يا بحرين، يا لؤلؤةً تعرف كيف تولد من ضغط الأعماق، لا تحزني على مَن مرّوا تحت ظلكِ ثم باعوا ظلّهم لأول عتمةٍ عابرة. لا تحزني على أغصانٍ شربت من مائكِ، فلما جاء وقت الثمر مالَتْ إلى ريحٍ لا تعرف اسم النخلة ولا حرمة الجذور.
فليست كل يدٍ تلوّح للراية تعرف وزنها، وليست كل حنجرةٍ تحفظ النشيد تحمل الوطن في صدرها. بعض الأصوات عاليةٌ كالموج، لكنها بلا عمق؛ وبعض الصمت أوفى من ألف قسم، لأنه إذا دُعي إلى الموقف صار صخرةً في وجه المدّ.
يا وطن، الولاء لا يسكن اللسان طويلًا إن لم يجد له بيتًا في الفعل. لا يكفي أن يقول المرء أنا منك، ثم إذا اختبرتْه الريح فتح نافذته للغبار. ولا يكفي أن يقف في الصف حين تكون الشمس رحيمة، ثم يتسلل عند العاصفة إلى مصباحٍ غريب. فالانتماء ليس ثوبًا للمناسبات، بل جلدا لا يخلعه صاحبه حين يقترب الخطر.
كم من وجهٍ عرفته أبوابكِ، وكم من اسمٍ مرّ على دفاتر عطفكِ، وكم من يدٍ أطعمتِها خبز الأمان، ثم عادت تحمل في أصابعها رماد الطريق.
لكن الوطن الذي يمنح لا يندم على كرمه؛ لأن الكرم من طبعه، أما الغدر فليس إلا شهادةً على صاحبه. البحر لا يعتذر لأنه حمل سفينةً خائنة؛ السفينة هي التي تفضح وجهتها حين تختار الميناء الخطأ.
لا تحزني يا البحرين.
فالطعنات التي تأتي من الخلف لا تعني أن الظهر ضعيف، بل إن الطاعن لم يملك شجاعة المواجهة. والذي يخبئ خنجره في ثوب القربى لا يصبح قريبًا؛ إنما يثبت أن الثوب قد يستر الجسد، لكنه لا يستر المعدن.
بعضهم ظنّ أن الحضن غفلة، وأن الصبر عجز، وأن سعة القلب بابٌ بلا حارس. وما علموا أن للأوطان بصيرةً أقدم من عيونهم، وأن الرمال التي تبدو ساكنة تحفظ أثر الخطوة، وأن البحر الذي يصمت طويلًا يعرف جيدًا من جاءه راجعًا، ومن جاءه متسللًا بلا ضوء.
يا بحرين، لا يكسركِ أن تنكشف الوجوه؛ فالزيف حين يظهر يُخفف حمله عن الذاكرة، والخيانة حين تخرج من الظل تفقد نصف سمّها. الجرح الذي يدلّكِ على موضع الخطر ليس لعنةً كاملة؛ أحيانًا يكون الجرح عينًا ثالثة، ترى ما كانت العافية تخفيه.
عاند الجرح يبرى يا بحرين.
فالألم لا يطول على قلبٍ صبور، ولا يستوطن صدرًا يعرف كيف يحوّل الوجع إلى حصن، والخذلان إلى يقظة، والندبة إلى خريطة. وما كل ندبةٍ نقص؛ بعض الندوب أوسمةٌ صامتة تقول إن الجسد تعرّض للغدر، لكنه لم يسقط.
أما الذين مدّوا آذانهم إلى ما وراء الماء، وتركوا نداء البيت، فسيعرفون متأخرين أن الغريب لا يحتضن من خان أهله؛ بل يستعمله كما تُستعمل الورقة اليابسة لإشعال نارٍ لا تدفئ أحدًا. ومن يبيع طريقه لا يملك الوصول، ومن يفرّ من جذره لا يصبح شجرةً في أرضٍ أخرى.
ستبقين يا بحرين أوسع من الخنجر، وأعلى من اليد التي حاولت أن تخفض الراية، وأصلب من العاصفة التي ظنت أن الرمل بلا ذاكرة. فالذين يطعنون الظهر لا يبلغون القلب، والذين يبيعون الطريق لا يملكون النهاية.
أما أنتِ، فستبقين جرحًا يبرأ، ورايةً لا تنحني، وصباحًا لا يستأذن الخائفين.
{ باحث دكتوراة في الإعلام والعلاقات الدولية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك