العدد : ١٧٥٩٠ - الخميس ٢١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٠ - الخميس ٢١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

وعي وطني.. يبدأ من البيت

حين‭ ‬وقف‭ ‬معالي‭ ‬الفريق‭ ‬أول‭ ‬الشيخ‭ ‬راشد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية،‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬مؤتمر‭ ‬أبوظبي‭ ‬للأمن‭ ‬المستدام،‭ ‬لم‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬أرقام‭ ‬وتقنيات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬معركة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬معارك‭ ‬السيادة‭.. ‬معركة‭ ‬تدور‭ ‬رحاها‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي،‭ ‬حيث‭ ‬العدو‭ ‬لا‭ ‬يُرى،‭ ‬وسلاحه‭ ‬معلومة،‭ ‬وهدفه‭ ‬زعزعة‭ ‬الثقة‭ ‬وهدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬من‭ ‬الداخل‭.‬

لقد‭ ‬أكدت‭ ‬كلمة‭ ‬معاليه‭ ‬أن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوماً‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المتفرج‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬الخطر،‭ ‬فاهتمام‭ ‬البحرين‭ ‬بالأمن،‭ ‬بمفهومه‭ ‬الشامل،‭ ‬ليس‭ ‬وليد‭ ‬اليوم‭.‬

منذ‭ ‬القدم‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬أصل‭ ‬الحضارة‭. ‬فقبل‭ ‬أن‭ ‬تُبنى‭ ‬الحصون‭ ‬لحماية‭ ‬الجدران،‭ ‬بُني‭ ‬الوعي‭ ‬لحماية‭ ‬القلوب‭ ‬والعقول‭.‬

واليوم،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬انتقلت‭ ‬التهديدات‭ ‬من‭ ‬البر‭ ‬والبحر‭ ‬إلى‭ ‬الشبكات‭ ‬والبيانات،‭ ‬حافظت‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬المبدأ‭: ‬الأمن‭ ‬مسؤولية‭ ‬جامعة،‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬ولا‭ ‬تنتهي‭ ‬عند‭ ‬عتبة‭ ‬البيت‭.‬

وما‭ ‬تشهده‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬اعتداءات‭ ‬إيرانية‭ ‬آثمة‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الرقمية،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬تغيرت‭ ‬أدواتها،‭ ‬لكن‭ ‬الهدف‭ ‬واحد‭: ((‬كسر‭ ‬إرادة‭ ‬الشعوب‭ ‬وإضعاف‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬الداخل‭)).‬

هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬تذكرنا‭ ‬بأن‭ ‬العدو‭ ‬قد‭ ‬يأتيك‭ ‬من‭ ‬سلك‭ ‬لا‭ ‬تراه،‭ ‬ومن‭ ‬رسالة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬هاتف‭ ‬ابنك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مؤسساتك‭. ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬عظمة‭ ‬ما‭ ‬طرحه‭ ‬معالي‭ ‬الوزير‭ ‬حين‭ ‬شدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭ ‬ليس‭ ‬الجدار‭ ‬الناري،‭ ‬بل‭ ‬الوعي‭.. ‬فالوعي‭ ‬هو‭ ‬اللقاح‭ ‬الذي‭ ‬يحصن‭ ‬المجتمع‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬الفيروس‭.‬

والأمن،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الحكماء،‭ ‬لا‭ ‬يُمنح‭ ‬لمن‭ ‬ينام‭ ‬مطمئنا،‭ ‬بل‭ ‬لمن‭ ‬يسهر‭ ‬على‭ ‬حراسته‭.. ‬والأمن‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الكاميرات‭ ‬والجدران،‭ ‬بل‭ ‬بمقدار‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬ومواطنها،‭ ‬حين‭ ‬يشعر‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬وطنه‭ ‬يحميه،‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬متلقٍ‭ ‬للخدمة‭ ‬إلى‭ ‬شريك‭ ‬في‭ ‬الحماية‭.. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تسعى‭ ‬إليه‭ ‬البحرين‭ ‬عبر‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬الوطنية‭ ‬للأمن‭ ‬السيبراني‭: ‬شراكة‭ ‬لا‭ ‬وصاية،‭ ‬وتمكين‭ ‬لا‭ ‬تقييد‭.‬

لكن‭ ‬تبقى‭ ‬الأسرة‭ ‬هي‭ ‬الحصن‭ ‬الأول،‭ ‬فالطفل‭ ‬الذي‭ ‬ينشأ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هاتفه‭ ‬ليس‭ ‬لعبة‭ ‬بلا‭ ‬حدود،‭ ‬وأن‭ ‬كلمة‭ ‬السر‭ ‬ليست‭ ‬شيئاً‭ ‬يُهمس‭ ‬به‭ ‬لأي‭ ‬أحد،‭ ‬هو‭ ‬جندي‭ ‬مجهول‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭.. ‬دور‭ ‬الأب‭ ‬والأم‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬الطعام‭ ‬والتعليم،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬ليشمل‭ ‬بناء‭ ‬المناعة‭ ‬الرقمية‭.. ‬اجلس‭ ‬مع‭ ‬ابنك،‭ ‬واسأله‭: ‬ماذا‭ ‬يشاهد؟‭ ‬ومن‭ ‬يحدثه؟‭ ‬ولماذا‭ ‬يطلب‭ ‬منه‭ ‬الغرباء‭ ‬معلومات؟؟‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬البسيطة‭ ‬قد‭ ‬تمنع‭ ‬كارثة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تُحتمل‭.‬

إن‭ ‬مقولة‭ ‬‮«‬الوقاية‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬العلاج‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوماً‭ ‬أصدق‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭. ‬فالخسارة‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تُعوض‭ ‬بمال،‭ ‬والجرح‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يُضمد‭ ‬بشاش‭.. ‬خسارة‭ ‬البيانات‭ ‬قد‭ ‬تعني‭ ‬خسارة‭ ‬سمعة،‭ ‬وخسارة‭ ‬الثقة‭ ‬قد‭ ‬تعني‭ ‬خسارة‭ ‬وطن‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬هو‭ ‬السلاح‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يصدأ،‭ ‬والمعرفة‭ ‬هي‭ ‬الدرع‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينكسر‭.‬

لقد‭ ‬قدمت‭ ‬البحرين‭ ‬نموذجاً‭ ‬يحتذى‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬التشريع‭ ‬والتقنية‭ ‬والوعي‭. ‬لكن‭ ‬النموذج‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬آمن‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬بأنه‭ ‬معني‭. ‬فالأمن‭ ‬ليس‭ ‬وظيفة‭ ‬وزارة،‭ ‬بل‭ ‬هوية‭ ‬شعب‭. ‬وكل‭ ‬رسالة‭ ‬مشبوهة‭ ‬تتجاهلها،‭ ‬وكل‭ ‬رابط‭ ‬لا‭ ‬تضغط‭ ‬عليه،‭ ‬وكل‭ ‬معلومة‭ ‬لا‭ ‬تشاركها،‭ ‬هي‭ ‬طلقة‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬العدو‭.‬

ختاما،‭ ‬تبقى‭ ‬كلمة‭ ‬معالي‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬تذكير‭ ‬بأننا‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬مفتوحة،‭ ‬وأن‭ ‬النصر‭ ‬فيها‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬لمن‭ ‬يملك‭ ‬أحدث‭ ‬الأجهزة،‭ ‬بل‭ ‬لمن‭ ‬يملك‭ ‬الناس‭ ‬الأكثر‭ ‬وعيا‭. ‬ولن‭ ‬نملك‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬الأصل‭: ‬أسرة‭ ‬واعية،‭ ‬ومدرسة‭ ‬يقظة،‭ ‬ومجتمع‭ ‬متماسك‭.. ‬فالأوطان‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬حين‭ ‬تُقصف،‭ ‬بل‭ ‬حين‭ ‬يُغفل‭ ‬أبناؤها‭ ‬عن‭ ‬الخطر‭.. ‬والله‭ ‬خير‭ ‬حافظا‭ ‬وهو‭ ‬أرحم‭ ‬الراحمين‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا