العدد : ١٧٥٩٠ - الخميس ٢١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٠ - الخميس ٢١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ترامب بين ضغوط الداخل وتحديات الخارج

بقلم: حسام الدين على {

الخميس ٢١ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

‭ ‬يدخل‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬المرحلة‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬ولايته‭ ‬الثانية‭ ‬وسط‭ ‬معادلة‭ ‬سياسية‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد‭: ‬فالديمقراطيون‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬اليوم‭ ‬فقط‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬إبطاء‭ ‬أجندته،‭ ‬بل‭ ‬يراهنون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أخطاءه‭ ‬نفسها‭ ‬أصبحت‭ ‬وستصبح‭ ‬عبئًا‭ ‬انتخابيًا‭ ‬عليه‭ ‬وعلى‭ ‬حزبه‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬المقبلة‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2026‭.‬

وفي‭ ‬الخلفية،‭ ‬تتداخل‭ ‬الحرب‭ ‬وتضخم‭ ‬الأسعار‭ ‬والرسائل‭ ‬الرمزية‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬لتصنع‭ ‬صورة‭ ‬رئيس‭ ‬يواجه‭ ‬معارضة‭ ‬حزبية،‭ ‬وقلقًا‭ ‬شعبيًا،‭ ‬واختبارًا‭ ‬دوليًا‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

إن‭ ‬العقبة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬يحاول‭ ‬الديمقراطيون‭ ‬وضعها‭ ‬أمام‭ ‬ترامب‭ ‬ليست‭ ‬سدًّا‭ ‬واحدًا،‭ ‬بل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المسارات‭ ‬المتوازية‭ ‬أولها‭ ‬المعارضة‭ ‬التشريعية‭ ‬داخل‭ ‬الكونجرس،‭ ‬ولجوء‭ ‬مكثف‭ ‬إلى‭ ‬القضاء،‭ ‬ثم‭ ‬بناء‭ ‬سردية‭ ‬سياسية‭ ‬تربط‭ ‬سياساته‭ ‬بغلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬والاضطراب‭ ‬الخارجي‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬التقارير‭ ‬الحديثة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬يعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الانقسام‭ ‬الداخلي‭ ‬منذ‭ ‬ترشح‭ ‬بايدن‭ ‬للرئاسة‭ ‬ثم‭ ‬تراجعه‭ ‬وتقدم‭ ‬كاميلا‭ ‬هاريس‭ ‬لخوض‭ ‬السباق‭ ‬الانتخابي‭ ‬وخسارتها،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام‭ ‬يظل‭ ‬في‭ ‬الشكل‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الهدف؛‭ ‬فهناك‭ ‬تيار‭ ‬من‭ ‬الديموقراطيين‭ ‬يفضّل‭ ‬تهدئة‭ ‬الخطاب‭ ‬واستعادة‭ ‬الناخبين‭ ‬المترددين‭ ‬الذين‭ ‬وقفوا‭ ‬بجوار‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬السابقة،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬التصعيد‭ ‬هو‭ ‬الطريقة‭ ‬الوحيدة‭ ‬لوقف‭ ‬تمدد‭ ‬ترامب‭ ‬مثل‭ ‬حاكم‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬جافين‭ ‬نيوسوم‭ ‬والذي‭ ‬سيحاول‭ ‬أن‭ ‬ينتزع‭ ‬بطاقة‭ ‬الترشح‭ ‬للانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬المقبلة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2028‭.‬

لكن‭ ‬الأهم‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬يدركون‭ ‬أن‭ ‬معركتهم‭ ‬ليست‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الملفات،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الملف‭ ‬الذي‭ ‬يهم‭ ‬الناخب‭ ‬أكثر‭: ‬الاقتصاد‭ ‬اليومي‭. ‬لذلك‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬ربط‭ ‬كل‭ ‬قرار‭ ‬مثير‭ ‬للجدل‭ ‬يتخذه‭ ‬ترامب‭ ‬بما‭ ‬يدفعه‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬فاتورة‭ ‬الوقود،‭ ‬أو‭ ‬السلع،‭ ‬أو‭ ‬التأمين‭ ‬الصحي،‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬اللغة‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬الحالي‭.‬

من‭ ‬الناحية‭ ‬الانتخابية،‭ ‬تبدو‭ ‬فرص‭ ‬الجمهوريين‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬توحي‭ ‬به‭ ‬الأغلبية‭ ‬الحالية،‭ ‬لأن‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تعاقب‭ ‬الحزب‭ ‬الذي‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬وخاصة‭ ‬الفاتورة‭ ‬الاقتصاديّة‭ ‬وفرص‭ ‬العمل‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يملك‭ ‬نفوذًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬داخل‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري،‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬يمنحه‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬الانضباط‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬النفوذ‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬خطر‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬شعبيته‭ ‬الشخصية‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬على‭ ‬مرشحي‭ ‬حزبه‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬متأرجحة‭.‬

كل‭ ‬التقديرات‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬التقارير‭ ‬العربية‭ ‬نقلت‭ ‬أن‭ ‬خسارة‭ ‬الجمهوريين‭ ‬لمجلس‭ ‬النواب‭ ‬تبدو‭ ‬سيناريو‭ ‬مرجحًا،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬الضغوط‭ ‬المعيشية‭ ‬وتراجع‭ ‬الرضا‭ ‬الشعبي‭ ‬عن‭ ‬الإدارة،‭ ‬فقد‭ ‬انخفضت‭ ‬نسبة‭ ‬التأييد‭ ‬إلى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬40‭% ‬والانخفاض‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مستمرا‭.‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬فقدان‭ ‬الأغلبية‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬تراجع‭ ‬القدرة‭ ‬التشريعية،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬أيضًا‭ ‬دخول‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬عامين‭ ‬أخيرين‭ ‬من‭ ‬ولايته‭ ‬تحت‭ ‬رقابة‭ ‬مستمرة‭ ‬وخصومات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬ستجعله‭ ‬عاجزا‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬أجندته‭ ‬أو‭ ‬ستحد‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬ستكلّفه‭ ‬أثمانا‭ ‬سياسية‭ ‬كبيرة‭.‬

كما‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬أصبحت‭ ‬عاملًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬في‭ ‬تآكل‭ ‬الشعبية،‭ ‬لا‭ ‬لأنها‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬المواطن‭ ‬عبر‭ ‬الأسعار‭ ‬والخوف‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين،‭ ‬فالتقارير‭ ‬الأخيرة‭ ‬تربط‭ ‬تراجع‭ ‬شعبية‭ ‬ترامب‭ ‬بارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬المعيشة‭ ‬وعودة‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية،‭ ‬مع‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬رفعت‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود‭ ‬وزادت‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري‭ ‬وتأثيره‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وكما‭ ‬كان‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬محط‭ ‬انتقاد‭ ‬الجمهوريين‭ ‬وقت‭ ‬ولاية‭ ‬بايدن‭ ‬أصبح‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري‭ ‬علي‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية‭ ‬هو‭ ‬النصل‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬يهاجمه‭ ‬به‭ ‬الديمقراطيون‭.‬

إن‭ ‬المشكلة‭ ‬السياسية‭ ‬لترامب‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬أصل‭ ‬الأزمة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تعارضها‭ ‬مع‭ ‬صورته‭ ‬الانتخابية‭ ‬السابقة‭. ‬فهو‭ ‬من‭ ‬قدم‭ ‬نفسه‭ ‬باعتباره‭ ‬رجل‭ ‬‮«‬الصفقات‮»‬‭ ‬والذي‭ ‬سيخفض‭ ‬الأسعار‭ ‬ويتجنب‭ ‬الحروب‭ ‬الكبرى،‭ ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬دفعه‭ ‬إلى‭ ‬مربع‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة،‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬الناخب‭ ‬أن‭ ‬الوعود‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تتآكل‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الحرب‭ ‬وتداعياتها‭. ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التآكل‭ ‬غالبًا‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬فجأة،‭ ‬بل‭ ‬يتراكم‭ ‬حتى‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مزاج‭ ‬عام‭ ‬يصعب‭ ‬كسره‭ ‬قبل‭ ‬الانتخابات‭.‬

وفي‭ ‬منحى‭ ‬آخر‭ ‬جاءت‭ ‬زيارة‭ ‬ملك‭ ‬بريطانيا‭ ‬الملك‭ ‬تشارلز‭ ‬للبيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬لتتجاوز‭ ‬البروتوكول‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬سياسي‭ ‬دقيق‭.‬

فالزيارة‭ ‬أعادت‭ ‬تأكيد‭ ‬‮«‬العلاقة‭ ‬الخاصة‮»‬‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬ولندن،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬سمحت‭ ‬بتوجيه‭ ‬رسائل‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬لترامب‭ ‬حول‭ ‬التحالفات‭ ‬والحياد‭ ‬والالتزامات‭ ‬الدولية،‭ ‬وهي‭ ‬أمور‭ ‬قد‭ ‬شقت‭ ‬التحالف‭ ‬الغربي‭ ‬الأبدي‭ ‬بل‭ ‬وهددت‭ ‬وحدة‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬ذاته‭ ‬وزادت‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬مؤسسة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬نفسها‭.‬

إن‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬الملكية‭ ‬باعتبارها‭ ‬مجرد‭ ‬مجاملة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬ستكون‭ ‬قراءة‭ ‬سطحية‭. ‬فالملك‭ ‬تشارلز،‭ ‬بحسب‭ ‬التغطيات‭ ‬المنشورة،‭ ‬استخدم‭ ‬نبرة‭ ‬تحمل‭ ‬تلميحات‭ ‬سياسية‭ ‬بشأن‭ ‬أهمية‭ ‬التحالفات‭ ‬الغربية،‭ ‬والإنفاق‭ ‬الدفاعي،‭ ‬ودور‭ ‬بريطانيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كان‭ ‬ترامب‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬أكثر‭ ‬حدّة‭ ‬تجاه‭ ‬شركائه‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬السخرية‭ ‬الشخصية‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬دول،‭ ‬مثل‭ ‬فرنسا،‭ ‬وإنجلترا،‭ ‬وكندا‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬الرسالة‭ ‬الضمنية‭ ‬كانت‭ ‬واضحة‭: ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬تتحرك‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬والتحالفات‭ ‬ليست‭ ‬زينة‭ ‬احتفالية،‭ ‬بل‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬ذاتها‭ ‬وأن‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬التحالف‭ ‬يعني‭ ‬التخلي‭ ‬طواعية‭ ‬عن‭ ‬قيادة‭ ‬العالم‭.‬

نحن‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬السياسة،‭ ‬الرموز‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬القرارات‭. ‬فحين‭ ‬يأتي‭ ‬ملك‭ ‬بريطانيا‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يقدّم‭ ‬فقط‭ ‬صورة‭ ‬صداقة‭ ‬تاريخية،‭ ‬بل‭ ‬يذكّر‭ ‬ترامب‭ ‬بأن‭ ‬القيادة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تُراقَب‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬أقرب‭ ‬الحلفاء،‭ ‬وأن‭ ‬السلطة،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬صلابتها،‭ ‬تبقى‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬مؤسساتية‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬استعراض‭ ‬دائم،‭ ‬وربما‭ ‬كانت‭ ‬إشارات‭ ‬تشارلز‭ ‬إلى‭ ‬مواقف‭ ‬تاريخيّة‭ ‬قد‭ ‬لاقت‭ ‬قبولا‭ ‬لدى‭ ‬الأوربيين‭ ‬وكذلك‭ ‬لدى‭ ‬الأمريكيين‭ ‬أنفسهم‭.‬

المواطن‭ ‬الأمريكي‭ ‬الآن‭ ‬يعيش‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬يومي،‭ ‬فالحرب‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تكلفة‭ ‬الوقود،‭ ‬وفي‭ ‬الأسعار‭ ‬داخل‭ ‬المتاجر،‭ ‬وفي‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬جديد‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬الوظائف‭ ‬والمدخرات‭ ‬والموازنة‭ ‬الأسرية‭. ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬تصبح‭ ‬‮«‬السياسة‭ ‬الخارجية‮»‬‭ ‬قضية‭ ‬داخلية‭ ‬بامتياز‭ ‬عندما‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسعار،‭ ‬فالمواطن‭ ‬العادي‭ ‬لا‭ ‬يقيس‭ ‬الحرب‭ ‬بمعادلات‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬بل‭ ‬بقدرة‭ ‬دخله‭ ‬على‭ ‬الصمود‭. ‬وإذا‭ ‬شعر‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬توجّه‭ ‬الموارد‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬بينما‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭ ‬تزداد‭ ‬صعوبة،‭ ‬فإن‭ ‬شعورًا‭ ‬واسعًا‭ ‬بالإرهاق‭ ‬السياسي‭ ‬يبدأ‭ ‬بالتشكل،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬أي‭ ‬رئيس‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬قوته‭ ‬الخطابية‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬شعبيته‭ ‬التي‭ ‬انتخبته‭ ‬رئيسا‭.‬

وفي‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬العزل‭ ‬أو‭ ‬تفعيل‭ ‬آليات‭ ‬دستورية‭ ‬مثل‭ ‬التعديل‭ ‬الخامس‭ ‬والعشرين‭ ‬والذي‭ ‬يعطي‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬عزل‭ ‬الرئيس،‭ ‬لكن‭ ‬الجدّية‭ ‬هنا‭ ‬تختلف‭ ‬بين‭ ‬مستوى‭ ‬الخطاب‭ ‬ومستوى‭ ‬الإمكان‭. ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العملية،‭ ‬فالعزل‭ ‬الكامل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أغلبية‭ ‬صلبة‭ ‬تشترط‭ ‬ثلثي‭ ‬المقاعد‭ ‬وإرادة‭ ‬سياسية‭ ‬تريد‭ ‬المضي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬صعب‭ ‬للغاية،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬بقي‭ ‬الجمهوريون‭ ‬متماسكين‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬الآن‭ ‬يبدو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬بناء‭ ‬ملف‮»‬‭ ‬وضغط‭ ‬سياسي‭ ‬طويل‭ ‬المدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬طريقًا‭ ‬مضمونًا‭ ‬إلى‭ ‬الإطاحة‭ ‬بترامب‭.‬

‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬الاستهانة‭ ‬بهذا‭ ‬المسار‭. ‬فمجرد‭ ‬فتح‭ ‬ملفات‭ ‬مساءلة،‭ ‬أو‭ ‬الدفع‭ ‬نحو‭ ‬قرارات‭ ‬تقيد‭ ‬صلاحيات‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬أو‭ ‬استخدام‭ ‬جلسات‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬لإحراج‭ ‬الإدارة‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الاستجواب‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬لوزير‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وهي‭ ‬أمور‭ ‬يمكن‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تضعف‭ ‬قدرة‭ ‬الإدارة‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬وتبطئ‭ ‬تنفيذ‭ ‬بعض‭ ‬السياسات‭ ‬الجدلية‭ ‬بين‭ ‬الحزبين‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬العزل‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬ينجح‭ ‬كنهاية‭ ‬درامية،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬ينجح‭ ‬كأداة‭ ‬استنزاف‭.‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬عودة‭ ‬الأغلبية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬ترامب،‭ ‬لكنها‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬سرعته‭. ‬فالمجلس‭ ‬يستطيع‭ ‬فتح‭ ‬التحقيقات،‭ ‬واستدعاء‭ ‬المسؤولين،‭ ‬وعرقلة‭ ‬بعض‭ ‬التمويلات،‭ ‬وتمرير‭ ‬رسائل‭ ‬سياسية‭ ‬تُحرج‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬اصطدمت‭ ‬بمجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬أو‭ ‬بالفيتو‭ ‬الرئاسي‭. ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬أدوات‭ ‬فارغة؛‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬التأخير‭ ‬والإحراج‭ ‬أحيانًا‭ ‬يساويان‭ ‬نصف‭ ‬النصر‭ ‬مستندين‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬‮«‬إن‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬تمرير‭ ‬سياساتك‭ ‬يمكن‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬سياسات‭ ‬خصمك‮»‬‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬ومحلل‭ ‬سياسي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا