العدد : ١٧٥٨٧ - الاثنين ١٨ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٧ - الاثنين ١٨ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

عاند الجرح يبرى يا البحرين.. ما يطول الألم على قلب صبور

بقلم: يعقوب سامي القوز

الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

يا‭ ‬بحرين،‭ ‬يا‭ ‬لؤلؤةً‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تولد‭ ‬من‭ ‬ضغط‭ ‬الأعماق،‭ ‬لا‭ ‬تحزني‭ ‬على‭ ‬مَن‭ ‬مرّوا‭ ‬تحت‭ ‬ظلكِ‭ ‬ثم‭ ‬باعوا‭ ‬ظلّهم‭ ‬لأول‭ ‬عتمةٍ‭ ‬عابرة‭. ‬لا‭ ‬تحزني‭ ‬على‭ ‬أغصانٍ‭ ‬شربت‭ ‬من‭ ‬مائكِ،‭ ‬فلما‭ ‬جاء‭ ‬وقت‭ ‬الثمر‭ ‬مالَتْ‭ ‬إلى‭ ‬ريحٍ‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬اسم‭ ‬النخلة‭ ‬ولا‭ ‬حرمة‭ ‬الجذور‭.‬

فليست‭ ‬كل‭ ‬يدٍ‭ ‬تلوّح‭ ‬للراية‭ ‬تعرف‭ ‬وزنها،‭ ‬وليست‭ ‬كل‭ ‬حنجرةٍ‭ ‬تحفظ‭ ‬النشيد‭ ‬تحمل‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬صدرها‭. ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬عاليةٌ‭ ‬كالموج،‭ ‬لكنها‭ ‬بلا‭ ‬عمق؛‭ ‬وبعض‭ ‬الصمت‭ ‬أوفى‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬قسم،‭ ‬لأنه‭ ‬إذا‭ ‬دُعي‭ ‬إلى‭ ‬الموقف‭ ‬صار‭ ‬صخرةً‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬المدّ‭.‬

يا‭ ‬وطن،‭ ‬الولاء‭ ‬لا‭ ‬يسكن‭ ‬اللسان‭ ‬طويلًا‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬له‭ ‬بيتًا‭ ‬في‭ ‬الفعل‭. ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬المرء‭ ‬أنا‭ ‬منك،‭ ‬ثم‭ ‬إذا‭ ‬اختبرتْه‭ ‬الريح‭ ‬فتح‭ ‬نافذته‭ ‬للغبار‭. ‬ولا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬الشمس‭ ‬رحيمة،‭ ‬ثم‭ ‬يتسلل‭ ‬عند‭ ‬العاصفة‭ ‬إلى‭ ‬مصباحٍ‭ ‬غريب‭. ‬فالانتماء‭ ‬ليس‭ ‬ثوبًا‭ ‬للمناسبات،‭ ‬بل‭ ‬جلدا‭ ‬لا‭ ‬يخلعه‭ ‬صاحبه‭ ‬حين‭ ‬يقترب‭ ‬الخطر‭.‬

كم‭ ‬من‭ ‬وجهٍ‭ ‬عرفته‭ ‬أبوابكِ،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬اسمٍ‭ ‬مرّ‭ ‬على‭ ‬دفاتر‭ ‬عطفكِ،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬يدٍ‭ ‬أطعمتِها‭ ‬خبز‭ ‬الأمان،‭ ‬ثم‭ ‬عادت‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬أصابعها‭ ‬رماد‭ ‬الطريق‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬لا‭ ‬يندم‭ ‬على‭ ‬كرمه؛‭ ‬لأن‭ ‬الكرم‭ ‬من‭ ‬طبعه،‭ ‬أما‭ ‬الغدر‭ ‬فليس‭ ‬إلا‭ ‬شهادةً‭ ‬على‭ ‬صاحبه‭. ‬البحر‭ ‬لا‭ ‬يعتذر‭ ‬لأنه‭ ‬حمل‭ ‬سفينةً‭ ‬خائنة؛‭ ‬السفينة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تفضح‭ ‬وجهتها‭ ‬حين‭ ‬تختار‭ ‬الميناء‭ ‬الخطأ‭.‬

لا‭ ‬تحزني‭ ‬يا‭ ‬البحرين‭.‬

فالطعنات‭ ‬التي‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬الخلف‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬الظهر‭ ‬ضعيف،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الطاعن‭ ‬لم‭ ‬يملك‭ ‬شجاعة‭ ‬المواجهة‭. ‬والذي‭ ‬يخبئ‭ ‬خنجره‭ ‬في‭ ‬ثوب‭ ‬القربى‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬قريبًا؛‭ ‬إنما‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬الثوب‭ ‬قد‭ ‬يستر‭ ‬الجسد،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يستر‭ ‬المعدن‭.‬

بعضهم‭ ‬ظنّ‭ ‬أن‭ ‬الحضن‭ ‬غفلة،‭ ‬وأن‭ ‬الصبر‭ ‬عجز،‭ ‬وأن‭ ‬سعة‭ ‬القلب‭ ‬بابٌ‭ ‬بلا‭ ‬حارس‭. ‬وما‭ ‬علموا‭ ‬أن‭ ‬للأوطان‭ ‬بصيرةً‭ ‬أقدم‭ ‬من‭ ‬عيونهم،‭ ‬وأن‭ ‬الرمال‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬ساكنة‭ ‬تحفظ‭ ‬أثر‭ ‬الخطوة،‭ ‬وأن‭ ‬البحر‭ ‬الذي‭ ‬يصمت‭ ‬طويلًا‭ ‬يعرف‭ ‬جيدًا‭ ‬من‭ ‬جاءه‭ ‬راجعًا،‭ ‬ومن‭ ‬جاءه‭ ‬متسللًا‭ ‬بلا‭ ‬ضوء‭.‬

يا‭ ‬بحرين،‭ ‬لا‭ ‬يكسركِ‭ ‬أن‭ ‬تنكشف‭ ‬الوجوه؛‭ ‬فالزيف‭ ‬حين‭ ‬يظهر‭ ‬يُخفف‭ ‬حمله‭ ‬عن‭ ‬الذاكرة،‭ ‬والخيانة‭ ‬حين‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬الظل‭ ‬تفقد‭ ‬نصف‭ ‬سمّها‭. ‬الجرح‭ ‬الذي‭ ‬يدلّكِ‭ ‬على‭ ‬موضع‭ ‬الخطر‭ ‬ليس‭ ‬لعنةً‭ ‬كاملة؛‭ ‬أحيانًا‭ ‬يكون‭ ‬الجرح‭ ‬عينًا‭ ‬ثالثة،‭ ‬ترى‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬العافية‭ ‬تخفيه‭.‬

عاند‭ ‬الجرح‭ ‬يبرى‭ ‬يا‭ ‬بحرين‭.‬

فالألم‭ ‬لا‭ ‬يطول‭ ‬على‭ ‬قلبٍ‭ ‬صبور،‭ ‬ولا‭ ‬يستوطن‭ ‬صدرًا‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يحوّل‭ ‬الوجع‭ ‬إلى‭ ‬حصن،‭ ‬والخذلان‭ ‬إلى‭ ‬يقظة،‭ ‬والندبة‭ ‬إلى‭ ‬خريطة‭. ‬وما‭ ‬كل‭ ‬ندبةٍ‭ ‬نقص؛‭ ‬بعض‭ ‬الندوب‭ ‬أوسمةٌ‭ ‬صامتة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الجسد‭ ‬تعرّض‭ ‬للغدر،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يسقط‭.‬

أما‭ ‬الذين‭ ‬مدّوا‭ ‬آذانهم‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬الماء،‭ ‬وتركوا‭ ‬نداء‭ ‬البيت،‭ ‬فسيعرفون‭ ‬متأخرين‭ ‬أن‭ ‬الغريب‭ ‬لا‭ ‬يحتضن‭ ‬من‭ ‬خان‭ ‬أهله؛‭ ‬بل‭ ‬يستعمله‭ ‬كما‭ ‬تُستعمل‭ ‬الورقة‭ ‬اليابسة‭ ‬لإشعال‭ ‬نارٍ‭ ‬لا‭ ‬تدفئ‭ ‬أحدًا‭. ‬ومن‭ ‬يبيع‭ ‬طريقه‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الوصول،‭ ‬ومن‭ ‬يفرّ‭ ‬من‭ ‬جذره‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬شجرةً‭ ‬في‭ ‬أرضٍ‭ ‬أخرى‭.‬

ستبقين‭ ‬يا‭ ‬بحرين‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الخنجر،‭ ‬وأعلى‭ ‬من‭ ‬اليد‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬تخفض‭ ‬الراية،‭ ‬وأصلب‭ ‬من‭ ‬العاصفة‭ ‬التي‭ ‬ظنت‭ ‬أن‭ ‬الرمل‭ ‬بلا‭ ‬ذاكرة‭. ‬فالذين‭ ‬يطعنون‭ ‬الظهر‭ ‬لا‭ ‬يبلغون‭ ‬القلب،‭ ‬والذين‭ ‬يبيعون‭ ‬الطريق‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬النهاية‭.‬

أما‭ ‬أنتِ،‭ ‬فستبقين‭ ‬جرحًا‭ ‬يبرأ،‭ ‬ورايةً‭ ‬لا‭ ‬تنحني،‭ ‬وصباحًا‭ ‬لا‭ ‬يستأذن‭ ‬الخائفين‭.‬

 

{‭ ‬باحث‭ ‬دكتوراة‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬والعلاقات‭ ‬الدولية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا