العدد : ١٧٥٩١ - الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩١ - الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

دور مؤسسات التعليم العالي في البحرين في إعداد قادة يستطيعون إدارة الأزمات

بقلم: د. وليد عبد العزيز { محسن*

الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬وطأت‭ ‬قدماي‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2005م‭ ‬للعمل‭ ‬بها‭ ‬باحثًا‭ ‬وأكاديميًّا‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬المختلفة‭ ‬بها،‭ ‬كان‭ ‬يلفت‭ ‬نظري‭ ‬عادةً‭ ‬حجم‭ ‬التأثير‭ ‬الذي‭ ‬يمارسه‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬رغم‭ ‬صغر‭ ‬مساحته‭ ‬الجغرافية‭.  ‬وفور‭ ‬وصولي‭ ‬استشعرت‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬ليست‭ ‬دولة‭ ‬عادية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مركز‭ ‬تتقاطع‭ ‬عنده‭ ‬مصالح‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية،‭ ‬وأن‭ ‬صانعي‭ ‬السياسات‭ ‬والقرارات‭ ‬فيها‭ ‬يضعون‭ ‬نُصب‭ ‬أعينهم‭ ‬مواكبة‭ ‬المتغيرات‭ ‬العالمية،‭ ‬والمنافسة‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬التجارية،‭ ‬والصناعية،‭ ‬والسياسية،‭ ‬والأكاديمية‭. ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬المكثفة‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأفراد‭ ‬مستوى‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬اليقظة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والمرونة‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬والتخطيط‭.‬

وبوصفي‭ ‬باحثا‭ ‬وأستاذا‭ ‬جامعيًّا،‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬مؤسسات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬المواجهة‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬قادة‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬استراتيجية‭ ‬فعّالة‭ ‬أثناء‭ ‬الأزمات‭ ‬وخاصة‭ ‬الأزمات‭ ‬الإقليمية‭ ‬المتتالية،‭ ‬ومنها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬الصراع‭ ‬الأمريكي–الإيراني‭ ‬الحالي،‭ ‬وتداعياته‭ ‬التي‭ ‬تجسدت‭ ‬في‭ ‬عدوان‭ ‬إيراني‭ ‬غاشم‭ -‬غير‭ ‬مبرر‭- ‬على‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬وهي‭ ‬تطورات‭ ‬أبرزت‭ ‬حاجة‭ ‬ملحّة‭ ‬إلى‭ ‬تخريج‭ ‬كوادر‭ ‬تمتلك‭ ‬قدرات‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭: ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬التشخيص‭ ‬السريع،‭ ‬وعلى‭ ‬تكييف‭ ‬الخيارات‭ ‬وفق‭ ‬معلومات‭ ‬متغيرة،‭ ‬وعلى‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬عوامل‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والمجتمع‭.  ‬وبناء‭ ‬عليه،‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬مؤسسات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬ألا‭ ‬تكتفي‭ ‬بتدريس‭ ‬النظريات‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تدمج‭ ‬تدريبات‭ ‬محاكاة‭ ‬القرار،‭ ‬ودرجات‭ ‬مرنة‭ ‬من‭ ‬التعلُّم‭ ‬التطبيقي،‭ ‬وتنظيم‭ ‬برامج‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬التخصصات‭ ‬تُنمّي‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭.‬

من‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬أقترح‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬العملية‭ ‬لتطوير‭ ‬ممارسات‭ ‬الجامعات‭ ‬والمعاهد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضمار‭:‬

{ مناهج‭ ‬متعددة‭ ‬التخصصات‭: ‬إدراج‭ ‬وحدات‭ ‬تعليمية‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية،‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬الهندسة،‭ ‬وتقنية‭ ‬المعلومات‭ ‬لتكوين‭ ‬رؤية‭ ‬شاملة‭ ‬لدى‭ ‬الخريج‭.  ‬

{ محاكاة‭ ‬الأزمات‭ ‬وتمارين‭ ‬الطوارئ‭: ‬إنشاء‭ ‬مختبرات‭ ‬محاكاة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬سيناريوهات‭ ‬حقيقية‭ ‬وإقليمية‭ ‬تسمح‭ ‬للطلبة‭ ‬وصانعي‭ ‬القرار‭ ‬الشباب‭ ‬بالتدريب‭ ‬على‭ ‬مهارات‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬محدودية‭ ‬الوقت‭ ‬والمعلومات‭.‬

{ شراكات‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬الأمنية‭ ‬والمدنية‭ ‬والصناعية‭: ‬عبر‭ ‬بناء‭ ‬برامج‭ ‬تدريب‭ ‬تبادلية‭ ‬مع‭ ‬جهات‭ ‬الدولة‭ ‬والشركات‭ ‬لتعزيز‭ ‬فهم‭ ‬السياق‭ ‬العملي‭ ‬وتطبيق‭ ‬الحلول‭ ‬متعددة‭ ‬القطاعات‭.  ‬

{ تعلم‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬المشروعات‭ ‬الحقيقية‭: ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تكليف‭ ‬الفرق‭ ‬الأكاديمية‭ ‬بمهام‭ ‬وحلول‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية،‭ ‬والاتصالات،‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬لزيادة‭ ‬الحس‭ ‬العملي‭ ‬والالتزام‭ ‬بالنتائج‭. ‬

{ تعليم‭ ‬المرونة‭ ‬المعرفية‭ ‬والمهارات‭ ‬النفسية‭: ‬عبر‭ ‬تضمين‭ ‬برامج‭ ‬لدعم‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية،‭ ‬والتفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬وإدارة‭ ‬الضغوط،‭ ‬والاتصال‭ ‬الفعّال،‭ ‬لأنها‭ ‬عوامل‭ ‬حاسمة‭ ‬لاستمرارية‭ ‬القرار‭ ‬السليم‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الشدة‭.‬

{ تحديث‭ ‬منهجيات‭ ‬البحث‭ ‬والسياسات‭: ‬تشجيع‭ ‬البحوث‭ ‬التطبيقية‭ ‬التي‭ ‬تولّد‭ ‬سياسات‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬بيانات‭ ‬آنية‭ (‬real‭-‬time‭ ‬data‭) ‬ونماذج‭ ‬تنبؤية،‭ ‬تساعد‭ ‬متخذي‭ ‬القرار‭ ‬على‭ ‬الاستشراف‭ ‬والتخطيط‭.  ‬

{ استخدام‭ ‬التكنولوجيا‭: ‬تبني‭ ‬أدوات‭ ‬تحليلات‭ ‬البيانات‭ ‬الكبيرة،‭ ‬والذكاء‭ ‬الصناعي،‭ ‬وإنترنت‭ ‬الأشياء،‭ ‬لمراقبة‭ ‬مؤشرات‭ ‬المخاطر‭ ‬وإسناد‭ ‬قرارات‭ ‬أسرع‭ ‬وأكثر‭ ‬دقة‭.  ‬

{ التعليم‭ ‬المستمر‭ ‬وبرامج‭ ‬التطوير‭ ‬المهني‭: ‬تقديم‭ ‬مسارات‭ ‬تعليمية‭ ‬مكثفة‭ ‬قصيرة‭ ‬المدى‭ ‬لقادة‭ ‬القطاعات‭ ‬الحكومية‭ ‬والخاصة‭ ‬لتحديث‭ ‬مهاراتهم‭ ‬باستمرار‭ ‬وفق‭ ‬متغيرات‭ ‬الساحة‭ ‬الإقليمية‭.  ‬

في‭ ‬الختام،‭ ‬أود‭ ‬أن‭ ‬أوجه‭ ‬نداءً‭ ‬لصانعي‭ ‬السياسات‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬للعمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ضمان‭ ‬استدامة‭ ‬الممارسات‭ ‬المطلوبة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التالي‭:‬

1‭) ‬اعتبار‭ ‬الاستعداد‭ ‬للأزمات‭ ‬جزءاً‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬المؤسسة،‭ ‬وخططها‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والبحثية،‭ ‬مع‭ ‬مؤشرات‭ ‬أداء‭ ‬واضحة‭ ‬تقاس‭ ‬سنوياً‭.  ‬

2‭) ‬تخصيص‭ ‬موارد‭ ‬ثابتة‭ (‬ميزانية‭ ‬ومرافق‭) ‬لمحاكاة‭ ‬الأزمات‭ ‬والبحوث‭ ‬التطبيقية‭ ‬والتدريب‭ ‬المهني‭.  ‬

3‭) ‬تشكيل‭ ‬فرق‭ ‬عمل‭ ‬قيادية‭ ‬داخل‭ ‬الجامعة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والإداري‭ ‬والخبرات‭ ‬الخارجية،‭ ‬لضمان‭ ‬تنفيذ‭ ‬سريع‭ ‬ومرن‭ ‬للبرامج‭.  ‬

4‭) ‬تبنّي‭ ‬آليات‭ ‬تعاون‭ ‬مرنة‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬الحكومية‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬تتيح‭ ‬تبادل‭ ‬المعرفة‭ ‬والبيانات‭ ‬وتنفيذ‭ ‬مشاريع‭ ‬تجريبية‭.  ‬

5‭) ‬تطوير‭ ‬تقنيات‭ ‬داعمة‭ ‬لاتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬تدريب‭ ‬الكوادر‭ ‬على‭ ‬استخدامها‭ ‬بفعالية‭.  ‬

6‭) ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬برامج‭ ‬تقييم‭ ‬وتحديث‭ ‬مستمرة‭ ‬للمناهج‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬دروس‭ ‬الأزمات‭ ‬الحقيقية‭ ‬والتغيرات‭ ‬الجيوسياسية‭.  ‬

7‭) ‬تشجيع‭ ‬ثقافة‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬والابتكار‭ ‬داخل‭ ‬الحرم‭ ‬الجامعي،‭ ‬عبر‭ ‬حوافز‭ ‬بحثية،‭ ‬ومنح‭ ‬لمشروعات‭ ‬تطبيقية‭ ‬تتناول‭ ‬تحديات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬والتنمية‭.‬

خلاصة‭ ‬القول،‭ ‬فإن‭ ‬البحرين‭ ‬كمثال‭ ‬إقليمي‭ ‬تُظهر‭ ‬أن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بالمساحة،‭ ‬بل‭ ‬بالجاهزية‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬والبناء‭ ‬المؤسسي‭ ‬الذكي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬مؤسسات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬هي‭ ‬مصنع‭ ‬القادة‭ ‬المستقبليين،‭ ‬ولها‭ ‬دور‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬صقل‭ ‬مهارات‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تكامل‭ ‬المناهج،‭ ‬والتدريب‭ ‬العملي،‭ ‬والشراكات‭ ‬الخارجية،‭ ‬واستخدام‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة،‭ ‬مدعوما‭ ‬بسياسات‭ ‬مرنة‭ ‬ومستدامة‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬جامعي‭ ‬‭ ‬جامعة‭ ‬البحرين

waziz@uob‭.‬edu‭.‬bh

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا