العدد : ١٧٥٨٨ - الثلاثاء ١٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٨ - الثلاثاء ١٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الأجساد تفنى.. والأفكار الصادقة تبقى

بقلم: د. طارق عباس

الثلاثاء ١٩ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬تُخلق‭ ‬الأفكار‭ ‬لتُحبس‭ ‬في‭ ‬زمن،‭ ‬ولا‭ ‬لتُدفن‭ ‬مع‭ ‬أصحابها،‭ ‬بل‭ ‬وُلدت‭ ‬لتبقى‭ ‬وتؤثر‭ ‬وتعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الإنسان‭ ‬والمجتمع‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭. ‬وعظمة‭ ‬المفكرين‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بطول‭ ‬أعمارهم،‭ ‬بل‭ ‬بقدرة‭ ‬أفكارهم‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬لتظل‭ ‬قابلة‭ ‬للنقاش‭ ‬والتطوير‭ ‬والاستثمار‭. ‬وهكذا‭ ‬تصبح‭ ‬الفكرة‭ ‬جسرًا‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر،‭ ‬ومصباحًا‭ ‬يضيء‭ ‬عتمة‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل‭.‬

لقد‭ ‬أدرك‭ ‬فلاسفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬الوجود‭ ‬ومحرك‭ ‬الحضارة‭. ‬فـالفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬رينيه‭ ‬ديكارت‭ ‬ربط‭ ‬بين‭ ‬التفكير‭ ‬والوجود‭ ‬حين‭ ‬قال‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬أفكر‭ ‬إذن‭ ‬أنا‭ ‬موجود‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬أكد‭ ‬فرانسيس‭ ‬بيكون‭ ‬أن‭ ‬‮«‬المعرفة‭ ‬قوة‮»‬،‭ ‬ورأى‭ ‬هيجل‭ ‬أن‭ ‬التأمل‭ ‬العقلي‭ ‬طريق‭ ‬لفهم‭ ‬العالم‭. ‬ولولا‭ ‬أفلاطون‭ ‬لما‭ ‬حلمنا‭ ‬بالمدينة‭ ‬الفاضلة،‭ ‬ولولا‭ ‬أرسطو‭ ‬ما‭ ‬استقامت‭ ‬قواعد‭ ‬المنطق‭. ‬إن‭ ‬الأفكار‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬نقلت‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬عصور‭ ‬الظلام‭ ‬إلى‭ ‬آفاق‭ ‬التقدم‭.‬

وفي‭ ‬سياق‭ ‬الفكر‭ ‬العربي،‭ ‬ومع‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬برز‭ ‬تيار‭ ‬إصلاحي‭ ‬حمل‭ ‬على‭ ‬عاتقه‭ ‬مهمة‭ ‬تجديد‭ ‬الوعي‭ ‬وبناء‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭. ‬وفى‭ ‬مقدمة‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬جاء‭ ‬أحمد‭ ‬لطفي‭ ‬السيد،‭ ‬الذي‭ ‬استحق‭ ‬لقب‭ ‬‮«‬أستاذ‭ ‬الجيل‮»‬‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬كاتب‭ ‬أو‭ ‬سياسي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬مشروعًا‭ ‬فكريًا‭ ‬متكاملًا،‭ ‬آمن‭ ‬بأن‭ ‬النهضة‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬السلاح،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬العقل؛‭ ‬ولا‭ ‬تُفرض‭ ‬بالقوة،‭ ‬بل‭ ‬تُبنى‭ ‬بالوعي‭.‬

رأى‭ ‬لطفي‭ ‬السيد‭ ‬أن‭ ‬تحرير‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬المدخل‭ ‬الأول‭ ‬لتحرير‭ ‬الوطن،‭ ‬وأن‭ ‬الحرية‭ ‬ليست‭ ‬فوضى،‭ ‬بل‭ ‬مسؤولية‭ ‬تُمارَس‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬القانون‭. ‬ومن‭ ‬عباراته‭ ‬الخالدة‭: ‬‮«‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬لا‭ ‬يفسد‭ ‬للود‭ ‬قضية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬تختصر‭ ‬فلسفته‭ ‬في‭ ‬التسامح‭ ‬وقبول‭ ‬التعدد‭. ‬لقد‭ ‬دعا‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬مدنية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬المواطنة،‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون،‭ ‬واحترام‭ ‬الفرد،‭ ‬مؤمنًا‭ ‬بأن‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يخنق‭ ‬حرية‭ ‬أبنائه‭ ‬محكوم‭ ‬عليه‭ ‬بالجمود‭.‬

وكان‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬مشروعه‭ ‬الإصلاحي‭. ‬لم‭ ‬يدعُ‭ ‬إلى‭ ‬تعليم‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الحفظ‭ ‬والتلقين،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬تعليم‭ ‬يُنمّى‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬ويُحرر‭ ‬العقل‭ ‬من‭ ‬الخرافة‭ ‬والانغلاق‭. ‬فالأمم‭ - ‬في‭ ‬نظره‭- ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬مدارسها،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تخريج‭ ‬إنسان‭ ‬حر‭ ‬التفكير،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬والإبداع‭.‬

‭ ‬وهي‭ ‬رؤية‭ ‬تبدو‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحًا‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬تتدفق‭ ‬فيه‭ ‬المعلومات‭ ‬بلا‭ ‬حدود،‭ ‬ويصبح‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والزيف‭ ‬مهارة‭ ‬مصيرية‭.‬

كما‭ ‬أولى‭ ‬أستاذ‭ ‬الجيل‭ ‬عناية‭ ‬خاصة‭ ‬بالشباب،‭ ‬معتبرًا‭ ‬إياهم‭ ‬طاقة‭ ‬الأمة‭ ‬وأملها‭ ‬المتجدد‭. ‬فمرحلة‭ ‬الشباب،‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬حماسة‭ ‬واندفاع،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬قوة‭ ‬بناء‭ ‬أو‭ ‬معول‭ ‬هدم‭. ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تُوجَّه‭ ‬هذه‭ ‬الطاقة‭ ‬نحو‭ ‬العلم‭ ‬والعمل‭ ‬والانتماء‭ ‬الواعي،‭ ‬انجرفت‭ ‬نحو‭ ‬التطرف‭ ‬أو‭ ‬الضياع‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬دعوته‭ ‬إلى‭ ‬ربط‭ ‬الحرية‭ ‬بالمسؤولية،‭ ‬والانفتاح‭ ‬بالهوية،‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬الشباب‭ ‬شركاء‭ ‬حقيقيين‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬المستقبل‭.‬

ولم‭ ‬تغب‭ ‬قضية‭ ‬المرأة‭ ‬عن‭ ‬مشروعه‭ ‬النهضوي،‭ ‬فقد‭ ‬سار‭ ‬على‭ ‬خطى‭ ‬رواد‭ ‬الإصلاح‭ ‬الذين‭ ‬رأوا‭ ‬أن‭ ‬نهضة‭ ‬الأمة‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬مع‭ ‬تهميش‭ ‬نصفها‭. ‬فدعم‭ ‬جهود‭ ‬قاسم‭ ‬أمين،‭ ‬وساند‭ ‬رؤية‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬عبده‭ ‬في‭ ‬ضرورة‭ ‬تعليم‭ ‬المرأة‭ ‬وتمكينها‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬دفاعه‭ ‬عنها‭ ‬عاطفيًا،‭ ‬بل‭ ‬عقلانيًا؛‭ ‬إذ‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬شريك‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الحضارة،‭ ‬وأن‭ ‬إقصاءها‭ ‬تعطيل‭ ‬لطاقة‭ ‬المجتمع‭ ‬كله‭. ‬فالأسرة‭ ‬في‭ ‬نظره‭ ‬نواة‭ ‬المجتمع،‭ ‬وإذا‭ ‬صلحت‭ ‬تربيتها‭ ‬صلح‭ ‬الوطن‭ ‬بأسره‭.‬

إن‭ ‬المتأمل‭ ‬في‭ ‬واقعنا‭ ‬المعاصر‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬أحمد‭ ‬لطفي‭ ‬السيد‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬حاضرة‭: ‬كيف‭ ‬نوازن‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬والمسؤولية؟‭ ‬كيف‭ ‬نبني‭ ‬تعليمًا‭ ‬يحرر‭ ‬العقول؟‭ ‬كيف‭ ‬نُنشئ‭ ‬دولة‭ ‬عادلة‭ ‬تحترم‭ ‬الفرد‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُضعف‭ ‬الجماعة؟‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬تحديات‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي،‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬ثورة‭ ‬معلوماتية‭ ‬وضغوط‭ ‬نفسية‭ ‬وتحولات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬تجعل‭ ‬أفكاره‭ ‬أكثر‭ ‬راهنية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬

لقد‭ ‬فهم‭ ‬أستاذ‭ ‬الجيل‭ ‬أن‭ ‬النهضة‭ ‬ليست‭ ‬حدثًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬مسارا‭ ‬طويلا‭ ‬من‭ ‬الإصلاح‭ ‬الثقافي‭ ‬والأخلاقي‭ ‬والسياسي‭. ‬وأن‭ ‬الاستثمار‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬الحجر،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬البشر‭. ‬فبناء‭ ‬الإنسان‭ ‬الواعي‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬كل‭ ‬تقدم،‭ ‬والحرية‭ ‬المسؤولة‭ ‬هي‭ ‬شرط‭ ‬كل‭ ‬ازدهار‭.‬

إن‭ ‬الأفكار‭ ‬العظيمة‭ ‬لا‭ ‬تموت‭ ‬برحيل‭ ‬أصحابها؛‭ ‬لأنها‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬جمعي،‭ ‬وإلى‭ ‬ميراث‭ ‬إنساني‭ ‬يتجدد‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬قراءة‭ ‬جديدة‭. ‬وهكذا‭ ‬يبقى‭ ‬أحمد‭ ‬لطفي‭ ‬السيد‭ ‬حاضرًا‭ ‬بيننا‭ ‬بفكره،‭ ‬لا‭ ‬بشخصه،‭ ‬وتظل‭ ‬كلماته‭ ‬دعوة‭ ‬مفتوحة‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬واقعنا‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬العقل‭ ‬والحرية‭ ‬والعدالة‭.‬

فالأجساد‭ ‬تفنى،‭ ‬أما‭ ‬الأفكار‭ ‬الصادقة‭ ‬فتبقى،‭ ‬تنتظر‭ ‬من‭ ‬يؤمن‭ ‬بها،‭ ‬ويجددها،‭ ‬ويحولها‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬أكاديمي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا