العدد : ١٧٥٨٨ - الثلاثاء ١٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٨ - الثلاثاء ١٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

عمار يا البحرين.. ديننا حرية ووطننا عزة

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ١٨ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

الدين‭ ‬فضاء‭ ‬روحي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شعائر‭ ‬وطقوسا،‭ ‬هو‭ ‬المكان‭ ‬الداخلي‭ ‬الذي‭ ‬يجد‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه‭ ‬ويرسو‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬أرسخ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ضجيج‭ ‬الحياة‭. ‬والوطن‭ ‬الذي‭ ‬يصون‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬ويحميه‭ ‬يمنح‭ ‬مواطنيه‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أثمن‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬عطاء‭ ‬مادي،‭ ‬يمنحهم‭ ‬الاطمئنان‭ ‬على‭ ‬هويتهم‭ ‬والثقة‭ ‬في‭ ‬انتمائهم،‭ ‬فيحملون‭ ‬وطنهم‭ ‬بفخر‭ ‬واستقرار‭.‬

ولله‭ ‬الحمد،‭ ‬البحرين‭ ‬عاشت‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬وجسّدته‭. ‬مساجدها‭ ‬وحسينياتها‭ ‬وكنائسها‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬وطن‭ ‬يحتضن‭ ‬التنوع‭ ‬ويرعاه،‭ ‬وطن‭ ‬أدرك‭ ‬منذ‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬أن‭ ‬صون‭ ‬الحرية‭ ‬الدينية‭ ‬لمواطنيه‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬عمق‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬وسعتها‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬معالي‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬الفريق‭ ‬أول‭ ‬الشيخ‭ ‬راشد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬في‭ ‬لقائه‭ ‬الأخير‭ ‬مع‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن،‭ ‬حين‭ ‬أشاد‭ ‬بما‭ ‬تنعم‭ ‬به‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬حريات‭ ‬دينية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المشروع‭ ‬الإصلاحي‭ ‬الشامل‭ ‬لجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭.‬

وأنا‭ ‬ابنة‭ ‬هذا‭ ‬الوطن،‭ ‬من‭ ‬أبوين‭ ‬شيعيين،‭ ‬حرة‭ ‬التفكير،‭ ‬أجد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرية‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬أعيشها‭ ‬يومياً‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬انتمائي‭ ‬ويعمّقه‭. ‬أمارس‭ ‬شعائري‭ ‬بكل‭ ‬حرية‭ ‬وكرامة،‭ ‬وأرى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تجسيداً‭ ‬حياً‭ ‬لوطن‭ ‬يحترم‭ ‬مواطنيه‭ ‬ويثق‭ ‬بهم‭.‬

نشأتُ‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬وتشربت‭ ‬منها‭ ‬احترام‭ ‬الآخر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أتعلمه‭ ‬من‭ ‬كتاب،‭ ‬فهذا‭ ‬الوطن‭ ‬سكن‭ ‬في‭ ‬عروقنا‭ ‬أباً‭ ‬عن‭ ‬جد،‭ ‬وتوارثنا‭ ‬محبته‭ ‬كما‭ ‬نتوارث‭ ‬الاسم‭ ‬والملامح‭. ‬وهو‭ ‬علّم‭ ‬أبناءه‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تصنيف‭. ‬وديننا‭ ‬الحنيف‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬رسالة‭ ‬محبة‭ ‬وسماحة،‭ ‬يرسّخ‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬احترام‭ ‬الآخر‭ ‬ويجعل‭ ‬التعايش‭ ‬قيمة‭ ‬روحية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قيمة‭ ‬مدنية‭.‬

التنوع‭ ‬ثروة‭ ‬تُبنى‭ ‬عليها‭ ‬المجتمعات‭ ‬الراسخة،‭ ‬وما‭ ‬يجعل‭ ‬هذه‭ ‬الثروة‭ ‬حقيقية‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬في‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬عنه‭ ‬شريكاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬في‭ ‬الوطن‭. ‬وقد‭ ‬عشنا‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية،‭ ‬حيث‭ ‬الجار‭ ‬يقف‭ ‬إلى‭ ‬جانبك‭ ‬في‭ ‬أفراحك‭ ‬وأحزانك‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬انتمائه،‭ ‬والزميل‭ ‬يمنحك‭ ‬احترامه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسألك‭ ‬عن‭ ‬مذهبك‭. ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬النسيج‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمجتمع‭ ‬وتمنح‭ ‬كلمة‭ ‬الوطن‭ ‬ثقلها‭ ‬الإنساني‭ ‬الحقيقي‭.‬

هذه‭ ‬اللحمة‭ ‬الوطنية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬أبناء‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬معاً‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يحملونه‭ ‬من‭ ‬اختلاف،‭ ‬وعلى‭ ‬شعور‭ ‬كل‭ ‬مواطن‭ ‬بأن‭ ‬وطنه‭ ‬يحتضنه‭ ‬ويمنحه‭ ‬مكانه‭ ‬الحقيقي‭ ‬فيه‭. ‬وهذه‭ ‬القدرة‭ ‬تشكّلت‭ ‬عبر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الإرادة‭ ‬الصادقة‭ ‬والبناء‭ ‬المتواصل‭. ‬والبحرين‭ ‬بهذا‭ ‬تقدم‭ ‬نموذجاً‭ ‬لافتاً،‭ ‬إذ‭ ‬حوّلت‭ ‬تعدّدها‭ ‬إلى‭ ‬رصيد‭ ‬حقيقي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭.‬

كما‭ ‬حمل‭ ‬لقاء‭ ‬معالي‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬دعوة‭ ‬صريحة‭ ‬إلى‭ ‬نبذ‭ ‬الطائفية‭ ‬والتمسك‭ ‬بالهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬الجامعة‭. ‬وهذه‭ ‬الدعوة‭ ‬تلامس‭ ‬وجداني‭ ‬كإنسانة‭ ‬ترفض‭ ‬أن‭ ‬يُختزل‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬انتمائه‭ ‬المذهبي،‭ ‬وتؤمن‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجمعنا‭ ‬نحن‭ ‬البحرينيين‭ ‬أرسخ‭ ‬وأصدق‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفرقنا‭. ‬الوطن‭ ‬هوية‭ ‬تتسع‭ ‬للجميع،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الاتساع‭ ‬تكمن‭ ‬روحه‭ ‬الحقيقية‭.‬

وقد‭ ‬حمل‭ ‬معاليه‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬روحاً‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬قوة‭ ‬الموقف‭ ‬ودفء‭ ‬الإنسان،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬ماضية‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬استقرارها‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تصون‭ ‬حق‭ ‬أبنائها‭ ‬في‭ ‬العبادة‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬هويتهم‭ ‬الروحية‭. ‬وهذا‭ ‬الجمع‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الكلمة‭ ‬ثقلها‭ ‬الحقيقي،‭ ‬لأنه‭ ‬يقول‭ ‬بوضوح‭ ‬إن‭ ‬المواطن‭ ‬هنا‭ ‬يُرى‭ ‬إنساناً‭ ‬كاملاً‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬آخر‭. ‬البحريني‭ ‬معدنه‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬شاهداً‭. ‬لحظات‭ ‬الضغط‭ ‬والاختبار‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تفرز‭ ‬الإنسان‭ ‬الحقيقي‭ ‬وتظهر‭ ‬عمق‭ ‬انتمائه،‭ ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬يتجلى‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬حقيقته‭. ‬وحين‭ ‬تعرّضت‭ ‬البحرين‭ ‬لمحاولات‭ ‬الاستهداف‭ ‬والنيل‭ ‬من‭ ‬استقرارها،‭ ‬أثبت‭ ‬أبناؤها‭ ‬الأوفياء‭ ‬أنهم‭ ‬أمتن‭ ‬جذوراً‭ ‬وأوثق‭ ‬عهداً‭ ‬مما‭ ‬يتخيل‭ ‬أي‭ ‬أحد‭.‬

إن‭ ‬معادن‭ ‬هؤلاء‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬وضوح‭ ‬موقفهم‭ ‬ووقوفهم‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬وطنهم‭ ‬بكل‭ ‬ثبات‭ ‬واقتدار،‭ ‬وكان‭ ‬الوطن‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬دواخلهم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حاضراً‭ ‬على‭ ‬ألسنتهم‭.‬

ما‭ ‬تبنيه‭ ‬البحرين‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬الإرث‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬ننقله‭ ‬لأبنائنا‭ ‬وأحفادنا‭. ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬ستجد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬أرضاً‭ ‬خصبة‭ ‬تحمل‭ ‬فيها‭ ‬دينها‭ ‬بفخر‭ ‬وانتماءها‭ ‬الوطني‭ ‬بعزة،‭ ‬وترث‭ ‬معها‭ ‬قيماً‭ ‬تجعل‭ ‬الاختلاف‭ ‬مصدر‭ ‬غنى‭ ‬يثري‭ ‬الحياة‭ ‬المشتركة‭. ‬وطن‭ ‬كهذا‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬الأرواح‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭.‬

الإنسان‭ ‬البحريني‭ ‬الذي‭ ‬تشكّل‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬هو‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭. ‬وهذا‭ ‬الإنسان‭ ‬تصنعه‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬المتراكمة،‭ ‬من‭ ‬اللحظات‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬عادية‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬تبني‭ ‬الأوطان‭. ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تترسّخ‭ ‬في‭ ‬الضمير‭ ‬قبل‭ ‬الخطاب‭ ‬تجعل‭ ‬الوطن‭ ‬محمولاً‭ ‬في‭ ‬الناس‭ ‬أينما‭ ‬ساروا‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬زمن‭ ‬كان،‭ ‬وذلك‭ ‬أمنع‭ ‬سلاحا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭. ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬البحرين‭ ‬التي‭ ‬أعرفها‭ ‬وأعتز‭ ‬بها‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا