الدين فضاء روحي قبل أن يكون شعائر وطقوسا، هو المكان الداخلي الذي يجد فيه الإنسان نفسه ويرسو على معنى أرسخ من كل ضجيج الحياة. والوطن الذي يصون هذا الفضاء ويحميه يمنح مواطنيه ما هو أثمن من أي عطاء مادي، يمنحهم الاطمئنان على هويتهم والثقة في انتمائهم، فيحملون وطنهم بفخر واستقرار.
ولله الحمد، البحرين عاشت هذا المعنى وجسّدته. مساجدها وحسينياتها وكنائسها شاهدة على وطن يحتضن التنوع ويرعاه، وطن أدرك منذ وقت مبكر أن صون الحرية الدينية لمواطنيه تعبير عن عمق الهوية الوطنية وسعتها.
وهذا ما أكده معالي وزير الداخلية الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة في لقائه الأخير مع أبناء الوطن، حين أشاد بما تنعم به البحرين من حريات دينية في ظل المشروع الإصلاحي الشامل لجلالة الملك حفظه الله.
وأنا ابنة هذا الوطن، من أبوين شيعيين، حرة التفكير، أجد في هذه الحرية الدينية التي أعيشها يومياً ما يعزز انتمائي ويعمّقه. أمارس شعائري بكل حرية وكرامة، وأرى في ذلك تجسيداً حياً لوطن يحترم مواطنيه ويثق بهم.
نشأتُ في البحرين وتشربت منها احترام الآخر قبل أن أتعلمه من كتاب، فهذا الوطن سكن في عروقنا أباً عن جد، وتوارثنا محبته كما نتوارث الاسم والملامح. وهو علّم أبناءه جيلاً بعد جيل أن الإنسان أكبر من أي تصنيف. وديننا الحنيف في جوهره رسالة محبة وسماحة، يرسّخ في النفوس احترام الآخر ويجعل التعايش قيمة روحية قبل أن تكون قيمة مدنية.
التنوع ثروة تُبنى عليها المجتمعات الراسخة، وما يجعل هذه الثروة حقيقية هو أن يرى كل إنسان في الآخر المختلف عنه شريكاً حقيقياً في الوطن. وقد عشنا هذا في تفاصيل حياتنا اليومية، حيث الجار يقف إلى جانبك في أفراحك وأحزانك بصرف النظر عن انتمائه، والزميل يمنحك احترامه قبل أن يسألك عن مذهبك. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع النسيج الحقيقي للمجتمع وتمنح كلمة الوطن ثقلها الإنساني الحقيقي.
هذه اللحمة الوطنية قائمة على قدرة أبناء البحرين على العيش معاً بكل ما يحملونه من اختلاف، وعلى شعور كل مواطن بأن وطنه يحتضنه ويمنحه مكانه الحقيقي فيه. وهذه القدرة تشكّلت عبر سنوات من الإرادة الصادقة والبناء المتواصل. والبحرين بهذا تقدم نموذجاً لافتاً، إذ حوّلت تعدّدها إلى رصيد حقيقي، في ظل سيادة القانون.
كما حمل لقاء معالي وزير الداخلية دعوة صريحة إلى نبذ الطائفية والتمسك بالهوية الوطنية الجامعة. وهذه الدعوة تلامس وجداني كإنسانة ترفض أن يُختزل الآخر في انتمائه المذهبي، وتؤمن أن ما يجمعنا نحن البحرينيين أرسخ وأصدق من كل ما يمكن أن يفرقنا. الوطن هوية تتسع للجميع، وفي هذا الاتساع تكمن روحه الحقيقية.
وقد حمل معاليه في خطابه روحاً جمعت بين قوة الموقف ودفء الإنسان، مؤكداً أن البحرين ماضية في حماية استقرارها وفي الوقت ذاته تصون حق أبنائها في العبادة والتعبير عن هويتهم الروحية. وهذا الجمع هو ما يمنح الكلمة ثقلها الحقيقي، لأنه يقول بوضوح إن المواطن هنا يُرى إنساناً كاملاً قبل أي اعتبار آخر. البحريني معدنه لا يحتاج شاهداً. لحظات الضغط والاختبار هي التي تفرز الإنسان الحقيقي وتظهر عمق انتمائه، وفي تلك اللحظات يتجلى كل شيء على حقيقته. وحين تعرّضت البحرين لمحاولات الاستهداف والنيل من استقرارها، أثبت أبناؤها الأوفياء أنهم أمتن جذوراً وأوثق عهداً مما يتخيل أي أحد.
إن معادن هؤلاء ظهرت في وضوح موقفهم ووقوفهم إلى جانب وطنهم بكل ثبات واقتدار، وكان الوطن حاضراً في دواخلهم قبل أن يكون حاضراً على ألسنتهم.
ما تبنيه البحرين اليوم هو الإرث الحقيقي الذي ننقله لأبنائنا وأحفادنا. الأجيال القادمة ستجد في هذا الوطن أرضاً خصبة تحمل فيها دينها بفخر وانتماءها الوطني بعزة، وترث معها قيماً تجعل الاختلاف مصدر غنى يثري الحياة المشتركة. وطن كهذا يسكن في الأرواح قبل أن يسكن في الجغرافيا.
الإنسان البحريني الذي تشكّل على هذه القيم جيلاً بعد جيل هو الرهان الحقيقي على مستقبل هذا الوطن. وهذا الإنسان تصنعه سنوات من التجربة الإنسانية المتراكمة، من اللحظات الصغيرة التي تبدو عادية وهي في حقيقتها تبني الأوطان. القيم التي تترسّخ في الضمير قبل الخطاب تجعل الوطن محمولاً في الناس أينما ساروا وفي أي زمن كان، وذلك أمنع سلاحا في مواجهة كل من يريد النيل من هذا الوطن. وتلك هي البحرين التي أعرفها وأعتز بها.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك