العدد : ١٧٥٨٧ - الاثنين ١٨ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٧ - الاثنين ١٨ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مغزى الاحتفالات العالمية بالذكرى المئوية التاسعة للفيلسوف العربي ابن رشد

بقلم: د. عصام عبدالفتاح

الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

تشهد‭ ‬الأوساط‭ ‬الفكرية‭ ‬والفلسفية‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬2026‭ ‬احتفاء‭ ‬كبيرا‭ ‬بالذكرى‭ ‬المئوية‭ ‬التاسعة‭ ‬لمولد‭ ‬فيلسوف‭ ‬قرطبة‭ ‬الكبير‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ (‬1126-1198م‭). ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬فلاسفة‭ ‬العقل‭ ‬والتنوير‭. ‬فخلال‭ ‬شهر‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي‭ ‬نظم‭ ‬‮«‬البيت‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬–وهو‭ ‬مؤسسة‭ ‬عمومية‭ ‬إسبانية‭ ‬مقرها‭ ‬في‭ ‬مدريد‭ ‬تعمل‭ ‬كنقطة‭ ‬التقاء‭ ‬بين‭ ‬إسبانيا‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭- ‬مؤتمرات‭ ‬وندوات‭ ‬فلسفية‭ ‬لمناقشة‭ ‬إرث‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬الفلسفي‭ ‬وأثره‭ ‬في‭ ‬ظهور‭ ‬الرشدية‭ ‬اللاتينية‭ ‬ودوره‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬أوروبا‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ ‬النهضة‭.‬

‭ ‬كما‭ ‬نظمت‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬الكتاب‭ ‬الدولي‭ ‬لعام‭ ‬2026‭ ‬فعالية‭ ‬ثقافية‭ ‬للاحتفاء‭ ‬بابن‭ ‬رشد‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬رهانات‭ ‬ابن‭ ‬رشد‮»‬‭ ‬وتم‭ ‬إنتاج‭ ‬فيلم‭ ‬وثائقي‭ ‬عن‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬الشارح‮»‬‭ ‬ليوثق‭ ‬حياة‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬وظروف‭ ‬نفيه‭ ‬إلى‭ ‬إليسانة‭ ‬ووفاته‭.‬

والجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬احتفت‭ ‬مصر‭ ‬بمئوية‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الراحل‭ ‬مراد‭ ‬وهبة،‭ ‬الذى‭ ‬وُصف‭ ‬بـ«ابن‭ ‬رشد‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‮»‬‭ ‬بفضل‭ ‬مشروعه‭ ‬التنويري‭ ‬الذى‭ ‬ناضل‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استدعاء‭ ‬الفكر‭ ‬الرشدي‭ ‬العقلاني‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬بوصفه‭ ‬حلا‭ ‬لا‭ ‬مناص‭ ‬منه‭ ‬للانسلاخ‭ ‬من‭ ‬التراجع‭ ‬الحضاري‭ ‬البائد‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬الـ13‭ ‬الميلادي،‭ ‬وهو‭ ‬الحل‭ ‬الذى‭ ‬تبنته‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬التوقيت‭ ‬نفسه‭ ‬عندما‭ ‬استجاب‭ ‬الملك‭ ‬فريدريك‭ ‬الثاني‭ ‬امبراطور‭ ‬ألمانيا‭ ‬أثناء‭ ‬صراعه‭ ‬مع‭ ‬الكنيسة‭ ‬لنصائح‭ ‬مستشاريه‭ ‬له‭ ‬بترجمة‭ ‬أعمال‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬لكى‭ ‬يتخلص‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الإقطاعي‭ ‬المدعوم‭ ‬من‭ ‬الكنيسة‭ ‬وتشجيع‭ ‬طبقة‭ ‬التجار‭. ‬

ولكن‭ ‬لماذا‭ ‬ابن‭ ‬رشد؟‭ ‬وما‭ ‬أهمية‭ ‬أعماله‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬الواقع‭ ‬الأوروبي؟‭ ‬كان‭ ‬مستشارو‭ ‬الملك‭ ‬الألماني‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬مؤلفاته‭ ‬فكرا‭ ‬رصينا‭ ‬يسمح‭ ‬بالتطوير‭ ‬والتغيير‭ ‬المأمول،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدا‭ ‬بالملك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يأمر‭ ‬بترجمة‭ ‬مؤلفات‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أننا‭ ‬نعثر‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬ترجمات‭ ‬بالعبرية‭ ‬أو‭ ‬اللاتينية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬أثرا‭ ‬للأصل‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬أبادته‭ ‬نيران‭ ‬السلطان‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬مثلما‭ ‬كان‭ ‬مصير‭ ‬مؤلفه‭ ‬الفيلسوف‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬ذاته‭ ‬نفيا‭ ‬خارج‭ ‬البلاد‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الإرث‭ ‬الفلسفي‭ ‬الذي‭ ‬تجسده‭ ‬شخصية‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬لعب‭ ‬دورا‭ ‬محوريا‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الفلسفات‭ ‬الإغريقية‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬وخاصة‭ ‬شروحه‭ ‬الفلسفية‭ ‬الدقيقة‭ ‬لأعمال‭ ‬أرسطو،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬أوروبا‭ ‬الكامل‭ ‬لها‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬رموزا‭ ‬فلسفية‭ ‬رفيعة‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بوصفه‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬عنا‮»‬‭ ‬وإنما‭ ‬باعتباره‭ ‬جزءا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬وحضارتها‭. ‬

ولا‭ ‬عجب‭ ‬أن‭ ‬نشاهد‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬اهتماما‭ ‬لا‭ ‬ينقطع‭ ‬بالنصوص‭ ‬الرشدية‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬خروج‭ ‬دراسات‭ ‬جديدة‭ ‬كل‭ ‬الجدة‭ ‬تعيد‭ ‬قراءتها‭ ‬وتجتهد‭ ‬في‭ ‬تفكيكها‭ ‬لاكتناه‭ ‬مضامينها‭ ‬الفلسفية‭ ‬العميقة،‭ ‬وثمة‭ ‬دراسات‭ ‬أخرى‭ ‬تتصدى‭ ‬للانتقادات‭ ‬والتفسيرات‭ ‬الخاطئة‭ ‬التي‭ ‬نسبها‭ ‬إلى‭ ‬فلسفة‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬اللاهوتي‭ ‬المعروف‭ ‬بعدائه‭ ‬الشديد‭ ‬له‭ ‬توما‭ ‬الأكويني‭ ‬وتلامذته‭ ‬من‭ ‬اللاهوتيين‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الوسيط‭.‬

‭ ‬فقد‭ ‬أعدت‭ ‬دراسة‭ ‬معمقة‭ ‬جديدة‭ ‬للفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬جان‭ ‬باتيست‭ ‬برونيه‭ ‬Jean‭-‬Batiste‭ ‬Brenet‭  -‬وهو‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المتخصصين‭ ‬الشبان‭ ‬في‭ ‬الفلسفتين‭ ‬العربية‭ ‬واللاتينية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الوسيط‭ ‬بجامعة‭ ‬السوربون‭- ‬عنوانهاAverroes‭ ‬linquietant‭ ‬؛‭ ‬أي‭ ‬‮«‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬المقلق‮»‬،‭ ‬لتكشف‭ ‬النقاب‭ ‬عن‭ ‬الأخطاء‭ ‬الفادحة‭ ‬التي‭ ‬وقع‭ ‬فيها‭ ‬لاهوتيو‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬في‭ ‬قراءتهم‭ ‬لنصوص‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الأوروبي‭ ‬حتى‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أنها‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تزييف‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬معانيها‭ ‬ومقاصدها‭ ‬الفلسفية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬شكل‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬‮«‬برونيه‮»‬‭ ‬‮«‬فضيحة‭ ‬كبيرة‮»‬‭ ‬لأعداء‭ ‬فيلسوف‭ ‬قرطبة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭.‬

بيد‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭: ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الانتقادات‭ ‬الفلسفية‭ ‬التي‭ ‬وجهها‭ ‬اللاهوتيون‭ ‬الأوروبيون‭ ‬على‭ ‬رأسهم‭ ‬بالقطع‭ ‬توما‭ ‬الاكويني‭ ‬إلى‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬وما‭ ‬سبب‭ ‬قلقهم‭ ‬منه؟‭ ‬

إن‭ ‬ما‭ ‬أقلقهم‭ ‬من‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أشاعه‭ ‬الأكويني‭ ‬عنه‭ ‬بأنه‭ ‬أخطأ‭ ‬في‭ ‬قراءته‭ ‬لأرسطو‭ ‬عندما‭ ‬ادعى‭ ‬‮«‬أن‭ ‬عقل‭ ‬الإنسان‭ ‬قوة‭ ‬مفارقة‭ ‬للأفراد‭ ‬وأنه‭ ‬واحد‭ ‬لكل‭ ‬الجنس‭ ‬البشرى‭ ‬وأنه‭ ‬لم‭ ‬يخلق‭ ‬ولكنه‭ ‬أزلي‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدا‭ ‬بالأكويني‭ ‬إلى‭ ‬استنتاج‭ ‬خاطئ‭ ‬مؤداه‭ ‬أن‭ ‬الفرد‭ ‬البشري‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يملك‭ ‬عقلا‭ ‬شخصيا‭ ‬وأنه‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬والتصرف‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مسؤولا‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬وكأنه‭ ‬حيوان‭ ‬بلا‭ ‬عقل‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعد‭ ‬كفرا‭ ‬بالدين‭. ‬

لكن‭ ‬منطق‭ ‬الفكر‭ ‬الرشدي‭ ‬كان‭ ‬دائما‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬نوايا‭ ‬أعدائه؛‭ ‬فرغم‭ ‬مزاعمهم‭ ‬ومقاومتهم‭ ‬له‭ ‬لعب‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬دورا‭ ‬جوهريا‭ ‬في‭ ‬إخراج‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬إلى‭ ‬النهضة‭. ‬وصدق‭ ‬من‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬امتناع‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬عن‭ ‬تلقي‭ ‬الفكر‭ ‬الرشدي‭ ‬وتمسكه‭ ‬الشديد‭ ‬بالفكر‭ ‬الأصولي‭ ‬يتماشى‭ ‬تماما‭ ‬مع‭ ‬مبدأ‭ ‬أسسه‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬في‭ ‬مؤلفاته‭ ‬حول‭ ‬الطبيعيات‭ ‬والعقليات،‭ ‬وهو‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬المحرك‭ ‬والمتحرك‮»‬،‭ ‬ومؤداه‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬تماثل‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬بينهما‭.‬

‭ ‬تُرى‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التماثل‭ ‬الرشدي‭ ‬بين‭ ‬فكر‭ ‬تنويري‭ ‬محرك‭ ‬بطبيعته‭ ‬نحو‭ ‬التغيير‭ ‬وذهنية‭ ‬أصولية‭ ‬عصية‭ ‬بطبيعتها‭ ‬على‭ ‬التغير؟

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي

‭ ‬بكلية‭ ‬الآداب‭ - ‬جامعة‭ ‬حلوان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا