العدد : ١٧٦٧١ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧١ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

القوة والغطرسة ومأزق فائض التوسع العدواني الإسرائيلي

بقلم: د. باسم الزبيدي

الأربعاء ٢٠ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

تعدّ‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬القوّة‭ ‬والغطرسة‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬الإشكالات‭ ‬في‭ ‬الفكرَين‭ ‬السياسي‭ ‬والتاريخي،‭ ‬لأنّ‭ ‬القوة‭ ‬حين‭ ‬تتراكم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ضوابط‭ ‬أخلاقية‭ ‬أو‭ ‬مؤسّسية‭ ‬أو‭ ‬استراتيجية‭ ‬تميل‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬شعور‭ ‬بالتفوّق‭ ‬والاستثناء‭.‬

وهذا‭ ‬الشعور‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬مجرّد‭ ‬حالة‭ ‬نفسية،‭ ‬بل‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬نمط‭ ‬إدراك‭ ‬سياسي‭ ‬يرى‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الفاعل‭ ‬القوي‭ ‬نفسه‭ ‬فوق‭ ‬القيود‭ ‬والقوانين‭ ‬وحدود‭ ‬التاريخ‭. ‬فالدولة‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬فائضاً‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الاعتقاد‭ ‬أنّ‭ ‬إرادتها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الواقع‭ ‬كما‭ ‬تشاء،‭ ‬وأنّ‭ ‬تفوّقها‭ ‬العسكري‭ ‬أو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬التكنولوجي‭ ‬يمنحها‭ ‬حصانةً‭ ‬دائمةً‭ ‬ضدّ‭ ‬الفشل‭ ‬أو‭ ‬التراجع‭.‬

ولهذا‭ ‬ارتبطت‭ ‬الغطرسة‭ ‬تاريخياً‭ ‬بلحظة‭ ‬يتحوّل‭ ‬فيها‭ ‬الشعور‭ ‬بالقوة‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬إلى‭ ‬وهم‭ ‬بالقدرة‭ ‬المطلقة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬الفكرة‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬السياسي‭: ‬إنّ‭ ‬القوى‭ ‬الكُبرى‭ ‬غالباً‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬بسبب‭ ‬ضعفها‭ ‬المباشر،‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تغيّر‭ ‬بها‭ ‬القوة‭ ‬الكبرى‭ ‬إدراكها‭ ‬لنفسها‭ ‬وللعالم‭ ‬من‭ ‬حولها‭.‬

في‭ ‬الفكر‭ ‬اليوناني‭ ‬القديم،‭ ‬جرى‭ ‬تناول‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فكرة‭ ‬أنّ‭ ‬الأقوياء‭ ‬يفعلون‭ ‬ما‭ ‬يستطيعون،‭ ‬والضعفاء‭ ‬يتحمّلون‭ ‬ما‭ ‬يُفرض‭ ‬عليهم‭. ‬هنا‭ ‬تتحوّل‭ ‬القوة‭ ‬إلى‭ ‬معيار‭ ‬للحقيقة‭ ‬والشرعية‭ ‬معاً،‭ ‬ويصبح‭ ‬امتلاك‭ ‬القدرة‭ ‬العسكرية‭ ‬كافياً‭ ‬لتبرير‭ ‬الفعل‭ ‬السياسي‭. ‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬الفكر‭ ‬اليوناني‭ ‬حذّر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنطق،‭ ‬إذ‭ ‬رأى‭ ‬أنّ‭ ‬الدول‭ ‬حين‭ ‬تعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬القوّة‭ ‬وحدها‭ ‬تكفي‭ ‬تبدأ‭ ‬بفقدان‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التقدير‭ ‬العقلاني‭ ‬للمخاطر‭ ‬والحدود‭. ‬ولهذا‭ ‬ارتبط‭ ‬مفهوم‭ ‬الغطرسة‭ ‬بفكرة‭ ‬أنّ‭ ‬فائض‭ ‬القوّة‭ ‬يُولّد‭ ‬عمىً‭ ‬سياسياً‭ ‬وأخلاقياً‭ ‬يفضي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬الانهيار‭ ‬أو‭ ‬العقاب‭ ‬التاريخي‭. ‬فالغطرسة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرّد‭ ‬تكبّر،‭ ‬بل‭ ‬لحظة‭ ‬فقدان‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬القدرة‭ ‬وحدودها‭. ‬الرومان‭ ‬واجهوا‭ ‬المعضلة‭ ‬نفسها‭ ‬حين‭ ‬دفعهم‭ ‬شعورهم‭ ‬بالتفوق‭ ‬الحضاري‭ ‬والسياسي‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬حدودهم‭ ‬بصورة‭ ‬تجاوزت‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬الإدارة‭ ‬والضبط،‭ ‬فتحوّلت‭ ‬القوّة‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬استراتيجي‭ ‬يستنزف‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬من‭ ‬الداخل‭.‬

وفي‭ ‬الفكر‭ ‬الحديث،‭ ‬استمرّت‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة؛‭ ‬فقد‭ ‬ربط‭ ‬نيتشه‭ ‬القوّة‭ ‬بإرادة‭ ‬التفوّق‭ ‬وتجاوز‭ ‬الحدود،‭ ‬لكنّه‭ ‬أشار‭ ‬ضمناً‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬القوّة‭ ‬قد‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬رغبة‭ ‬مَرضية‭ ‬في‭ ‬الهيمنة‭ ‬ونفي‭ ‬الآخر‭. ‬أمّا‭ ‬حنة‭ ‬أرندت‭ ‬فميّزت‭ ‬بين‭ ‬القوّة‭ ‬والعنف،‭ ‬معتبرةً‭ ‬أنّ‭ ‬القوّة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬الشرعية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬قبول‭ ‬جماعي،‭ ‬بينما‭ ‬يدلّ‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬العنف،‭ ‬غالباً،‭ ‬على‭ ‬أزمة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القوّة‭ ‬نفسها‭. ‬فالدولة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬باستمرار‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الردع‭ ‬أو‭ ‬السيطرة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬تعاني‭ ‬تآكل‭ ‬شرعيتها‭.‬

وأعاد‭ ‬المفكر‭ ‬الأمريكي‭ ‬بول‭ ‬كينيدي‭ ‬صياغة‭ ‬الفكرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مفهوم‭ ‬التمدّد‭ ‬الإمبراطوري‭ ‬المُفرط،‭ ‬أي‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تصبح‭ ‬فيها‭ ‬القوة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬التحكّم‭ ‬بنتائج‭ ‬استخدامها،‭ ‬فتتحوّل‭ ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬استقرار‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬إنهاك‭ ‬طويل‭ ‬المدى‭.‬

وفي‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬الحديثة،‭ ‬حذّر‭ ‬الواقعيون‭ ‬الكلاسيكيون‭ ‬من‭ ‬غطرسة‭ ‬القوّة‭ ‬لدى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭. ‬حتى‭ ‬هنري‭ ‬كيسنجر،‭ ‬رغم‭ ‬تبنّيه‭ ‬منطق‭ ‬القوّة،‭ ‬رأى‭ ‬أنّ‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬على‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬ليس‭ ‬الضعف،‭ ‬بل‭ ‬الاعتقاد‭ ‬أنّها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬هندسة‭ ‬العالم‭ ‬بالكامل‭ ‬وفق‭ ‬إرادتها‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬إخفاقات‭ ‬أمريكية‭ ‬كُبرى‭ ‬مثل‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬فيتنام‭ ‬والعراق‭ ‬وأفغانستان؛‭ ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬كلّها‭ ‬امتلكت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تفوّقاً‭ ‬عسكرياً‭ ‬هائلاً،‭ ‬لكنّها‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬سياسية‭ ‬مستقرّة‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬السبب‭ ‬نقص‭ ‬القوّة،‭ ‬بل‭ ‬فائض‭ ‬الثقة‭ ‬بها،‭ ‬لأنّ‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬تستطيع‭ ‬تدمير‭ ‬الخصم،‭ ‬لكنّها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬دائماً‭ ‬إنتاج‭ ‬شرعية‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬قبول‭ ‬تاريخي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭.‬

هذه‭ ‬الخلفية‭ ‬ضرورية‭ ‬لفهم‭ ‬وضعية‭ ‬إسرائيل‭ ‬اليوم،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بوصفها‭ ‬قوّةً‭ ‬عسكريةً‭ ‬وتكنولوجيةً‭ ‬متفوّقةً،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬حالةً‭ ‬تمتزج‭ ‬فيها‭ ‬القوّة‭ ‬المادّية‭ ‬ببعدين،‭ ‬أيديولوجي‭ ‬وديني‭ ‬متصاعد‭ ‬يمنحها‭ ‬شعوراً‭ ‬إضافياً‭ ‬بالاستثناءين،‭ ‬التاريخي‭ ‬والأخلاقي‭. ‬فإسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تستند‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬تفوّق‭ ‬عسكري‭ ‬ودعم‭ ‬غربي‭ ‬واسع،‭ ‬بل‭ ‬إنّ‭ ‬جزءاً‭ ‬متزايداً‭ ‬من‭ ‬خطابها‭ ‬السياسي،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬داخل‭ ‬اليمينين،‭ ‬الديني‭ ‬والقومي،‭ ‬بات‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬باعتبارها‭ ‬كياناً‭ ‬ذا‭ ‬مهمّة‭ ‬تاريخية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬خاصّة،‭ ‬لا‭ ‬مجرّد‭ ‬دولة‭ ‬قومية‭ ‬عادية‭.‬

‭ ‬وهنا‭ ‬تصبح‭ ‬الغطرسة‭ ‬أكثر‭ ‬خطورةً،‭ ‬لأنّها‭ ‬لا‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬فائض‭ ‬القوّة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬قناعة‭ ‬أيديولوجية‭ ‬ترى‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬القوّة‭ ‬تحمل‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الحقّ‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬يعلو‭ ‬فوق‭ ‬القيود‭ ‬السياسية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬المعتادة‭. ‬ويتجلّى‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬نفوذ‭ ‬التيّارات‭ ‬الدينية‭ ‬القومية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭ ‬قضيةً‭ ‬سياسيةً‭ ‬قابلةً‭ ‬للتفاوض،‭ ‬بل‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬وعد‭ ‬ديني‭ ‬وتاريخي‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتنازل‭. ‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬تتحوّل‭ ‬القوّة‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬لحماية‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬تصورّ‭ ‬عقائدي‭ ‬عن‭ ‬التاريخ‭ ‬والسيادة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬التسوية‭ ‬السياسية‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبةً،‭ ‬لأنّ‭ ‬الصراع‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬فقط‭ ‬نزاعاً‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬أو‭ ‬الأمن،‭ ‬بل‭ ‬صراعاً‭ ‬وجودياً‭ ‬ذا‭ ‬بعد‭ ‬ديني‭ ‬وخلاصي‭.‬

لكنّ‭ ‬حربي‭ ‬غزّة‭ ‬وإيران‭ ‬كشفتا‭ ‬حدود‭ ‬هذا‭ ‬التصوّر‭ ‬بصورة‭ ‬عميقة‭. ‬فإسرائيل‭ ‬استطاعت‭ ‬إحداث‭ ‬دمار‭ ‬هائل‭ ‬وغير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬المكانَين،‭ ‬لكنّها‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬تحويل‭ ‬القوّة‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬حسم‭ ‬سياسي‭ ‬نهائي‭ ‬أو‭ ‬استقرار‭ ‬استراتيجي‭ ‬طويل‭ ‬المدى‭. ‬بل‭ ‬ظهرت‭ ‬مفارقة‭ ‬أساسية‭: ‬كلّما‭ ‬ازدادت‭ ‬القدرة‭ ‬التدميرية‭ ‬ازداد‭ ‬ميل‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬والإيرانيين‭ ‬إلى‭ ‬المقاومة‭ ‬والثبات،‭ ‬وتزداد‭ ‬كذلك‭ ‬أزمة‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬والسياسية‭. ‬

ففي‭ ‬عصر‭ ‬الصورة‭ ‬والاتصال‭ ‬العالميَّين،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها‭ ‬كافيةً‭ ‬لإنتاج‭ ‬الهيمنة‭ ‬المستقرّة،‭ ‬لأنّ‭ ‬الشرعية‭ ‬والسردية‭ ‬والرأي‭ ‬العام‭ ‬العالمي‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬ميزان‭ ‬القوّة‭ ‬نفسه‭. ‬ولذلك‭ ‬قد‭ ‬تنجح‭ ‬الدولة‭ ‬عسكرياً‭ ‬بالبطش‭ ‬والقتل،‭ ‬وتخسر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬جزءاً‭ ‬متزايداً‭ ‬من‭ ‬شرعيتها‭ ‬الرمزية‭ ‬والأخلاقية‭.‬

وفي‭ ‬حالة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬واضحةً‭ ‬في‭ ‬التوسّع‭ ‬الاستيطاني‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬باعتبارها‭ ‬بديلاً‭ ‬دائماً‭ ‬من‭ ‬الحلول‭ ‬السياسية‭. ‬فكلّ‭ ‬نجاح‭ ‬عسكري‭ ‬قد‭ ‬يعزّز‭ ‬القناعة‭ ‬بأنّ‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬القوّة‭ ‬كفيل‭ ‬بحلّ‭ ‬المعضلات‭ ‬التاريخية،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬يؤدّي،‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬إلى‭ ‬تعميق‭ ‬العزلة‭ ‬الدولية‭ ‬وتوسيع‭ ‬دائرة‭ ‬الرفض‭ ‬والمقاومة‭. ‬وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬مفارقة‭ ‬أساسية‭: ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬شعوراً‭ ‬بالأمان‭ ‬والسيطرة‭ ‬قد‭ ‬تتحوّل‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬ينتج‭ ‬هشاشةً‭ ‬استراتيجيةً‭ ‬أعمقَ،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬اقترنت‭ ‬بغطرسة‭ ‬أيديولوجية‭ ‬تجعل‭ ‬الدولة‭ ‬أقلّ‭ ‬قدرةً‭ ‬على‭ ‬مراجعة‭ ‬ذاتها‭ ‬أو‭ ‬إدراك‭ ‬حدود‭ ‬القوّة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتغيّر‭ ‬بسرعة‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والسياسية‭ ‬والرمزية‭.‬

تكمن‭ ‬خطورة‭ ‬الغطرسة‭ ‬في‭ ‬أنّها‭ ‬تدفع‭ ‬الدول،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬قوّتها،‭ ‬إلى‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬سوء‭ ‬تقدير‭ ‬تاريخي‭ ‬أصاب‭ ‬قوى‭ ‬كثيرة‭ ‬قبلها،‭ ‬وإسرائيل‭ ‬ليست‭ ‬استثناء؛‭ ‬فحين‭ ‬تعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬تفوّقها‭ ‬العسكري‭ ‬يمنحها‭ ‬حصانةً‭ ‬دائمةً،‭ ‬تبدأ‭ ‬بإهمال‭ ‬التحوّلات‭ ‬الأعمق‭: ‬الديموغرافية،‭ ‬والأخلاقية،‭ ‬والرمزية،‭ ‬والتحوّلات‭ ‬المتزايدة‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العالمي،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬العالمي‭ ‬وبين‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابّة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭. ‬

ومع‭ ‬الوقت،‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬القوّة‭ ‬نفسها‭ ‬مولّدة‭ ‬لعزلة‭ ‬متصاعدة؛‭ ‬لأنّ‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬استخدامها‭ ‬لا‭ ‬يؤدّي‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬الخصم،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬أيضاً‭ ‬تشكيل‭ ‬صورة‭ ‬الدولة‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬محوّلاً‭ ‬إياها‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬للقوّة‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬لتآكل‭ ‬الشرعية‭. ‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تواجه‭ ‬إسرائيل‭ ‬معضلة‭ ‬كلاسيكية‭ ‬يُرجّح‭ ‬أن‭ ‬تتعمّق‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭: ‬فكلّما‭ ‬ازداد‭ ‬تفوّقها‭ ‬العسكري‭ ‬ازدادت‭ ‬حاجتها‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬القوّة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الردع‭ ‬والسيطرة،‭ ‬لكنّ‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬استخدامها‭ ‬يعمّق‭ ‬تآكل‭ ‬الشرعية‭ ‬ويعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬المقاومة‭ ‬باستمرار،‭ ‬فتدخل‭ ‬الدولة‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬مغلقة‭ ‬يصبح‭ ‬فيها‭ ‬العنف،‭ ‬خارجياً‭ ‬وداخلياً،‭ ‬أداةً‭ ‬دائمةً‭ ‬لإدارة‭ ‬المأزق‭ ‬لا‭ ‬لتجاوزه‭ ‬أو‭ ‬حلّه‭. ‬

وهكذا‭ ‬قد‭ ‬يتحوّل‭ ‬فائض‭ ‬القوة‭ ‬إلى‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬الضعف‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬لأنّ‭ ‬الدولة‭ ‬تصبح‭ ‬أسيرةً‭ ‬لمنطق‭ ‬القوّة‭ ‬نفسه،‭ ‬وغير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تخيل‭ ‬أفق‭ ‬سياسي‭ ‬يتجاوز‭ ‬العنف‭ ‬المستمرّ‭. ‬لذلك‭ ‬فإنّ‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يتعلّق‭ ‬بقوّة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬فهي‭ ‬تمتلك‭ ‬فائضاً‭ ‬هائلاً‭ ‬من‭ ‬القوّتين،‭ ‬العسكرية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬القوّة‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬استقرار‭ ‬مقبول‭ ‬ومستدام‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يكشفه‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬غزّة‭ ‬وحرب‭ ‬إيران‭ ‬أيضا‭ ‬أنّ‭ ‬التفوّق‭ ‬العسكري،‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬حجمه‭ ‬لا‭ ‬ولن‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬لإنتاج‭ ‬الحسم‭ ‬أو‭ ‬الشرعية‭ ‬أو‭ ‬الاستقرار‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬وأنّ‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬القوّة‭ ‬وحدها‭ ‬تعفيها‭ ‬من‭ ‬السياسة‭ ‬قد‭ ‬تكتشف‭ ‬متأخّرةً‭ ‬أنّ‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬يهزم‭ ‬فقط‭ ‬الضعفاء،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬حدود‭ ‬قوّتها‭ ‬وحدود‭ ‬العنف‭ ‬نفسه‭.‬

 

{ أكاديمي‭ ‬فلسطيني‭- ‬أستاذ‭ ‬العلوم

‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بير‭ ‬زيت‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا