العدد : ١٧٦٧١ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧١ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

عندما أنتجت الكراهية الإيرانية حروبا عدوانية!

بقلم: د. رضوان السيد

الأربعاء ٢٠ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬يزال‭ ‬المراقبون‭ ‬الغربيون‭ ‬يضربون‭ ‬أخماساً‭ ‬بأسداس‭ ‬عن‭ ‬دوافع‭ ‬إغارات‭ ‬إيران‭ ‬المتكررة‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيَّرة،‭ ‬على‭ ‬المنشآت‭ ‬المدنية‭ ‬ومنشآت‭ ‬الطاقة‭. ‬وقد‭ ‬أعاد‭ ‬بعضُهم‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬إرادة‭ ‬معاقبة‭ ‬الأمريكيين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يبد‭ ‬أنهم‭ ‬تضرروا‭ ‬أو‭ ‬تضررت‭ ‬قواتهم‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭! ‬لكنّ‭ ‬الواقع‭ ‬أنّ‭ ‬الخليجيين‭ ‬كانوا‭ ‬دائماً‭ ‬مستهدَفين‭ ‬مِن‭ ‬إيران‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬أيضاً‭ ‬العرب‭ ‬الآخرين‭ ‬ودولهم‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬والأردن‭ ‬واليمن،‭ ‬إما‭ ‬بوساطة‭ ‬الأذرع‭ ‬العميلة‭ ‬وإما‭ ‬بشكلٍ‭ ‬مباشر‭.‬

ولأن‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬والشام،‭ ‬منذ‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬إيرانَ‭ ‬ولا‭ ‬خاصمتها،‭ ‬فمن‭ ‬العبث‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬عقلانية‭ ‬لتعمد‭ ‬إيران‭ ‬الخصومة‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬بالمشرق‭ ‬بل‭ ‬والمغرب‭. ‬وإنما‭ ‬يجدر‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أسبابٍ‭ ‬أخرى،‭ ‬تاريخية‭ ‬ونفسية‭ ‬وجيواستراتيجية،‭ ‬وكلها‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬نفسها‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬المجاورة‭ ‬أو‭ ‬القاصية‭.‬

منذ‭ ‬ثورة‭ ‬الخميني‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬سيطرت‭ ‬طبقة‭ ‬الملالي‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬إيران‭. ‬وهؤلاء‭ ‬تتحكم‭ ‬بهم‭ ‬نفسياتُ‭ ‬التاريخ‭ ‬ومظلومياتُه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬والمعروف‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬تحيط‭ ‬بها‭ ‬دولٌ‭ ‬سنية‭. ‬وبسبب‭ ‬تهديدات‭ ‬النظام‭ ‬الجديد‭ ‬للنظام‭ ‬العراقي،‭ ‬فقد‭ ‬شنّ‭ ‬نظام‭ ‬صدّام‭ ‬حسين‭ ‬آنذاك‭ ‬حرباً‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬استمرت‭ ‬ثماني‭ ‬سنوات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قبل‭ ‬الخميني‭ ‬وقفَ‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ (‬1988‭). ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬وخلال‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬الحصار‭ ‬الأمريكي‭ ‬للنظام‭ ‬العراقي‭ ‬ثم‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الأمريكيين‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬وإسقاط‭ ‬النظام،‭ ‬تمكنت‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬اختراق‭ ‬البلاد‭ ‬بالاتفاق‭ ‬مع‭ ‬الأمريكيين،‭ ‬وخلق‭ ‬تنظيمات‭ ‬طائفية‭ ‬مسلحة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬وموارده‭ ‬بعد‭ ‬تخريب‭ ‬مؤسساته‭ ‬وكل‭ ‬أركان‭ ‬دولته‭.‬

ومنذ‭ ‬عشرين‭ ‬عاماً‭ ‬حاول‭ ‬الأمريكيون‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬تخليصَ‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬الأيدي‭ ‬الإيرانية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬جدوى،‭ ‬بينما‭ ‬كانوا‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬تسببوا‭ ‬بذلك‭ ‬ربما‭ ‬عامدين‭ ‬متعمدين‭.‬

‭ ‬وبالأمس‭ ‬القريب‭ ‬سمعنا‭ ‬تصريحاً‭ ‬لمسؤول‭ ‬أمريكي‭ ‬قال‭ ‬فيه‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬إيران‭ ‬تستلب‭ ‬مواردَ‭ ‬العراق‭! ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬إيران‭ ‬تحاول‭ ‬اختراق‭ ‬العراق،‭ ‬كانت‭ ‬تمكّن‭ ‬أقدامها‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنشاء‭ ‬تنظيم‭ ‬مذهبي‭ ‬مسلَّح‭ ‬بحجة‭ ‬مقاومة‭ ‬إسرائيل‭. ‬

ومنذ‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬يسيطر‭ ‬ذلك‭ ‬التنظيم‭ (‬حزب‭ ‬الله‭) ‬على‭ ‬مقدرات‭ ‬البلاد‭ ‬ويتولى،‭ ‬بطلب‭ ‬من‭ ‬إيران،‭ ‬تنفيذ‭ ‬تحرشات‭ ‬بإسرائيل‭ ‬تجيب‭ ‬عليها‭ ‬بحروبٍ‭ ‬مدمرة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬دائرةً‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬وتكاد‭ ‬تدمر‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭ ‬من‭ ‬أساسها،‭ ‬بعد‭ ‬حروبٍ‭ ‬شعواء‭ ‬متوالية‭ ‬فرضها‭ ‬الحزب‭ ‬الإيراني‭.‬

وجاء‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬وجاءت‭ ‬معه‭ ‬المليشيات‭ ‬المذهبية‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬وغيرها‭ ‬إلى‭ ‬سوريا،‭ ‬بحجة‭ ‬دعم‭ ‬نظام‭ ‬الأسد‭. ‬وكانوا‭ ‬دائماً‭ ‬يتحرشون‭ ‬بالأردن،‭ ‬عبر‭ ‬تهريب‭ ‬المخدرات‭ ‬والسلاح‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬استطاعت‭ ‬حركة‭ ‬سورية‭ ‬مسلحة‭ ‬إخراج‭ ‬إيران‭ ‬وحزبها‭ ‬المسلح‭ ‬من‭ ‬البلاد‭. ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬السلطات‭ ‬الجديدة‭ ‬تكتشف‭ ‬تنظيمات‭ ‬سرية‭ ‬تخريبية‭ ‬تابعة‭ ‬للحزب‭ ‬الإيراني‭ ‬لنشر‭ ‬الاضطراب‭.‬

وفي‭ ‬اليمن،‭ ‬عندما‭ ‬تنامت‭ ‬حركة‭ ‬مذهبية‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬ضد‭ ‬السلطات‭ ‬اليمنية،‭ ‬دعمتها‭ ‬إيرانُ‭ ‬فاستولت‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬اليمن‭ ‬جبلاً‭ ‬وساحلاً،‭ ‬ثم‭ ‬بدأت‭ ‬تستخدمها‭ ‬في‭ ‬إيذاء‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬عدة‭ ‬سنوات‭.‬

دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬دول‭ ‬الاستقرار‭ ‬والازدهار،‭ ‬والنموذج‭ ‬للدول‭ ‬الوطنية‭ ‬المتطورة‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬أنحاء‭ ‬العالَم‭. ‬ومنذ‭ ‬عقود‭ ‬تحاول‭ ‬إيران‭ ‬اختراقَها‭ ‬كما‭ ‬اخترقت‭ ‬الدولَ‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬التنظيمات‭ ‬السرية‭ ‬والطائفية،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬بسبب‭ ‬صلابة‭ ‬المجتمعات‭ ‬والإدارات‭ ‬الخليجية‭. ‬ولذلك‭ ‬عندما‭ ‬اشتدت‭ ‬خلافات‭ ‬إيران‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬وأمريكا‭ ‬شنّت‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الاستقرار‭ ‬الخليجية‭ ‬الحربَ‭ ‬المباشرةَ‭ ‬بقصد‭ ‬الإضعاف‭ ‬والتخريب‭. ‬كل‭ ‬مسالك‭ ‬الاختراق‭ ‬والتخريب‭ ‬هذه،‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬لا‭ ‬علّة‭ ‬لها‭ ‬غير‭ ‬الحقد‭ ‬وإرادة‭ ‬التخريب‭ ‬والعوامل‭ ‬التاريخية‭ ‬النفسية‭ ‬الفئوية‭ ‬والأحاسيس‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الزائفة،‭ ‬وادعاءات‭ ‬الحق‭ ‬المطلق‭ ‬والإحساسات‭ ‬والانتظارات‭ ‬الغيبية‭.‬

في‭ ‬الاختراقات‭ ‬والفتن‭ ‬والمذهبيات‭ ‬تنجح‭ ‬إيران‭ ‬مؤقتاً‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬المواجهات‭ ‬المباشرة،‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬الميلادي‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬فإنها‭ ‬تفشل‭ ‬وتنكفئ،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سيحصل‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬العدوان‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭: ‬متى‭ ‬تَجمعِ‭ ‬القلبَ‭ ‬الذكي‭ ‬وصارماً‭.. ‬وأنفاً‭ ‬أبياً‭ ‬تَجتنبُك‭ ‬المظالمُ‭.‬

 

{ مفكر‭ ‬ومؤرخ‭ ‬لبناني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا