،‭ ‬والأنظمة‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬الإنسان‭ ‬أو‭ ‬منحه‭ ‬شعورًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬بالأمان‭ ‬والاستقرار‭. ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬هو‭ ‬العالم‭ ‬المستباح،‭ ‬والساحة‭ ‬الخلفية‭ ‬لصراعات‭ ‬الأقوياء،‭ ‬والمكان‭ ‬الذي‭ ‬تُفرض‭ ‬عليه‭ ‬الأزمات‭ ‬والحروب‭ ‬والتبعية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭. ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬يُخلق‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬ثالثًا‭ ‬بطبيعته،‭ ‬بل‭ ‬دُفع‭ ‬دفعًا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬عبر‭ ‬الاستعمار‭ ‬والاستغلال‭ ‬وإدامة‭ ‬التخلف‭.‬

لكن‭ ‬معنى‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ثالث‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬السياسة‭ ‬أو‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬طريقة‭ ‬تفكير‭ ‬الناس‭ ‬وسلوكهم‭ ‬اليومي‭. ‬فحين‭ ‬تكون‭ ‬المنظومة‭ ‬السياسية‭ ‬مضطربة،‭ ‬والمنظومة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬غير‭ ‬متماسكة،‭ ‬والمنظومة‭ ‬الفكرية‭ ‬مليئة‭ ‬بالتناقضات،‭ ‬يصبح‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه‭ ‬انعكاسًا‭ ‬لهذا‭ ‬الاضطراب‭. ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬يشبه‭ ‬مدينته‭ ‬ونظامه‭ ‬السياسي؛‭ ‬يعيش‭ ‬وسط‭ ‬الفوضى‭ ‬ويحاول‭ ‬النجاة‭ ‬بأي‭ ‬طريقة‭ ‬ممكنة،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬اضطر‭ ‬إلى‭ ‬الكذب‭ ‬أو‭ ‬التظاهر‭ ‬أو‭ ‬المبالغة‭ ‬أو‭ ‬ممارسة‭ ‬الفهلوة‭ ‬والشطارة‭ ‬باعتبارها‭ ‬وسائل‭ ‬للبقاء‭.‬

في‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬يتعلم‭ ‬الإنسان‭ ‬الريبة‭ ‬والشك‭ ‬والتوجس‭ ‬منذ‭ ‬طفولته‭. ‬يتعلم‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬ليس‭ ‬دائمًا‭ ‬لحماية‭ ‬الحق،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أداة‭ ‬بيد‭ ‬الأقوى‭. ‬ويتعلم‭ ‬أن‭ ‬المعاملة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬واسطة،‭ ‬وأن‭ ‬الورق‭ ‬أهم‭ ‬أحيانًا‭ ‬من‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وأن‭ ‬ملء‭ ‬الاستمارات‭ ‬وإرضاء‭ ‬البيروقراطية‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الالتزام‭ ‬بالقيم‭ ‬أو‭ ‬احترام‭ ‬النظام‭. ‬لذلك‭ ‬تصبح‭ ‬المظاهر‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الجوهر،‭ ‬وتتحول‭ ‬الحقيقة‭ ‬إلى‭ ‬أنصاف‭ ‬حقائق‭ ‬وأرباعها،‭ ‬ويصبح‭ ‬الالتفاف‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬الذكاء‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬يفتخر‭ ‬به‭ ‬البعض‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يخجلوا‭ ‬منه‭.‬

ولأن‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬محتكرًا‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬محكومًا‭ ‬بمنطق‭ ‬القوة،‭ ‬فإن‭ ‬العنف‭ ‬يتوالد‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭. ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬والمدرسة‭ ‬والشارع،‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬عنف‭ ‬أسري‭ ‬وعشائري‭ ‬وفردي‭. ‬

الناس‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يعيشون‭ ‬فقط‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الفقر‭ ‬أو‭ ‬القهر،‭ ‬بل‭ ‬يعيشون‭ ‬أيضًا‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الغضب‭ ‬المكبوت‭ ‬والإحساس‭ ‬المستمر‭ ‬بانعدام‭ ‬الأفق‭. ‬

ومن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يستثمر‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه‭. ‬الكفاءات‭ ‬تُهاجر،‭ ‬والمبدعون‭ ‬يُحاربون،‭ ‬وأصحاب‭ ‬المبادرات‭ ‬يُحاصرون،‭ ‬بينما‭ ‬تتقدم‭ ‬العلاقات‭ ‬الشخصية‭ ‬والولاءات‭ ‬الضيقة‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬والمعرفة‭. ‬

وهكذا‭ ‬ندخل‭ ‬دائرة‭ ‬مغلقة‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬الفكر‭ ‬والإبداع‭ ‬والتفكير‭ ‬الحر،‭ ‬وتصبح‭ ‬النجاة‭ ‬الفردية‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬مجتمع‭ ‬حقيقي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التطور‭. ‬ومع‭ ‬غياب‭ ‬الأهداف‭ ‬الكبرى‭ ‬والقيم‭ ‬المشتركة،‭ ‬يبحث‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬ضيقة‭ ‬للانتماء،‭ ‬فتزداد‭ ‬النزعات‭ ‬الطائفية‭ ‬والعرقية‭ ‬والانقسامات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬باعتبارها‭ ‬نتيجة‭ ‬لغياب‭ ‬المشروع‭ ‬الجماعي‭.‬

إن‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ثالث‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬وصف‭ ‬جغرافي‭ ‬أو‭ ‬اقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬تجربة‭ ‬يومية‭ ‬قاسية‭ ‬يعيشها‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياته‭ ‬الصغيرة‭. ‬هو‭ ‬شعور‭ ‬دائم‭ ‬بالازدحام‭ ‬والاختناق‭ ‬وعدم‭ ‬الثقة‭. ‬هو‭ ‬الإحساس‭ ‬بأن‭ ‬المستقبل‭ ‬هش،‭ ‬وأن‭ ‬الإنسان‭ ‬يبذل‭ ‬جهدًا‭ ‬هائلًا‭ ‬فقط‭ ‬لكي‭ ‬يعيش‭ ‬حياة‭ ‬عادية‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ثالث‭ ‬معاناة‭ ‬حقيقية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لأنه‭ ‬يدمر‭ ‬الحاضر‭ ‬والمستقبل،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬يستهلك‭ ‬روح‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسها‭ ‬ويجعله‭ ‬يعيش‭ ‬دائمًا‭ ‬بين‭ ‬القلق‭ ‬والألم‭ ‬ومحاولة‭ ‬النجاة‭.‬

وفي‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬أيضًا‭ ‬تتآكل‭ ‬فكرة‭ ‬العدالة‭ ‬بالتدريج‭. ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يشعرون‭ ‬بأن‭ ‬الفرص‭ ‬متساوية،‭ ‬لذلك‭ ‬يفقدون‭ ‬الثقة‭ ‬بالعمل‭ ‬الجاد‭ ‬وحده،‭ ‬ويبدأ‭ ‬كثيرون‭ ‬بالبحث‭ ‬عن‭ ‬الطرق‭ ‬المختصرة‭ ‬للوصول‭. ‬يصبح‭ ‬النجاح‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بالعلاقات‭ ‬أو‭ ‬النفوذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ارتباطه‭ ‬بالكفاءة،‭ ‬ويتحول‭ ‬الإحباط‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬طبيعي‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬حتى‭ ‬الأحلام‭ ‬البسيطة،‭ ‬مثل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬وظيفة‭ ‬محترمة‭ ‬أو‭ ‬بيت‭ ‬آمن‭ ‬أو‭ ‬تعليم‭ ‬جيد،‭ ‬تبدو‭ ‬أحيانًا‭ ‬وكأنها‭ ‬معركة‭ ‬طويلة‭ ‬تستنزف‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسيًا‭ ‬وعاطفيًا‭. ‬ولهذا‭ ‬تنتشر‭ ‬السخرية‭ ‬السوداء‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬باعتبارها‭ ‬وسيلة‭ ‬دفاع‭ ‬ضد‭ ‬القهر‭ ‬والخيبة،‭ ‬ويصبح‭ ‬الضحك‭ ‬أحيانًا‭ ‬محاولة‭ ‬للهروب‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬ثقيل‭ ‬لا‭ ‬يتغير‭ ‬بسهولة‭.‬

ورغم‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬يبقى‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬الصبر‭ ‬والمقاومة‭ ‬ومحاولة‭ ‬الاستمرار‭. ‬لكنه‭ ‬يعيش‭ ‬دائمًا‭ ‬وهو‭ ‬يشعر‭ ‬بأن‭ ‬حياته‭ ‬مؤجلة،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬يستحقه‭ ‬من‭ ‬كرامة‭ ‬وعدالة‭ ‬وفرص‭ ‬مازال‭ ‬بعيدًا‭ ‬عنه‭. ‬لهذا‭ ‬يصبح‭ ‬الحلم‭ ‬بالهجرة‭ ‬عند‭ ‬كثيرين‭ ‬ليس‭ ‬رفاهية،‭ ‬بل‭ ‬محاولة‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬يشعرون‭ ‬فيه‭ ‬بأن‭ ‬الإنسان‭ ‬له‭ ‬قيمة،‭ ‬وأن‭ ‬القانون‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحميه‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يرهقه‭.‬

 

{ مدير‭ ‬مركز‭ ‬المتوسط‭ ‬للدراسات‭ ‬الإقليمية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا