لا يزال الجزء الأكبر من الخطاب الحالي حول منطقة الشرق الأوسط مُنصبًّا على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي المزمع إقامتها في شهر نوفمبر2026، إذ يُنظر إلى هذه الانتخابات، على وجه الخصوص، على أنها نقطة تحول محورية في كل شيء، بدءًا من بقاء غزة ولبنان وصولًا إلى إيران وما وراءها.
يمكن للمرء أن يفهم، إلى حد كبير، سبب هوس وسائل الإعلام الأمريكية التابعة للشركات بهذا التاريخ المحدد مسبقا لإجراء هذه الانتخابات الأمريكية.
تتوزع السلطة السياسية في الولايات المتحدة بين حزبين حاكمين، لكل منهما نفوذ عميق ضمن منظومة معقدة من النخب السياسية والاقتصادية المتنفذة.
وبالنسبة إلى هاتين المجموعتين أو الكتلتين، تُعد نتائج الانتخابات حاسمة في تحديد المسار العام للبلاد، بل وأكثر من ذلك، فهي تحدد مصير الطبقة الحاكمة، التي يرتبط مصيرها ارتباطًا وثيقًا بمراكز السلطة.
لكن ثمة مفارقة واضحة في هذا التركيز. فنادراً ما يشعر المواطنون الأمريكيون العاديون بالتأثير المباشر لهذه النتائج -على الأقل ليس على الفور- إذ نادراً ما يستجيب الاقتصاد الأمريكي الضخم للمحفزات السياسية المفاجئة.
ولهذا السبب لا يصوت الأمريكيون، تاريخياً، بأعداد كبيرة، ولهذا السبب تستمر الغالبية العظمى في عدم الثقة بحكومتهم، سواء كانت بقيادة الجمهوريين أو الديمقراطيين.
إن اهتمام المعلقين والمحللين الغربيين خارج الولايات المتحدة له ما يبرره. ففوز الحزب الجمهوري سيعزز موقف الرئيس الحالي الجمهوري دونالد ترامب، الذي من المرجح أن يشدد على خطابه المعادي لحلف الناتو وسياساته التجارية الحمائية.
ومن المرجح أن تنقلب التجارة بين أوروبا والولايات المتحدة رأساً على عقب في ظل إدارة الرئيس ترامب الذي سيتمتع بسلطة أكبر، والذي سينظر إلى النصر على أنه تفويض لمعاقبة الأوروبيين لعدم دعمهم حملاته العسكرية «الضغط الأقصى» أو لرفضهم التصرف كشركاء ثانويين مطيعين مستعدين للموافقة على كل قرار أمريكي، مهما كان متهوراً.
لكن ما هو أقل منطقية بكثير هو سياسة الترقب السائدة حالياً في العالم العربي. هذا الموقف يوحي خطأً بأن مستقبل منطقتنا -سواء أكان استمراراً للحرب أم طريقاً نحو السلام- يتوقف كلياً على الاستحقاق الانتخابي الأمريكي.
ومع أن هذه الانتخابات ليست بلا أهمية، إلا أن التركيز عليها باعتبارها المحرك الرئيسي لواقع الشرق الأوسط مبالغ فيه للغاية. ويعكس هذا الهوس نقصاً في المعرفة التاريخية، وعجزاً عن إدراك دور شعوب وقيادات منطقتنا في صنع القرار.
يُظهر لنا التاريخ أنه بغض النظر عن الحزب الحاكم، فإن نتائج التدخل الأمريكي تظل ثابتة بشكل ملحوظ. لننظر إلى السجل التالي:
أمر الرئيس بيل كلينتون، وهو ديمقراطي، بقصف مصنع الشفاء للأدوية في السودان في أغسطس 1998 وقصف العراق خلال عملية ثعلب الصحراء في ديسمبر من نفس العام.
وعلى الرغم من كونه يُنظر إليه كزعيم غير متشدد يركز على مبدأ «الاحتواء المزدوج»، إلا أن كلينتون استخدم القوة العسكرية في الشرق الأوسط بشكل متكرر لصرف الانتباه عن فضائحه الشخصية في الداخل.
أثار خلفه الجمهوري جورج دبليو بوش في البداية قلق جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن بسبب ما اعتبروه نقصاً في تعييناته المؤيدة لإسرائيل. ومع ذلك، فقد شنّ في نهاية المطاف حروباً كارثية في جميع أنحاء المنطقة بما يتماشى تماماً مع الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية.
ثم خلفه باراك أوباما، الذي فاقت شعبيته بين العرب والمسلمين شعبية أي رئيس آخر في تاريخ الولايات المتحدة. ومع ذلك، أدت استراتيجيته المتمثلة في «قائمة الاغتيالات» و«القيادة من الخلف» إلى كوارث إنسانية من اليمن إلى ليبيا.
علاوة على ذلك، ضمنت إدارته الهيمنة العسكرية لإسرائيل من خلال توقيع مذكرة التفاهم لعام 2016، والتي تتضمن 3.8 مليارات دولار من المساعدات العسكرية السنوية - وهو أكبر تعهد في تاريخ الولايات المتحدة.
لقد سبقت ولاية دونالد ترامب الأولى حججٌ مفادها أن ثروته الشخصية ستحميه من تلاعب جماعات الضغط، لكنه بدلاً من ذلك، زرع بذور الفوضى التي تغمرنا اليوم، حيث ضمنت فترة ولايته بقاء المنطقة في حالة صراع دائم.
صحيح أن السياسة الخارجية الأمريكية تؤثر بشكل كبير في واقعنا الحالي، بدءًا من حرب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة وصولًا إلى الحروب الإقليمية والاضطرابات الاقتصادية الأخرى التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط بأسرها.
ومع ذلك، سواء بقي الرئيس ترامب حاكمًا بلا منازع للولايات المتحدة في شهر نوفمبر القادم أو أصبح رئيسًا في نهاية ولايته، فإن المسار الأساسي للسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط لن يتغير بالقدر الذي يتصوره اكثيرون.
وبعبارة أدق، سيكون تأثير انتخابات التجديد النصفي الأمريكية بالغ الأهمية بقدر ما نسمح له نحن في المنطقة. فإذا بقينا معتمدين على إملاءات الولايات المتحدة وتوجيهاتها، سنصبح مجرد رعايا لإمبراطورية، متجاهلين إحساسنا بالقدرة على التأثير وديناميكياتنا الداخلية.
الحقيقة الثابتة هي أن الولايات المتحدة دولةٌ تميل بنيوياً نحو السيطرة السياسية والهيمنة الاقتصادية. ولن يتغير هذا الواقع، سواء في نوفمبر الحالي أو في أي نوفمبر آخر، ما لم تتغير الحقائق الجيوسياسية في الشرق الأوسط بمبادرةٍ منّا.
وبدلاً من التطلع إلى «التغيير» في شهر نوفمبر والرهان على الديمقراطيين، يجب علينا العمل على التأثير في النتائج بأنفسنا. إن موازين القوى العالمية تتغير، ومنطقتنا مرشحة بقوة للتغيير الأهم. ببساطة، لا يمكننا الانتظار حتى شهر نوفمبر - أو أي موعد آخر- على أمل استعادة الاستقرار. يجب أن يتحول التركيز نحو تحقيق الاستقرار الإقليمي، بغض النظر عن التوجه السياسي للبيت الأبيض.
تزخر منطقة الشرق الأوسط بالفرص والموارد ورأس المال البشري الذي، إذا ما توحد، سيسمح لنا بأن نكون مؤثرين ليس فقط في شؤوننا الخاصة ولكن في تشكيل العالم من حولنا - مما يجعله أكثر استقراراً، وأكثر تمثيلاً لتطلعات شعوبنا، وفي نهاية المطاف، أكثر عدلاً.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك