منذ أن وطأت قدماي مملكة البحرين في عام 2005م للعمل بها باحثًا وأكاديميًّا في مؤسسات التعليم العالي المختلفة بها، كان يلفت نظري عادةً حجم التأثير الذي يمارسه هذا البلد رغم صغر مساحته الجغرافية. وفور وصولي استشعرت أن البحرين ليست دولة عادية، بل هي مركز تتقاطع عنده مصالح إقليمية ودولية، وأن صانعي السياسات والقرارات فيها يضعون نُصب أعينهم مواكبة المتغيرات العالمية، والمنافسة على المستويات التجارية، والصناعية، والسياسية، والأكاديمية. هذه البيئة المكثفة تفرض على المؤسسات والأفراد مستوى أعلى من اليقظة الاستراتيجية والمرونة في التفكير والتخطيط.
وبوصفي باحثا وأستاذا جامعيًّا، أرى أن مؤسسات التعليم العالي تقع على خط المواجهة في إعداد قادة قادرين على اتخاذ قرارات استراتيجية فعّالة أثناء الأزمات وخاصة الأزمات الإقليمية المتتالية، ومنها على سبيل المثال: الصراع الأمريكي–الإيراني الحالي، وتداعياته التي تجسدت في عدوان إيراني غاشم -غير مبرر- على مملكة البحرين ودول الخليج العربية، وهي تطورات أبرزت حاجة ملحّة إلى تخريج كوادر تمتلك قدرات استثنائية في إدارة الأزمات: بالقدرة على التشخيص السريع، وعلى تكييف الخيارات وفق معلومات متغيرة، وعلى الموازنة بين عوامل الأمن الوطني والاقتصاد والمجتمع. وبناء عليه، يتعين على مؤسسات التعليم العالي ألا تكتفي بتدريس النظريات التقليدية، بل يجب أن تدمج تدريبات محاكاة القرار، ودرجات مرنة من التعلُّم التطبيقي، وتنظيم برامج مشتركة بين التخصصات تُنمّي التفكير الاستراتيجي.
من هذا المنطلق، أقترح مجموعة من الأفكار العملية لتطوير ممارسات الجامعات والمعاهد في هذا المضمار:
{ مناهج متعددة التخصصات: إدراج وحدات تعليمية مشتركة بين العلوم السياسية، الاقتصاد، إدارة الأزمات، الهندسة، وتقنية المعلومات لتكوين رؤية شاملة لدى الخريج.
{ محاكاة الأزمات وتمارين الطوارئ: إنشاء مختبرات محاكاة تستند إلى سيناريوهات حقيقية وإقليمية تسمح للطلبة وصانعي القرار الشباب بالتدريب على مهارات اتخاذ القرار تحت ضغط محدودية الوقت والمعلومات.
{ شراكات مع الجهات الأمنية والمدنية والصناعية: عبر بناء برامج تدريب تبادلية مع جهات الدولة والشركات لتعزيز فهم السياق العملي وتطبيق الحلول متعددة القطاعات.
{ تعلم قائم على المشروعات الحقيقية: من خلال تكليف الفرق الأكاديمية بمهام وحلول قابلة للتنفيذ في مجالات البنية التحتية الحيوية، والاتصالات، وسلاسل الإمداد لزيادة الحس العملي والالتزام بالنتائج.
{ تعليم المرونة المعرفية والمهارات النفسية: عبر تضمين برامج لدعم الصحة النفسية، والتفكير النقدي، وإدارة الضغوط، والاتصال الفعّال، لأنها عوامل حاسمة لاستمرارية القرار السليم في أوقات الشدة.
{ تحديث منهجيات البحث والسياسات: تشجيع البحوث التطبيقية التي تولّد سياسات مبنية على بيانات آنية (real-time data) ونماذج تنبؤية، تساعد متخذي القرار على الاستشراف والتخطيط.
{ استخدام التكنولوجيا: تبني أدوات تحليلات البيانات الكبيرة، والذكاء الصناعي، وإنترنت الأشياء، لمراقبة مؤشرات المخاطر وإسناد قرارات أسرع وأكثر دقة.
{ التعليم المستمر وبرامج التطوير المهني: تقديم مسارات تعليمية مكثفة قصيرة المدى لقادة القطاعات الحكومية والخاصة لتحديث مهاراتهم باستمرار وفق متغيرات الساحة الإقليمية.
في الختام، أود أن أوجه نداءً لصانعي السياسات في مؤسسات التعليم العالي للعمل من أجل ضمان استدامة الممارسات المطلوبة، وذلك من خلال التالي:
1) اعتبار الاستعداد للأزمات جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية المؤسسة، وخططها الأكاديمية والبحثية، مع مؤشرات أداء واضحة تقاس سنوياً.
2) تخصيص موارد ثابتة (ميزانية ومرافق) لمحاكاة الأزمات والبحوث التطبيقية والتدريب المهني.
3) تشكيل فرق عمل قيادية داخل الجامعة تجمع بين الأكاديمي والإداري والخبرات الخارجية، لضمان تنفيذ سريع ومرن للبرامج.
4) تبنّي آليات تعاون مرنة مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص تتيح تبادل المعرفة والبيانات وتنفيذ مشاريع تجريبية.
5) تطوير تقنيات داعمة لاتخاذ القرار، والاستثمار في تدريب الكوادر على استخدامها بفعالية.
6) المحافظة على برامج تقييم وتحديث مستمرة للمناهج بناءً على دروس الأزمات الحقيقية والتغيرات الجيوسياسية.
7) تشجيع ثقافة التفكير النقدي والابتكار داخل الحرم الجامعي، عبر حوافز بحثية، ومنح لمشروعات تطبيقية تتناول تحديات الأمن القومي والتنمية.
خلاصة القول، فإن البحرين كمثال إقليمي تُظهر أن القدرة على التأثير لا تقاس بالمساحة، بل بالجاهزية الاستراتيجية، والبناء المؤسسي الذكي. كما أن مؤسسات التعليم العالي هي مصنع القادة المستقبليين، ولها دور محوري في صقل مهارات اتخاذ القرار الاستراتيجي في أوقات الأزمات، عن طريق تكامل المناهج، والتدريب العملي، والشراكات الخارجية، واستخدام التقنيات الحديثة، مدعوما بسياسات مرنة ومستدامة.
{ أستاذ جامعي – جامعة البحرين
waziz@uob.edu.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك