تشهد الأوساط الفكرية والفلسفية هذا العام 2026 احتفاء كبيرا بالذكرى المئوية التاسعة لمولد فيلسوف قرطبة الكبير ابن رشد (1126-1198م). وهو من أبرز فلاسفة العقل والتنوير. فخلال شهر أبريل الماضي نظم «البيت العربي» –وهو مؤسسة عمومية إسبانية مقرها في مدريد تعمل كنقطة التقاء بين إسبانيا والعالم العربي- مؤتمرات وندوات فلسفية لمناقشة إرث ابن رشد الفلسفي وأثره في ظهور الرشدية اللاتينية ودوره الكبير في نقل أوروبا إلى عصر النهضة.
كما نظمت تونس في معرض الكتاب الدولي لعام 2026 فعالية ثقافية للاحتفاء بابن رشد تحت عنوان «رهانات ابن رشد» وتم إنتاج فيلم وثائقي عن ابن رشد بعنوان «الشارح» ليوثق حياة ابن رشد وظروف نفيه إلى إليسانة ووفاته.
والجدير بالذكر أنه في نهاية عام 2025 احتفت مصر بمئوية الفيلسوف الراحل مراد وهبة، الذى وُصف بـ«ابن رشد العصر الحديث» بفضل مشروعه التنويري الذى ناضل فيه من أجل استدعاء الفكر الرشدي العقلاني إلى العالم العربي بوصفه حلا لا مناص منه للانسلاخ من التراجع الحضاري البائد منذ القرن الـ13 الميلادي، وهو الحل الذى تبنته أوروبا في التوقيت نفسه عندما استجاب الملك فريدريك الثاني امبراطور ألمانيا أثناء صراعه مع الكنيسة لنصائح مستشاريه له بترجمة أعمال ابن رشد لكى يتخلص من النظام الإقطاعي المدعوم من الكنيسة وتشجيع طبقة التجار.
ولكن لماذا ابن رشد؟ وما أهمية أعماله في تغيير الواقع الأوروبي؟ كان مستشارو الملك الألماني يرون في مؤلفاته فكرا رصينا يسمح بالتطوير والتغيير المأمول، وهو ما حدا بالملك إلى أن يأمر بترجمة مؤلفات ابن رشد إلى درجة أننا نعثر فيها على ترجمات بالعبرية أو اللاتينية من دون أن نجد أثرا للأصل العربي الذي أبادته نيران السلطان في المشرق العربي مثلما كان مصير مؤلفه الفيلسوف ابن رشد ذاته نفيا خارج البلاد.
لا شك أن الإرث الفلسفي الذي تجسده شخصية ابن رشد لعب دورا محوريا ليس فقط في نقل الفلسفات الإغريقية إلى أوروبا، وخاصة شروحه الفلسفية الدقيقة لأعمال أرسطو، وإنما أيضا في استيعاب أوروبا الكامل لها إلى درجة أن ثمة رموزا فلسفية رفيعة تذهب إلى أن ابن رشد لا ينبغي النظر إليه اليوم في أوروبا بوصفه ذلك «الآخر المختلف عنا» وإنما باعتباره جزءا لا يتجزأ من أوروبا وحضارتها.
ولا عجب أن نشاهد في أوروبا اهتماما لا ينقطع بالنصوص الرشدية يعبر عن نفسه في خروج دراسات جديدة كل الجدة تعيد قراءتها وتجتهد في تفكيكها لاكتناه مضامينها الفلسفية العميقة، وثمة دراسات أخرى تتصدى للانتقادات والتفسيرات الخاطئة التي نسبها إلى فلسفة ابن رشد اللاهوتي المعروف بعدائه الشديد له توما الأكويني وتلامذته من اللاهوتيين في العصر الوسيط.
فقد أعدت دراسة معمقة جديدة للفيلسوف الفرنسي جان باتيست برونيه Jean-Batiste Brenet -وهو من أبرز المتخصصين الشبان في الفلسفتين العربية واللاتينية في العصر الوسيط بجامعة السوربون- عنوانهاAverroes l’inquietant ؛ أي «ابن رشد المقلق»، لتكشف النقاب عن الأخطاء الفادحة التي وقع فيها لاهوتيو العصور الوسطى في قراءتهم لنصوص ابن رشد التي ظلت تتكرر في التاريخ الأوروبي حتى القرن التاسع عشر إلى درجة أنها أدت إلى تزييف كبير في معانيها ومقاصدها الفلسفية، وهو ما شكل في نظر «برونيه» «فضيحة كبيرة» لأعداء فيلسوف قرطبة في أوروبا.
بيد أن السؤال هو: ما هي الانتقادات الفلسفية التي وجهها اللاهوتيون الأوروبيون على رأسهم بالقطع توما الاكويني إلى ابن رشد وما سبب قلقهم منه؟
إن ما أقلقهم من ابن رشد يرجع إلى ما أشاعه الأكويني عنه بأنه أخطأ في قراءته لأرسطو عندما ادعى «أن عقل الإنسان قوة مفارقة للأفراد وأنه واحد لكل الجنس البشرى وأنه لم يخلق ولكنه أزلي»، وهو ما حدا بالأكويني إلى استنتاج خاطئ مؤداه أن الفرد البشري لم يعد يملك عقلا شخصيا وأنه غير قادر على التفكير والتصرف ولا يمكن أن يكون مسؤولا عن أي شيء وكأنه حيوان بلا عقل وهو ما يعد كفرا بالدين.
لكن منطق الفكر الرشدي كان دائما أقوى من نوايا أعدائه؛ فرغم مزاعمهم ومقاومتهم له لعب ابن رشد دورا جوهريا في إخراج أوروبا من العصور الوسطى إلى النهضة. وصدق من قال إن امتناع المشرق العربي عن تلقي الفكر الرشدي وتمسكه الشديد بالفكر الأصولي يتماشى تماما مع مبدأ أسسه ابن رشد في مؤلفاته حول الطبيعيات والعقليات، وهو مبدأ «التواصل بين المحرك والمتحرك»، ومؤداه ضرورة أن يكون هناك تماثل في الطبيعة بينهما.
تُرى كيف يمكن أن يتحقق مثل هذا التماثل الرشدي بين فكر تنويري محرك بطبيعته نحو التغيير وذهنية أصولية عصية بطبيعتها على التغير؟
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب - جامعة حلوان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك