العدد : ١٧٥٨٣ - الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٣ - الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

الفئة الصامتة.. وإرهاب «ولاية الفقيه»

مع‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬التنظيم‭ ‬الرئيسي‭ ‬التابع‭ ‬للحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني‭ ‬وفكر‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬،‭ ‬عاد‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬نظرية‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬ليس‭ ‬كمسألة‭ ‬فقهية‭ ‬داخلية،‭ ‬بل‭ ‬كمشروع‭ ‬سياسي‭ ‬عابر‭ ‬للحدود،‭ ‬له‭ ‬تداعيات‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬والمواطنة‭.. ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬عاد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الفئة‭ ‬الصامتة‮»‬‭ ‬من‭ ‬غالبية‭ ‬المواطنين‭ ‬الشيعة‭ ‬الكرام،‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬للإرهاب‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬فكر‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬طوال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭.‬

هذه‭ ‬فرصة‭ ‬وطنية،‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬على‭ ‬‮«‬الفئة‭ ‬الصامتة‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تستثمرها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مستقبلها‭ ‬ومستقبل‭ ‬أبنائها‭ ‬وأحفادها‭.. ‬فإن‭ ‬كان‭ ‬قدر‭ ‬الآباء‭ ‬وقدر‭ ‬الجيل‭ ‬الحاضر‭ ‬أن‭ ‬يصمتوا‭ ‬طوال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬عن‭ ‬سطوة‭ ‬وإرهاب‭ ‬منابر‭ ‬ومنصات‭ ‬فكر‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه،‭ ‬فمن‭ ‬اللازم‭ ‬أن‭ ‬يقولوا‭ ‬كفى‭ ‬لفكر‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬إعلان‭ ‬رفض‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬المناهض‭ ‬للدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬والمواطنة‭. ‬

يقول‭ ‬العلامة‭ ‬علي‭ ‬الأمين‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الدولة‭ ‬ودولة‭ ‬الفقيه‮»‬‭: ((‬إن‭ ‬العلاقة‭ ‬بولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬أصبحت‭ ‬تعني‭ ‬الارتباط‭ ‬السياسي‭ ‬بالولي‭ ‬الفقيه‭ ‬الحاكم‭ ‬لنظام‭ ‬سياسي‭ ‬معين،‭ ‬ولا‭ ‬يقف‭ ‬هذا‭ ‬الارتباط‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬العلاقة‭ ‬الروحية‭ ‬والمرجعية‭ ‬الدينية،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬الى‭ ‬علاقة‭ ‬المسيحيين‭ ‬بمرجعية‭ ‬الفاتيكان‭ ‬الدينية،‭ ‬ولكن‭ ‬يتعداها‭ ‬الى‭ ‬لزوم‭ ‬الطاعة‭ ‬والانقياد‭ ‬للولي‭ ‬الفقيه‭ ‬في‭ ‬سياساته‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭ ‬وتطلعاته‭ ‬الأخرى‭ ‬الخارجة‭ ‬عن‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬لنظامه‭ ‬ودولته‭..)).‬

ويضيف‭ ‬العلامة‭ ‬علي‭ ‬الأمين‭: ((‬وهذا‭ ‬يتنافى‭ ‬مع‭ ‬ولاية‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬الشخص،‭ ‬ولزوم‭ ‬خضوعه‭ ‬لأحكامها‭ ‬وقوانينها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬عصيان‭ ‬الدولة‭ ‬والخروج‭ ‬عليها‭ ‬التزاماً‭ ‬بولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬الحدود‭.. ‬وقد‭ ‬رأينا‭ ‬وشاهدنا‭ ‬نماذج‭ ‬للالتزام‭ ‬بولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬والأوطان‭ ‬في‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬والعراق‭ ‬وغيرها‭)).‬

وبناء‭ ‬عليه،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المسألة‭ ‬مرجعية‭ ‬دينية‭ ‬يختارها‭ ‬المقلد‭ ‬طوعاً،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬ولاية‭ ‬سياسية‭ ‬تفرض‭ ‬الطاعة‭ ‬على‭ ‬الأتباع‭ ‬أينما‭ ‬كانوا،‭ ‬وهنا‭ ‬يبدأ‭ ‬التعارض‭ ‬الجوهري‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬الولاء‭ ‬والانتماء‭ ‬والطاعة‭ ‬للوطن‭ ‬وقيادته‭.. ‬أما‭ ‬مشروع‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬فيبني‭ ‬انتماءً‭ ‬موازياً‭ ‬يتجاوز‭ ‬الحدود،‭ ‬يجعل‭ ‬المرجع‭ ‬في‭ ‬قم‭ ‬أو‭ ‬طهران‭ ‬هو‭ ‬مصدر‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬النهائي‭. ‬

‮«‬الفئة‭ ‬الصامتة‮»‬‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬من‭ ‬الطائفة‭ ‬الشيعية‭ ‬الكريمة،‭ ‬يرفضون‭ ‬هذا‭ ‬التدخل‭ ‬ويرون‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬تهديداً‭ ‬مباشراً‭ ‬للدولة‭ ‬الوطنية‭.. ‬لكن‭ ‬صمتهم،‭ ‬سواء‭ ‬بدافع‭ ‬الحذر‭ ‬أو‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الاتهام‭ ‬بالطائفية‭ ‬أو‭ ‬الإحراج‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬يترك‭ ‬الساحة‭ ‬فارغة‭ ‬أمام‭ ‬الأصوات‭ ‬الأكثر‭ ‬تنظيماً‭ ‬وضجيجاً‭.. ‬والصمت‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الحياد،‭ ‬بل‭ ‬يسمح‭ ‬باستمرار‭ ‬خطاب‭ ‬يخلط‭ ‬بين‭ ‬المذهب‭ ‬والولاء‭ ‬السياسي،‭ ‬ويصور‭ ‬كل‭ ‬نقد‭ ‬ورفض‭ ‬لولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬استهداف‭ ‬طائفي‭.‬

وللخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المأزق‭ ‬يتطلب‭ ‬كسر‭ ‬الصمت‭.. ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬مسؤولية‭ ‬المثقفين‭ ‬ورجال‭ ‬الدين‭ ‬الوطنيين‭ ‬وأبناء‭ ‬الطائفة‭ ‬الشيعية‭ ‬الرافضين‭ ‬للتبعية،‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬لخلط‭ ‬الأوراق،‭ ‬وتأكيد‭ ‬أن‭ ‬الانتماء‭ ‬للوطن‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬المذهب،‭ ‬وأن‭ ‬ممارسة‭ ‬الشعائر‭ ‬حق‭ ‬مكفول،‭ ‬لكن‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬غطاء‭ ‬سياسي‭ ‬لولاء‭ ‬خارجي‭ ‬أمر‭ ‬مرفوض‭.. ‬فمواجهة‭ ‬المشاريع‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬لا‭ ‬تتم‭ ‬أمنياً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بمعركة‭ ‬وعي‭ ‬وطني‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬الانتماء‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬الوطن‭ ‬وقيادته‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬ولاء‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬إذا‭ ‬تعددت‭ ‬مصادر‭ ‬الولاء‭.. ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الولاء‭ ‬للوطن‭ ‬وقانونه،‭ ‬وإما‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لمركز‭ ‬خارجي‭.. ‬والتجربة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الجمع‭ ‬بينهما‭ ‬مستحيل‭ ‬عند‭ ‬ساعة‭ ‬الحقيقة‭.. ‬والاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الآثمة‭ ‬على‭ ‬البحرين‭ ‬أبرز‭ ‬دليل‭ ‬ومثال‭. ‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا