الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
يوم مجاني للنساء..!!
كنت ولا أزال مستغربا عن انتشار ظاهرة تخصيص يوم معين من أيام الأسبوع في المطاعم «ومقاهي الشيشة» مجانا أو بسعر مخفض جدا للنساء والفتيات فقط.. وكنت أقول لماذا يتعمد البعض استغلال «المرأة» في التسويق والبيع وجذب الزبائن وكأنها سلعة وليست كيانا..؟ ولماذا لا نرى مثل تلك العروض في محلات أكثر إقبالا ونفعا للمرأة..؟؟
في علم التسويق يسمى هذا الأسلوب بالتمييز الإيجابي المزيف.. وهو التسويق ضد القيم والمبادئ، إن لم تكن للاعتبارات الدينية والخصوصية الوطنية، فعلى الأقل الأخلاقية الحضارية.. أو حتى الحقوقية والمساواة والعدالة.
ذلك أن ظاهرة تخصيص «يوم مجاني للنساء» أو تقديم أسعار مخفضة لهن في المحلات والمطاعم و«مقاهي الشيشة» انتشرت في السنوات الأخيرة تحت لافتة الجذب التسويقي.. لكن عند التدقيق، نجد أن هذه الممارسة ليست عملاً خيرياً ولا خدمة مجتمعية، بل هي استخدام مقصود للمرأة كأداة لجلب الزبائن وزيادة الأرباح، وتحميلها ثمناً أخلاقياً وصحياً لا يُعلن عنه.
المشكلة الأولى أن هذه العروض تربط وجود المرأة بمكان استهلاك منتج ضار.. الشيشة والتدخين عموماً مثبت علمياً بأضراره على الجهاز التنفسي والقلب، ولا يصبح صحياً لمجرد أنه صار مجاناً يوم الثلاثاء مثلا.. عندما تُمنح الفتاة كوب شاي وماء مجاناً مقابل جلسة شيشة بنصف السعر، الرسالة الضمنية هي: وجودك مرغوب هنا لأنك تستهلكين هذا المنتج.. هذا يطبع في الوعي أن الترفيه النسائي الطبيعي مرتبط بالتدخين، ويطبع ظاهرة كانت أقل انتشاراً بين النساء سابقاً.
المشكلة الثانية هي خلق تمييز غير متكافئ.. الهدف المعلن «تشجيع النساء على الخروج»، لكن النتيجة الفعلية هي تجميع النساء في أماكن معينة بأوقات معينة، مما يعزز الفصل بدل الاندماج الطبيعي في الحياة العامة.. فالرجل يدفع السعر الكامل، والمرأة تُستدرج بعرض مجاني، فيتحول المكان إلى سوق يعرض السلعة ويستخدم المرأة كمحفز للاستهلاك الذكوري أيضاً.. كثير من هذه المقاهي تعترف ضمنياً أن العرض يهدف إلى جذب الرجال الذين يأتون «مع صديقاتهم أو زوجاتهم أو تكوين علاقة جديدة»..!!
المشكلة الثالثة والأخطر هي ازدواجية المعايير.. لاحظ هنا أن المحلات التي تبيع ملابس نسائية، أدوات تجميل، عطور، مستلزمات أطفال، لا تعمل بهذا الأسلوب.. لم نسمع عن محل فساتين يقول «يوم مجاني للنساء»، لأن هذه المنتجات ترتبط بحاجة مباشرة ولا تحتاج إلى إغراء ضار.. أما محلات الشيشة فتبيع ضرراً، فتحتاج إلى حيلة تسويقية لتجميله، والفرق واضح: الأولى تبيع سلعة محايدة أو نافعة، والثانية تبيع عادة سيئة، فتلجأ لتمييز سعري لإخفاء حقيقة المنتج.
ومن الناحية الاجتماعية، هذا يرسل رسالة خاطئة للأجيال الصاعدة.. الفتاة تفهم أن قيمتها التسويقية تزيد عندما تتواجد في مكان يقدم لها «مجانا»، وأن كرامتها يمكن تعويضها بكوب عصير..!! هذا يكرّس ثقافة الاستهلاك السلبي بدل تمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً بطرق سليمة.. والعلاج ليس في منع المرأة من الخروج، بل في إلزام هذه الأماكن بالتسويق المتساوي.. فإذا كان المكان محترماً، فليقدم خدمته للجميع بسعر عادل، أما أن تتحول المرأة إلى «يوم ترويجي»، فهذا استغلال مقنّع تحت شعار التمكين.
ويبقى السؤال البسيط: لو كانت الشيشة مفيدة، لماذا لا يقدمونها مجاناً للرجال أيضاً؟ الجواب يفضح أن الأمر ليس عن المرأة، بل عن المبيعات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك