الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
وعي وطني.. يبدأ من البيت
حين وقف معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، وزير الداخلية، على منصة مؤتمر أبوظبي للأمن المستدام، لم يتحدث عن أرقام وتقنيات فحسب، بل تحدث عن معركة جديدة من معارك السيادة.. معركة تدور رحاها في الفضاء الرقمي، حيث العدو لا يُرى، وسلاحه معلومة، وهدفه زعزعة الثقة وهدم الاستقرار من الداخل.
لقد أكدت كلمة معاليه أن مملكة البحرين لم تكن يوماً في موقع المتفرج أمام هذا الخطر، فاهتمام البحرين بالأمن، بمفهومه الشامل، ليس وليد اليوم.
منذ القدم كانت هذه الأرض تعرف أن أمن الإنسان هو أصل الحضارة. فقبل أن تُبنى الحصون لحماية الجدران، بُني الوعي لحماية القلوب والعقول.
واليوم، وبعد أن انتقلت التهديدات من البر والبحر إلى الشبكات والبيانات، حافظت البحرين على نفس المبدأ: الأمن مسؤولية جامعة، تبدأ من الدولة ولا تنتهي عند عتبة البيت.
وما تشهده المنطقة من اعتداءات إيرانية آثمة على البنية التحتية الرقمية، ما هو إلا دليل على أن الحرب تغيرت أدواتها، لكن الهدف واحد: ((كسر إرادة الشعوب وإضعاف الدول من الداخل)).
هذه الاعتداءات تذكرنا بأن العدو قد يأتيك من سلك لا تراه، ومن رسالة تصل إلى هاتف ابنك قبل أن تصل إلى مؤسساتك. وهنا تبرز عظمة ما طرحه معالي الوزير حين شدد على أن خط الدفاع الأول ليس الجدار الناري، بل الوعي.. فالوعي هو اللقاح الذي يحصن المجتمع قبل أن يصل الفيروس.
والأمن، كما قال الحكماء، لا يُمنح لمن ينام مطمئنا، بل لمن يسهر على حراسته.. والأمن الحقيقي لا يُقاس بعدد الكاميرات والجدران، بل بمقدار الثقة بين الدولة ومواطنها، حين يشعر الإنسان أن وطنه يحميه، يتحول من متلقٍ للخدمة إلى شريك في الحماية.. وهذا ما تسعى إليه البحرين عبر استراتيجيتها الوطنية للأمن السيبراني: شراكة لا وصاية، وتمكين لا تقييد.
لكن تبقى الأسرة هي الحصن الأول، فالطفل الذي ينشأ على أن هاتفه ليس لعبة بلا حدود، وأن كلمة السر ليست شيئاً يُهمس به لأي أحد، هو جندي مجهول في معركة الأمن القومي.. دور الأب والأم اليوم لم يعد يقتصر على توفير الطعام والتعليم، بل امتد ليشمل بناء المناعة الرقمية.. اجلس مع ابنك، واسأله: ماذا يشاهد؟ ومن يحدثه؟ ولماذا يطلب منه الغرباء معلومات؟؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع كارثة أكبر من أن تُحتمل.
إن مقولة «الوقاية خير من العلاج» لم تكن يوماً أصدق منها في زمن الأمن السيبراني. فالخسارة هنا لا تُعوض بمال، والجرح هنا لا يُضمد بشاش.. خسارة البيانات قد تعني خسارة سمعة، وخسارة الثقة قد تعني خسارة وطن. لذلك فإن الوعي المجتمعي هو السلاح الذي لا يصدأ، والمعرفة هي الدرع الذي لا ينكسر.
لقد قدمت البحرين نموذجاً يحتذى به في الربط بين التشريع والتقنية والوعي. لكن النموذج لا يكتمل إلا إذا آمن كل فرد بأنه معني. فالأمن ليس وظيفة وزارة، بل هوية شعب. وكل رسالة مشبوهة تتجاهلها، وكل رابط لا تضغط عليه، وكل معلومة لا تشاركها، هي طلقة في وجه العدو.
ختاما، تبقى كلمة معالي وزير الداخلية تذكير بأننا في معركة مفتوحة، وأن النصر فيها لا يكون لمن يملك أحدث الأجهزة، بل لمن يملك الناس الأكثر وعيا. ولن نملك هذا الوعي إلا إذا عدنا إلى الأصل: أسرة واعية، ومدرسة يقظة، ومجتمع متماسك.. فالأوطان لا تسقط حين تُقصف، بل حين يُغفل أبناؤها عن الخطر.. والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك