العدد : ١٧٥٨٧ - الاثنين ١٨ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٧ - الاثنين ١٨ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

يوم مجاني للنساء..!!

كنت‭ ‬ولا‭ ‬أزال‭ ‬مستغربا‭ ‬عن‭ ‬انتشار‭ ‬ظاهرة‭ ‬تخصيص‭ ‬يوم‭ ‬معين‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬الأسبوع‭ ‬في‭ ‬المطاعم‭ ‬‮«‬ومقاهي‭ ‬الشيشة‮»‬‭ ‬مجانا‭ ‬أو‭ ‬بسعر‭ ‬مخفض‭ ‬جدا‭ ‬للنساء‭ ‬والفتيات‭ ‬فقط‭.. ‬وكنت‭ ‬أقول‭ ‬لماذا‭ ‬يتعمد‭ ‬البعض‭ ‬استغلال‭ ‬‮«‬المرأة‮»‬‭ ‬في‭ ‬التسويق‭ ‬والبيع‭ ‬وجذب‭ ‬الزبائن‭ ‬وكأنها‭ ‬سلعة‭ ‬وليست‭ ‬كيانا‭..‬؟‭ ‬ولماذا‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬العروض‭ ‬في‭ ‬محلات‭ ‬أكثر‭ ‬إقبالا‭ ‬ونفعا‭ ‬للمرأة‭..‬؟؟

في‭ ‬علم‭ ‬التسويق‭ ‬يسمى‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬بالتمييز‭ ‬الإيجابي‭ ‬المزيف‭.. ‬وهو‭ ‬التسويق‭ ‬ضد‭ ‬القيم‭ ‬والمبادئ،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬للاعتبارات‭ ‬الدينية‭ ‬والخصوصية‭ ‬الوطنية،‭ ‬فعلى‭ ‬الأقل‭ ‬الأخلاقية‭ ‬الحضارية‭.. ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الحقوقية‭ ‬والمساواة‭ ‬والعدالة‭.‬

ذلك‭ ‬أن‭ ‬ظاهرة‭ ‬تخصيص‭ ‬‮«‬يوم‭ ‬مجاني‭ ‬للنساء‮»‬‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬أسعار‭ ‬مخفضة‭ ‬لهن‭ ‬في‭ ‬المحلات‭ ‬والمطاعم‭ ‬و«مقاهي‭ ‬الشيشة‮»‬‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تحت‭ ‬لافتة‭ ‬الجذب‭ ‬التسويقي‭.. ‬لكن‭ ‬عند‭ ‬التدقيق،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الممارسة‭ ‬ليست‭ ‬عملاً‭ ‬خيرياً‭ ‬ولا‭ ‬خدمة‭ ‬مجتمعية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬استخدام‭ ‬مقصود‭ ‬للمرأة‭ ‬كأداة‭ ‬لجلب‭ ‬الزبائن‭ ‬وزيادة‭ ‬الأرباح،‭ ‬وتحميلها‭ ‬ثمناً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬وصحياً‭ ‬لا‭ ‬يُعلن‭ ‬عنه‭. ‬

المشكلة‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العروض‭ ‬تربط‭ ‬وجود‭ ‬المرأة‭ ‬بمكان‭ ‬استهلاك‭ ‬منتج‭ ‬ضار‭.. ‬الشيشة‭ ‬والتدخين‭ ‬عموماً‭ ‬مثبت‭ ‬علمياً‭ ‬بأضراره‭ ‬على‭ ‬الجهاز‭ ‬التنفسي‭ ‬والقلب،‭ ‬ولا‭ ‬يصبح‭ ‬صحياً‭ ‬لمجرد‭ ‬أنه‭ ‬صار‭ ‬مجاناً‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬مثلا‭.. ‬عندما‭ ‬تُمنح‭ ‬الفتاة‭ ‬كوب‭ ‬شاي‭ ‬وماء‭ ‬مجاناً‭ ‬مقابل‭ ‬جلسة‭ ‬شيشة‭ ‬بنصف‭ ‬السعر،‭ ‬الرسالة‭ ‬الضمنية‭ ‬هي‭: ‬وجودك‭ ‬مرغوب‭ ‬هنا‭ ‬لأنك‭ ‬تستهلكين‭ ‬هذا‭ ‬المنتج‭.. ‬هذا‭ ‬يطبع‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬أن‭ ‬الترفيه‭ ‬النسائي‭ ‬الطبيعي‭ ‬مرتبط‭ ‬بالتدخين،‭ ‬ويطبع‭ ‬ظاهرة‭ ‬كانت‭ ‬أقل‭ ‬انتشاراً‭ ‬بين‭ ‬النساء‭ ‬سابقاً‭. ‬

المشكلة‭ ‬الثانية‭ ‬هي‭ ‬خلق‭ ‬تمييز‭ ‬غير‭ ‬متكافئ‭.. ‬الهدف‭ ‬المعلن‭ ‬‮«‬تشجيع‭ ‬النساء‭ ‬على‭ ‬الخروج‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬النتيجة‭ ‬الفعلية‭ ‬هي‭ ‬تجميع‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬معينة‭ ‬بأوقات‭ ‬معينة،‭ ‬مما‭ ‬يعزز‭ ‬الفصل‭ ‬بدل‭ ‬الاندماج‭ ‬الطبيعي‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العامة‭.. ‬فالرجل‭ ‬يدفع‭ ‬السعر‭ ‬الكامل،‭ ‬والمرأة‭ ‬تُستدرج‭ ‬بعرض‭ ‬مجاني،‭ ‬فيتحول‭ ‬المكان‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬يعرض‭ ‬السلعة‭ ‬ويستخدم‭ ‬المرأة‭ ‬كمحفز‭ ‬للاستهلاك‭ ‬الذكوري‭ ‬أيضاً‭.. ‬كثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المقاهي‭ ‬تعترف‭ ‬ضمنياً‭ ‬أن‭ ‬العرض‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬جذب‭ ‬الرجال‭ ‬الذين‭ ‬يأتون‭ ‬‮«‬مع‭ ‬صديقاتهم‭ ‬أو‭ ‬زوجاتهم‭ ‬أو‭ ‬تكوين‭ ‬علاقة‭ ‬جديدة‮»‬‭..!! ‬

المشكلة‭ ‬الثالثة‭ ‬والأخطر‭ ‬هي‭ ‬ازدواجية‭ ‬المعايير‭.. ‬لاحظ‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬المحلات‭ ‬التي‭ ‬تبيع‭ ‬ملابس‭ ‬نسائية،‭ ‬أدوات‭ ‬تجميل،‭ ‬عطور،‭ ‬مستلزمات‭ ‬أطفال،‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬بهذا‭ ‬الأسلوب‭.. ‬لم‭ ‬نسمع‭ ‬عن‭ ‬محل‭ ‬فساتين‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬يوم‭ ‬مجاني‭ ‬للنساء‮»‬،‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات‭ ‬ترتبط‭ ‬بحاجة‭ ‬مباشرة‭ ‬ولا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إغراء‭ ‬ضار‭.. ‬أما‭ ‬محلات‭ ‬الشيشة‭ ‬فتبيع‭ ‬ضرراً،‭ ‬فتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حيلة‭ ‬تسويقية‭ ‬لتجميله،‭ ‬والفرق‭ ‬واضح‭: ‬الأولى‭ ‬تبيع‭ ‬سلعة‭ ‬محايدة‭ ‬أو‭ ‬نافعة،‭ ‬والثانية‭ ‬تبيع‭ ‬عادة‭ ‬سيئة،‭ ‬فتلجأ‭ ‬لتمييز‭ ‬سعري‭ ‬لإخفاء‭ ‬حقيقة‭ ‬المنتج‭. ‬

ومن‭ ‬الناحية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬هذا‭ ‬يرسل‭ ‬رسالة‭ ‬خاطئة‭ ‬للأجيال‭ ‬الصاعدة‭.. ‬الفتاة‭ ‬تفهم‭ ‬أن‭ ‬قيمتها‭ ‬التسويقية‭ ‬تزيد‭ ‬عندما‭ ‬تتواجد‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬يقدم‭ ‬لها‭ ‬‮«‬مجانا‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬كرامتها‭ ‬يمكن‭ ‬تعويضها‭ ‬بكوب‭ ‬عصير‭..!! ‬هذا‭ ‬يكرّس‭ ‬ثقافة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬السلبي‭ ‬بدل‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬اقتصادياً‭ ‬واجتماعياً‭ ‬بطرق‭ ‬سليمة‭.. ‬والعلاج‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬الخروج،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إلزام‭ ‬هذه‭ ‬الأماكن‭ ‬بالتسويق‭ ‬المتساوي‭.. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬المكان‭ ‬محترماً،‭ ‬فليقدم‭ ‬خدمته‭ ‬للجميع‭ ‬بسعر‭ ‬عادل،‭ ‬أما‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬المرأة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬يوم‭ ‬ترويجي‮»‬،‭ ‬فهذا‭ ‬استغلال‭ ‬مقنّع‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬التمكين‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬البسيط‭: ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬الشيشة‭ ‬مفيدة،‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يقدمونها‭ ‬مجاناً‭ ‬للرجال‭ ‬أيضاً؟‭ ‬الجواب‭ ‬يفضح‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬عن‭ ‬المرأة،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬المبيعات‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا